No Image
عمان الثقافي

تدريب الآلة على الأدب.. سطو على الجهد الإنساني أم أفق جديد للسرد؟

24 يونيو 2026
24 يونيو 2026

تحقيق: حسن عبد الموجود

منذ أن ظهر الذكاء الاصطناعي كثر الجدل حول تأثيره السلبي على الأدب، ومؤخرًا اعترفت الكاتبة البولندية أولجا توكارتشوك بأنها استخدمته في كتابة رواية لم تصدر بعدُ، ورغم تأكيدها على أنه ساعدها فقط في الوصول إلى معلومات تتعلق بالأغاني في القرن التاسع عشر حيث تدور أحداث روايتها، إلا أن السخط عليها وصل إلى حد المطالبة بسحب نوبل منها!

كما سحبت دار هاشيت العالمية رواية «الفتاة الخجولة» من المكتبات البريطانية بعد الاشتباه في اعتماد مؤلفتها ميا بالارد على الذكاء الاصطناعي، وكذلك قرر المسؤولون عن جائزة «إنك بونك» بالمملكة المتحدة سحب كتاب من قائمتها القصيرة بعد اكتشاف استخدامه في بعض مراحل تصميم الرسوم التوضيحية.

وبرغم كل هذه الخطوات المتشددة، إلا أن الشركات المالكة للذكاء الاصطناعي تمضي في خطتها لتطويره وتحسين صياغته وتدريبه على كتابة الأدب الرفيع، حيث أن الطرح الأول لم يكن على المستوى المأمول، وظهر وسطاء في أسواق النشر بالعالم العربي يطلبون من الناشرين إمدادهم بالأعمال الأدبية الحديثة لإدخالها على أنظمة الذكاء الاصطناعي ومن ثم تلقينه، وكذلك بدأوا في شراء آلاف الكتب القديمة التي سقطت حقوق ملكيتها الفكرية وصارت ملكًا عامًا، ويعملون على رقمنتها تمهيدًا لتزويد الآلة بها، ثم يتخلصون من الكتب عن طريق فرمها حيث لا يمتلكون المخازن الكافية لاستيعابها.

وهنا تثور أسئلة منطقية: هل يتعامل الناشرون بشفافية ويعلنون قبولهم التنازل عن حقوق الكتب؟ وهل يستأذنون أولًا من كتَّابها؟ وهل ينطوي الإسهام في تدريب الآلة على أي شبهة أخلاقية؟ وهل يمكنها أن تأخذ مكان الكاتب؟ وهل عملية الفرم هي إبادة عالمية للكتب؟

نموذج لغوي

في بداية التحقيق حرصت على الإلمام بجوانب القضية، ولذلك توجهت بأسئلتي إلى الناشر المصري شريف بكر، وكان أول سؤال أطرحه عليه: لماذا يُطلق على هذا التدريب اسم «نموذج لغوي كبير»؟ فأجاب: «يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى نموذج لغوي ضخم يستمد منه موادَّ لغوية مكثفة يطالعها كبيانات، ويتعلم منها. إنه لا يتدرب من أجل كتابة الروايات خصيصا وإنما ليستفيد منها في أمور أخرى، مثلما تقرأ الكتب لتساعدك في كتابة مقال أو رواية أو غير ذلك، أو لجمع معلومات عامة للإجابة عن أسئلة ما».

يرى شريف أن ما يجري يشبه الفكرة البشرية ذاتها في صقل الأسلوب، وطريقة الكتابة، وتعلم معرفة قواعد النحو والأخطاء الإملائية. الذكاء الاصطناعي يستوعب كل شيء. يقرأه ويهضمه، ولا ينساه، إذ لا يمكن أن تطلب منه حذف ما قرأه، فبمجرد قراءته للمادة مرة واحدة تدخل إلى النظام مباشرة. ويماثل هذا عدم القدرة على انتزاع ما قرأتَه أو استفدتَه أو تعلمتَه من كتابٍ بعد أن تنهيه، وهذا هو المفهوم الأساسي، كما يقول.

