عمان اليوم

"طرق مسقط" تحت ضغط الكثافة السكانية وتداخل الأنشطة العمرانية مع تنامي المركبات وتأخر المعالجات

20 يونيو 2026
رحلة يومية مرهقة تكشف الحاجة إلى حلول نقل وتخطيط حضري أكثر استدامة
20 يونيو 2026

تحقيق ــ سهيل بن ناصر النهدي

تصوير- عبدالواحد الحمداني

يخوض قائدو المركبات المتجهون إلى وجهاتهم في محافظة مسقط صراعًا يوميًّا مع الازدحام المروري، الذي يتفاقم سنويًّا دون بوادر حلول تخفف وطأة المعاناة وتأثيراتها النفسية والصحية والاجتماعية والاقتصادية.

وتبدأ الرحلة اليومية لآلاف الموظفين والطلبة والمراجعين والعاملين منذ ساعات الصباح الأولى، وهم داخل مركباتهم في طوابير طويلة متوجهين إلى أعمالهم ومدارسهم وجامعاتهم وكلياتهم في مختلف ولايات المحافظة، فينهكهم التعب منذ بداية اليوم، ويلازمهم وهم عائدون بعد الظهيرة إلى منازلهم، في مشهد يتكرر يوميًّا باستثناء يومي الجمعة والسبت.

وتكمن تعقيدات الازدحام المروري في طرق محافظة مسقط في تعدد أسبابه وتشابه صوره؛ فما يعانيه سكان ولاية السيب يعانيه كذلك سكان ولاية بوشر والولايات الأخرى بالمحافظة. وتؤكد المشاهد تكرار تكدس المؤسسات في مواقع محددة، وعشوائية التخطيط الحضري والعمراني في توزيع الأنشطة، وعدم مواكبة النمو السكاني والإنشائي بتوسعة الطرق الخدمية والمداخل المؤدية إلى الطرق الرئيسة.

كما تتواصل معاناة الوصول إلى مقار العمل والمؤسسات بمختلف تخصصاتها، التي تتركز في الغالب في مواقع محدودة بالقرب من بعضها، ما ينقل الازدحام من الطرق الرئيسة إلى أمام مقار العمل والمقاصد الأخرى، وتضم محافظة مسقط مرافق حيوية كبيرة حكومية وخاصة، من بينها مطار مسقط الدولي، وجامعة السلطان قابوس، والمستشفيات المرجعية، ومئات المدارس والجامعات والكليات، وقرابة خمس مناطق صناعية كبيرة هي: منطقة الرسيل الصناعية، وغلا، والمسفاة، وصناعية المعبيلة، والوادي الكبير، إضافة إلى عدد كبير من المنشآت التجارية والأسواق التاريخية الكبيرة. ويستدعي هذا الزخم المكاني والمؤسسي تخطيطًا ينظر إلى المستقبل القريب والبعيد، ويراعي الأبعاد المسببة للازدحام المروري، ويضمن عدم تكرارها مستقبلًا، إلى جانب معالجة معضلة الاختناق المروري المتفاقم في الوقت الحاضر، والزيادة السنوية في عدد المركبات ورخص القيادة.

أرقام وإحصائيات

وبحسب إحصائيات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات، ارتفعت الكثافة السكانية في سلطنة عُمان عام 2025م لتصل إلى 17.3 شخص لكل كيلومتر مربع، مقارنة بـ17.0 شخص لكل كيلومتر مربع في عام 2024م، وبلغت أعلاها في محافظة مسقط بواقع 383.1 شخص لكل كيلومتر مربع.

وسجلت ولايتا السيب وبوشر بمحافظة مسقط النسبة الأعلى في عدد السكان العُمانيين والوافدين؛ إذ بلغ عدد السكان في ولاية السيب 284.3 ألف نسمة، ويمثل العُمانيون فيها 9.4 بالمائة من إجمالي السكان العُمانيين في سلطنة عُمان، فيما سجلت ولاية بوشر النسبة الأعلى في عدد السكان الوافدين، إذ بلغ عددهم نحو 347.5 ألف نسمة، وشكلوا نحو 78.1 بالمائة من إجمالي سكان الولاية.

وعلى الرغم من ارتفاع الكثافة السكانية وعدد السكان في ولايات محافظة مسقط، خاصة السيب وبوشر، فإن الطرق ومداخلها ومخارجها لا تزال على حالها، ولم تفِ المحاولات البسيطة التي تتم بين فترة وأخرى لحلحلة الازدحام بالغرض، إذ تبقى حلولًا وقتية سرعان ما تتلاشى نتائجها في تخفيف الازدحام.

وشهد عام 2025م تسجيل 8317 قطعة أرض جديدة في محافظة مسقط، بينها 6883 قطعة أرض سكنية، و936 أرضًا تجارية، و203 قطع أراض تجارية سكنية، و22 قطعة أرض صناعية، و241 قطعة أرض زراعية، و32 قطعة أرض حكومية، ما يؤكد تواصل المشروعات السكنية والتجارية والحكومية في محافظة مسقط، ويشير إلى أن الازدحام المروري مرشح للاستمرار.

وتشير الإحصائيات إلى ارتفاع عدد المركبات المسجلة في سلطنة عُمان بنهاية يناير من العام الجاري 2026م إلى مليون و858 ألفًا و666 مركبة، بنسبة ارتفاع بلغت 5.6 بالمائة مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025م، فيما استحوذت المركبات الخاصة على النسبة الأكبر من إجمالي المركبات المسجلة، وبلغ عددها مليونًا و471 ألفًا و221 مركبة، بنسبة 79.2 بالمائة من الإجمالي، مسجلة ارتفاعًا نسبته 5 بالمائة. وتؤكد هذه المؤشرات أن مشكلة الازدحام المروري ماضية نحو مزيد من التفاقم، في ظل عدم وجود وسائل نقل جماعية متطورة تكون بديلًا مناسبًا للتنقل.

Image

رحلة الازدحام