أسأله هل هناك اهتمام من جانب شركات الذكاء الاصطناعي باللغة العربية في مجال التدريب؟ فيجيب: «لم تكن على رأس أولوياتهم، لأنها ليست الأكثر أهمية بالنسبة لهم. حتى إن الذكاء الاصطناعي المصري مثلًا حاليًا يركز على اللغة الإنجليزية، لأنها المصدر الأساسي للعوائد المالية، ولتوفر المواد اللغوية بها بشكل أكبر، فضلًا عن إنفاق المستخدمين عليها وتحقيق الاستفادة منها».

ويضيف: «ومع ذلك، يسعى الجميع إلى تعزيز المعرفة باللغة ومحتواها، لذا لم يغفلوا اللغة العربية تمامًا، فحينما يظهر مَن يرغب في تدريب النماذج اللغوية لديه، لا يُفصح عن ماهية هذه النماذج، إذ يُعد ذلك سرًا تجاريًا، لأن الإفصاح يعني الكشف عن هوية المطورين أو مصادر التمويل وجهات الإنفاق. وبناءً على ذلك، يلجأون إلى وكلاء، وهم عادةً من بائعي الكتب الإلكترونية، بهدف الحصول على المواد اللغوية. ولا يهمهم نوع المحتوى، سواء أكان حديثًا أم قديمًا، أو موجَّهًا للأطفال أم للكبار، فالمنظومة تقرأ كل شيء لتتعلم منه».

هل هناك تدرج في خطة تدريب الآلة؟

يقول: «التوقعات تشير إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد تركيزًا على التخصص والنوع، حيث سيتشكَّل ذكاء اصطناعي طبي يستلزم قراءة كافة الكتب الطبية المتاحة، وكذلك ذكاء اصطناعي اقتصادي، وآخَر للفلسفة أو الترجمة أو المحاورة والنقاش والنقد، بحيث تمنحه كتابًا ليقرأه ثم تسأله عن دوافع تصرف شخصية معينة أو رأيه في تحليل موقف ما ومقارنته بغيره، لكن كل هذه الطموحات لن تتحقق إلا بعد استيعاب كميات ضخمة من البيانات وتوفر مدخلات عديدة تمكِّنه من التصفية والمعالجة، لصياغة رأي مبني على الكتب الأخرى التي طالعها، فهو يطور قدراته عبر الإنترنت كأي شخص يتعلم بطريقة اعتيادية».

كيف ترى ما يحدث في سوق النشر العربية بخصوص هذه القضية؟ يقول شريف بكر: «كان هناك توجه سابق يقضي بعدم التواصل معنا أو إبلاغنا بأي شيء، والاعتماد بدلًا من ذلك على جمع ملفات الكتب المتاحة بصيغة الـpdf، والغالب أن هذا قد حدث بالفعل دون علم أحد، تمامًا كما يحدث في أي عملية قرصنة إلكترونية، لكن نظرًا للضغوط المفروضة عليهم من الاتحادات الدولية والجهات المعنية، ولأن هذا الأمر قد يؤثر سلبًا على المستثمرين - حيث يمكن لقضية واحدة في هذا الصدد أن تكبدهم خسائر تقدر بالملايين - فقد اتجهوا نحو تأمين موقفهم القانوني وتوفير غطاء رسمي لعملهم».

يتابع: «أصبح التوجه الآن يميل نحو جعل كل خطوة «رسمية»، من خلال تقنين عملية الحصول على الكتب، لتوفير مادة معرفية كافية تتيح لهم الادعاء بامتلاك معرفة عربية جيدة وقدرة على إجابة المستخدمين بلغتنا».

وهل نملك ترف الرفض أو الموافقة؟

يقول: «بأمانة مسألة الموافقة من عدمها ليست خيارًا نملكه، فسواء وافقنا أم لم نوافق، هناك تحولات فرضت نفسها على أرض الواقع. يشبه الأمر تمامًا رفض البعض سابقًا فكرة الكتب الإلكترونية أو الصوتية، ومع ذلك لم تتوقف السوق. التحدي الحقيقي الآن هو كيفية التعامل مع هذا الواقع، أو تحقيق المكاسب منه، أو فتح قنوات التواصل معه».

يرى شريف أن ما ينقصنا في هذا السياق هو التشريع، فالآن تضغط الكيانات الدولية كالاتحاد الدولي للناشرين والمنظمات المعنية في المؤتمرات على صنَّاع القرار لسن قوانين تضمن عدم السطو على الحقوق، وتتيح مقاضاة الجهات المخالفة، وتلزمها بالإفصاح عن مصادرها.

ومثلًا أنظمة الذكاء الاصطناعي في البداية كانت تقدم الإجابات مجردة، أما الآن فباتت تُدرِج المصادر بوضوح، وتشير إلى أنها اقتبست هذه المعلومة من صحيفة أو تقرير محدد، وهذا يمثل خطوة أولى نحو تأمين الحقوق.

هذا التوجه، بحسب شريف، سيشهد تقنينًا أكبر بمرور الوقت، وسيمتد أثره إلى المحتوى العربي. وحتى الآن، لم تتخذ أي جهة خطوات حاسمة في هذا الصدد، بما في ذلك منطقة الخليج التي لم تبدأ بالعمل الفعلي على هذه التشريعات بعد، ليبقى الأمر معلقًا في إطار التفاهمات الودية والجهود الذاتية حتى تتبلور المشكلات وتتضح أبعادها.

ماذا إذن عن الجانب الأخلاقي والمهني ومحدودية الأداء والبدائل؟

يؤكد شريف أن هذه المرحلة شبيهة بظهور شبكة الإنترنت، إذ كان الصحفي سابقًا يعمل بآليات تقليدية تعتمد على الانتقال الميداني ومحاورة المصادر مباشرة، بينما يعتمد الآن على البحث الرقمي. لا يمكن وصف هذا التحول بأنه خطأ أخلاقي أو ممارسة غير مقبولة، بل هو تطور طبيعي للأدوات، وبما أننا نعيش مرحلة انتقالية، فلا بد من استيعاب هذا التطور ومواكبته.

بناءً على ذلك، ستكمن القيمة المضافة في كيفية استغلال الكاتب لأدوات الذكاء الاصطناعي وتطويعها لتطوير أدائه الإبداعي، وإلا سيبقى نتاجه تقليديًا لا يختلف عن السائد. وستصبح المفاضلة قائمة على مهارة اختيار المحرك الأنسب واستخدام المخرجات الأجود، وهي أمور ستتضح معالمها مستقبلًا.

يعلق: «العملية تبدو كاختبار يقوم فيه المستخدم بالمراجعة والتدقيق، فيقتبس المادة وينقلها من منصة إلى أخرى، مستخدمًا أدوات إضفاء الطابع البشري على النصوص، وتعديل الصياغة، بل وتعمد إدراج بعض الأخطاء الطفيفة ليوحي بأن النص أصيل وغير منقول. ورغم انتشار هذه الحيل، فإن قيمة المحتوى الحقيقي تظل ظاهرة في النهاية».

وينهي كلامه قائلًا: «هذا التحول لن يسلب العمل الإبداعي قيمته، بل سيسهم في تيسير الجوانب الإجرائية والتقنية، الأمر الذي سينعكس إيجابًا على رفع معايير جودة المؤلفات، إذ لن يُقبَل بعد الآن الاستسهال في الكتابة أو الاكتفاء بالصياغات السطحية، بل سيصبح الكاتب مطالبًا بتقديم نتاج أعمق وأكثر ثراءً».

واقع مؤثر

الناشر الفلسطيني معتز قطينة يقول: «إذا عُرض عليَّ منح أعمالي الأدبية للإسهام في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، سأوافق على ذلك، بشرط وجود إطار قانوني وأخلاقي واضح يحفظ حقوق جميع الأطراف في العملية، مؤلفين وناشرين، ويضمن عدم استخدام الأعمال بطريقة تضر بأصحابها أو تؤدي إلى نسخها وإعادة إنتاجها بصورة مباشرة».

أسأله: هل تكمن المشكلة في التطور التقني ذاته؟

يجيب: «لا، إنما في آليات استخدام المحتوى وحماية الملكية الفكرية، وعدم وجود خط أخلاقي واضح لدى بعض المستخدمين في التفرقة بين ما هو أصيل من الأدب، وبين المحتوى المنتَج بالذكاء الاصطناعي».

يرى معتز أن هذه الأدوات أصبحت واقعًا مؤثرًا في مختلف المجالات، بما فيها النشر والكتابة، ومن الصعب تجاهل هذا التحول أو الوقوف في مواجهته، أو منع حدوثه، ويرى أيضًا أن الأدب العربي يمكنه أن يستفيد من هذه التقنيات في مجالات عدة، مثل تحسين أدوات البحث والتحليل والترجمة والوصول إلى المعرفة، كما يمكن أن تسهم النماذج المدرَّبة على المحتوى العربي في تعزيز حضور اللغة العربية رقميًا وتطوير أدوات أقدر على التعامل مع خصوصيتها الثقافية.

في المقابل، ينبغي - كما يقول معتز - أن نميِّز بين الإبداع الأدبي الحقيقي وبين صناعة المحتوى الآلي، فالأدب لا يُبنى على تجميع الكلمات أو المحاكاة الأسلوبية فقط، بل يرتبط بالتجربة الإنسانية، الخيال، والرؤية الخاصة بصاحبه، ولذلك، فإن الذكاء الاصطناعي لن يحل بديلًا للكاتب، بقدر ما صار أداة مهمة ضمن العملية الإبداعية.

أسأله من جديد: ما رسالتك لشركات الذكاء الاصطناعي كناشر؟

يجيب: «أقول لها إن عليها أن تعدِّل أنظمتُها في هذا الجانب مع المؤلفين والناشرين، بالشفافية والشراكة العادلة. من حق أصحاب المحتوى معرفة كيفية استخدام أعمالهم، والحصول على موافقتهم، والاستفادة ماديًا. نجاح الذكاء الاصطناعي على المدى الطويل يعتمد على بناء الثقة مع المبدعين، واحترام حقوقهم، والنظر إليهم بوصفهم شركاء في صناعة المستقبل، لا مجرد مصادر بيانات يمكن الاستفادة منها دون ضوابط».

ضرب من الحماقة

تعترف الناشرة اللبنانية جنان جمعاوي أن رفض الذكاء الاصطناعي قطعيًا في هذا الزمن المتسارع لجهة التطور التكنولوجي قد يكون ضربًا من المستحيل أو الحماقة.

فإن لم نواكب هذه التطورات قد نجد أنفسنا خارج العصر، لكن مواكبتها يجب أن تكون بحدود وحنكة. تعلق: «أنا مع تلقيم الذكاء الاصطناعي بأدوات تمكِّنه من إتمام أدوار مسانِدة في آلية العمل بدور النشر، مثل كيفية القيام بالتدقيقات اللغوية أو ربما ضبط البنية السردية أو اكتشاف الثغرات غير المنطقية في السرد، شرط أن يعيد المحرر المتخصص تنقيح ما قامت به الآلة».

وتضيف: «قطعًا ومن دون أي لبس، أعتقد أن الآلة، أو الذكاء الاصطناعي، لا يمكنه أن يكتب رواية فيها قلق الروح الإنسانية، لا يمكنه الكتابة الإبداعية. الجزء المتعلق بالإبداع لا بد أن يبقى إنسانيًا صرفًا، وإلا بات النص فاقدًا للروح. وأعتقد أن القارئ المتمرس يشعر بروح الكاتب، ويكتشف بسهولة أي كاتب يفتعل الإبداع، فما بالك إن كانت آلة هي من قامت بكتابة نص إبداعي!».

أسألها: من يضبط «أخلاقيات التلقيم»؟ ومَن يضمن حقوق المؤلفين الذين تدرَّبت الآلة على نصوصهم الإبداعية؟

تجيب: «بما أن تدريب الذكاء الاصطناعي يتم عبر تلقيم الآلية بكميات كبيرة من النصوص الإبداعية، لا بد أولًا من الحصول على إذن المؤلف ودار النشر الخاصة به على استخدام نصوصه في التدريب ومنحه مقابلًا ماديًا في حال موافقته».

أعلق: نصوص الذكاء الاصطناعي هي إعادة صياغة لمقتطفات من نصوص سبق له أن تدرَّب عليها، وهي حقوق ملكية فكرية تعود لأصحابها الأصليين، بما يعني أن الآلة قد اقترفت جريمة السرقة الأدبية!

فتقول: «هنا، أشير إلى أن العديد من دور النشر الكبرى العالمية والعربية أضافت بندًا إلى العقود بينها وبين الكاتب، تسأل فيها الكاتب إن كان يوافق على «بيع» نصه لشركات التدريب، شرط أن يكون الغرض هو تدريب الآلة فعلًا وليس استخدام أو إعادة توليد النص، مع الامتناع كليًا عن تحميل النص على الإنترنت».

عملية سطو

الناشرة العمانية سمية اليعقوبي تؤكد أن دار «الفلق» ليست متخصصة في الأدب لكنها بشكل عام ترفض المشاركة في عملية تدريب الآلة، تعلق: «بالشكل الحالي من السطو أعتبرها عملية غير أخلاقية ذلك لأن خوارزميات الذكاء الاصطناعي ليست مدرَّبة بشكل كافٍ للتفريق بين لغتها وبين لغة الآخرين لذلك فالأمر أشبه بانتحال الجهد الإنساني والسطو عليه».

أسألها: هل يمكن أن تحل الآلة بديلا للأدباء يومًا ما؟ فتقول بثقة واقتضاب: «لا. لا شيء يفوق القدرة والمهارة البشرية».

استخدامات أخرى

ناشر عماني آخر هو مازن حبيب لا يرفض العملية برمتها حيث يراها من عدة زوايا. يذهب إلى أنه يمكن الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في عملية الكتابة نفسها، وكذلك في صناعة النّشر عمومًا، فمثلًا يمكن للآلة أن تضاهي النصوص التي ترد للناشر بالنصوص المنشورة لمعرفة إن كان المؤلف قد انتحل شيئًا ما، يمكن أيضًا بشيء من الحذر تدريب المنصات لتخدم الكتابة من خلال تقديم مُقترحات تصويبية وتدقيقية وتحريرية محدودة، تسعف الكاتب في النظر إليها، والاستفادة منها من زوايا مختلفة دون أن يطغى الجانب الآلي على اللمسة البشرية والإبداعية الفنية.

أما تلقيم الكتب القديمة والجديدة للآلة بغرض تدريبها لإنتاج نصوص مستقبلية إبداعية، فهذا – بحسب مازن - قد يسبب أضرارًا كثيرة في عملية الكتابة وصناعة النشر من نواحي لن يكفي المقام هنا إلى عد ودراسة مساوئها بالمقارنة مع إحصاء منافعها.

يستدرك: «الخطير في الأمر أن لا أحد تقريبًا يفهم كيفية عمل الذكاء الاصطناعي على نحو دقيق ليتنبأ بعواقب تطور النسخ المتجددة من الذكاء التوليدي. وفي مجالات غير الكتابة والنشر، ثمة أسئلة معلقة، منها هل يمكن أن تتفوق الآلة على الإنسان بحيث تستطيع تجاوز الاستيلاء على مقدرات البشر، ولا إجابة في الأفق عنها، وهذا خطر يتجاوز ما نتحدث عنه هنا. ثمة نتائج نشهد بعض نتائجها الآن، ونرى أن محاكاتها البشرية تتسارع على نحو مخيف، وبالتالي لا يمكن تحجيم هذه النتائج والأضرار المصاحبة في مقابل الفوائد المتوقّعة».

يعتقد مازن أخيرًا أن تدريب الآلة بغرض إنتاج كتب ونصوص إبداعية وأدبية مولَّدة لتتناسب مع أذواق تجارية معينة أو ظواهر توجيهية خاصة، أو كتابة يكون غرضها أن تكون حسب الطلب، ويعتقد أيضًا أننا بحاجة إلى تدريب الكُتَّاب على التشبُّث ببشريتهم وإبداعاتهم وإن بدت عملية شاقة وطويلة ومليئة بالأخطاء وغير مجدية في أحيان كثيرة، فهي أكثر إبداعًا وأعمق من تدريب الآلة لإنتاج ما هو بشري!

تعريف الأدب

الآن جاء الدور على رأي الأدباء..

يبدأ الروائي العماني سليمان المعمري كلامه قائلًا: «لن أستطيع الإجابة بسهولة على سؤال «هل سيحلُّ الذكاء الاصطناعي في المستقبل محل الروائي أو القاص أو الأديب بشكل عام؟» دون أن أتلعثم أو أتلجلج، إذ أن ما نراه اليوم من إمكانات «الذكاء» الكبيرة، التي لا تتوقف عن التطور من لحظة إلى أخرى، يجعل الإجابة أكثر تعقيدًا من «نعم» أو «لا». بتنا نسمع الآن عن روايات مكتوبة بواسطة الذكاء، أو بمشاركته على الأقل، وهي محبوكة بإتقان، ولها شخصيات مُقْنعة، وأحداث مترابطة، ولغة سلسة، وبناء قابل للتصديق. لكن القضية الأساسية من وجهة نظري لا تتعلق فقط بجودة الحبكة، ولا بسلامة اللغة، ولا بقدرة النص المولّد بالذكاء على محاكاة البناء الروائي. القضية هي في تعريفنا للإبداع: هل هو مجرد مهارة تقنية قابلة للاستنساخ؟ أم أنه تعبير عن حالة الإنسان في قلقه وضعفه وانكساره؟ هنا يكمن بيت القصيد».

ويضيف: «قرأتُ مؤخرًا مقالًا للناقد عبدالله الغذامي يضع يده على أهم نقطة، وهي أن الذكاء الاصطناعي يتحدَّانا بالكمال ونحن نتحداه بالنقص. الإنسان سيظل متفوقًا على «الذكاء» ببساطة لأنه - أي الإنسان - ناقص. والكتابة الأدبية العظيمة لا تخرج غالبًا من الكمال، بل من النقص الذي هو بلغة أخرى الحزن، أو الألم، أو الحيرة. الإنسان يرتبك أمام الموت والحب والفقد والخيانة والوحدة فيعبِّر عن هذا الارتباك بنصوص جميلة تظهر فيها هشاشته وخيباته وندمه. فهل سيرتبك الذكاء الاصطناعي؟ هل سيحزن؟ سيغرق في الحب؟ سيشعر بالحنين لشيء ما؟ هل سيندم؟ الإجابة هي أن «الذكاء» يستطيع أن يكتب عن الحزن من دون أن يكون قد جرب الحزن. أن يصف الفقد من غير أن يتعرض لتجربة الفقد. ولذلك سيظل الإنسان متفوقًا عليه بالتجربة التي هي المعوَّل عليه دائمًا».

يرى سليمان المعمري أنه أجاب على السؤال بلا، ومع ذلك يمكن أيضًا الإجابة بنعم بسهولة. ذلك أن سوق الأدب قد لا يظل وفيًَّا للأديب الإنسان، ولا متمسكًا به. في النهاية ستفضِّل دور النشر رواية تُنجِزها آلة في يوم واحد، على رواية يكتبها إنسان في خمسة أعوام. لأنها أرخص وأسرع وأقل إزعاجًا في التفاوض، وسيُغرى الناشرون بسيل لا ينتهي من العناوين المصنوعة حسب الطلب: رواية رومانسية في الصباح، وبوليسية في الظهر، وتاريخية في المساء، وهلم جرًا. حينها – بحسب سليمان - ستنتفي الحاجة إلى الكاتب الإنسان، وسيتحوّل القارئ تدريجيًّا من قارئ واعٍ إلى قارئ مستهلك لا يطلب سوى جرعته السريعة من الحكاية، وستغرق المكتبات بنصوص متقنة وباردة، لا تجد فيها خطأ من ناحية الحبكة، لكنها مع ذلك مملة ولا تلامس المشاعر. وسيصبح الخطر الحقيقي أن نعتاد كقراء على هذا النوع من «الأدب المولّد»، فنقرأ كثيرًا ولا نتأثر، وتصبح تلك الرعشة الجميلة التي نشعر بها أثناء قراءة تأمل أخاذ في رواية جميلة شيئًا من الماضي. وسينسحب الأدباء الحقيقيون شيئًا فشيئًا، وقد رأينا الروائية البولندية أولغا توكارتشوك تشكو مؤخرًا من هؤلاء القراء الاستهلاكيين، وتأسف لأنهم يسعون لمعرفة نهاية روايتها الطويلة «كتب يعقوب» التي تقع في ألف صفحة، وقضت سبع سنوات في تأليفها، باللجوء إلى ملخصات صغيرة! وتقرر لهذا السبب ألا تكتب رويات طويلة بعد ذلك، مكتفية بالقصص. هذا وهي الفائزة بنوبل ومان بوكر، فكيف بالروائيين الآخرين الذين لا يزال عودهم طريًّا؟!

يعلق ساخرًا في نهاية كلامه: «ألم أقل لك إن الإجابة أكثر تعقيدًا من نعم أو لا؟!».

تطبيقات تجارية

أسأل الكاتب المصري محمد أبو زيد عن رؤيته ككاتب لعملية تدريب الآلة فيجيب: «ترغب الشركات في إنتاج نصوص أدبية تحاكي ما يكتبه البشر، لتلبية الطلب المتزايد على هذه «السلعة الترفيهية»، كما يحدث اليوم في بعض مجالات صناعة الأفلام والمسلسلات عبر المنصات العالمية والمواد الرقمية التي تتدخل فيها الخوارزميات بدرجات متفاوتة. وقد يردد البعض أن هناك دوافع أخرى، مثل الاستفادة من هذه النماذج في تطوير مهارات الكتابة، أو فهم اللغة البشرية بصورة أعمق، أو توظيفها في تطبيقات تجارية وثقافية متنوعة.

يستدرك: «المحزن أن تدريب الذكاء الاصطناعي على الأدب سيستمر، سواء وافق الكُتّاب والناشرون أم لم يوافقوا، سواء وقَّعوا على العقود أو لم يوقِّعوا. فهناك آلاف الأعمال الكلاسيكية الخارجة من نطاق حقوق الملكية الفكرية، والمتاحة مجانًا للجميع، سيتم تغذية الذكاء الاصطناعي بها. لذلك ربما لم يعد السؤال: هل سيحدث ذلك؟ بل: ماذا سيحدث بعد أن يكتمل تدريب الذكاء الاصطناعي على الأدب؟ هل سيتمكن من إنتاج نص يجمع لغة نجيب محفوظ، وأفكار ساراماغو، وسحرية ماركيز؟ وما مستقبل الأدباء البشر في هذه الحالة؟ هل ستلجأ بعض دور النشر - وقد بدأ بعضها بالفعل يفعل ذلك - إلى الخيار الأقل تكلفة والأسرع إنتاجًا، فتفضل النصوص المولدة آليًا على أعمال البشر؟!».

يعتقد أبوزيد أننا نقف عند بداية ما يمكن تسميته بـ»حرب هوية الأدب». والمقصود بذلك السؤال الذي سيزداد إلحاحًا في السنوات المقبلة: هل النص الذي نقرأه كتبته يد إنسان ونتاج أفكاره أم بواسطة آلة؟ وخلال فترة ليست بعيدة قد تمتلئ رفوف المكتبات بكتب هجينة، أو بأعمال مكتوبة بالكامل عبر الذكاء الاصطناعي، من دون أن يهتم كثير من القراء بمعرفة مصدرها، أو حتى يلتفتوا إليه.

وربما تكمن الخطورة الحقيقية في أن جيلًا جديدًا سينشأ وهو يتعامل مع النصوص الأدبية دون أن يرى فرقًا جوهريًا بين ما صدر عن تجربة إنسانية حقيقية، بكل ما تحمله من مشاعر وخبرات وتناقضات، وبين نص أُنتج خلال دقائق عبر الذكاء الاصطناعي. وقد نصل إلى مرحلة يتحدث فيها النقاد عن «جماليات الأدب المولَّد بالذكاء الاصطناعي»، كما يتحدثون اليوم عن المدارس والتيارات الأدبية المختلفة.

يتساءل أبو زيد: ماذا سيحدث بعد خمس أو عشر سنوات.. هل سيظل الأدب البشري محتفظًا بمكانته وفرادته؟ أم سيتحول إلى فن نخبوي محدود، كما حدث مع كثير من الحرف والفنون اليدوية التي تراجعت أمام الآلة، مثل الخط اليدوي، وحياكة الملابس التقليدية، وصناعة الخزف والحلي؟

ويجيب على نفسه: «ربما لا يكون السؤال الصحيح هو ما إذا كان الذكاء الاصطناعي قادرًا على كتابة الأدب؟ بل ما إذا كان القارئ في المستقبل سيظل مهتمًا بمعرفة مَن كتب النص: الإنسان أم الآلة!».

غياب تام

الكاتب المصري محمد البُرمي يؤكد أنه من الصعب قبول عملية التدريب، مستدركًا: «صحيح أن هذا يحدث كثيرًا حاليًا دون موافقة، حيث تسطو الآلة على كل ما يمكنها السطو عليه في غياب تام للحقوق والملكية الفكرية، لكن إن كان لديَّ القدرة على الاختيار فبالتأكيد لن أوافق. الكتابة والإبداع البشري هو الحصن الأساسي والدائم الذي ساعد هذه البشرية على النجاة، القدرة على الإنتاج والابتكار كانت هي الوقود الذي قاد البشرية للتقدم التكنولوجي بما فيها الذكاء الاصطناعي أما هذه الأدوات فدورها الاستهلاك فقط لكنها لا تنتج إبداعًا.

ويضيف: «أقول ذلك عن قناعة أيضًا بعيدًا عن الكتابة للرواية أو القصة أنا أعمل كمدير للمحتوى، تأتيني عشرات المواد ينتجها الذكاء الاصطناعي من النادر القبول بها وفي حالة القبول يكون ثمة تعديلات كثيرة».

يرى البُرمي أن عملية التدريب مرفوضة أيضًا على المستوى الأخلاقي. ربما إذا تم تقنين الفكرة بما يجعلها مناسبة للاستخدام، وبما يجعل الكاتب يربح ماديًا من ورائها فيمكن مناقشة ذلك، بحيث تكون في إطار محدد كأن يكون الذكاء الاصطناعي مرجعًا أرشيفيًا، أما استخدام الأسلوب فهذا غير أخلاقي وغير قانوني ولا يمكن القبول به.

يؤكد البرمي أن الآلة لم تنجح يومًا في أن تكون بديلًا للعقل البشري على أي حال ولا يظنها ستكون ناجحة. صحيح أن الذكاء الاصطناعي يتطور يوميًا بدليل ما يقابله من نماذج جيدة لكنها تبقى بلا روح وبلا قدرة حقيقية على التعبير عن المشاعر، وإنما تأتي كقالب جامد.

***

يتفق «جيمناي» وهو أحد تطبيقات الآلة مع محمد البُرمي. سألته عن رأيه - بحياد تام - في عملية تدريب الذكاء الاصطناعي، دون أن يحاول استنباط رأيي أو مجاملتي فقال: «تلك العملية تعزز قدرته على محاكاة الأساليب المعقدة وتركيب جمل بليغة، لكنه يظل عاجزًا عن إزاحة الأدباء أو كتابة أدب عظيم، لأن الأدب الحقيقي ينبع من الوعي، والمعاناة الإنسانية، والتجربة المعيشية، وهي أبعاد ذاتية لا يمكن للأنظمة الرقمية اختصارها أو توليدها مهما بلغت دقة تدريبها».

حسن عبدالموجود صحفي وقاص مصري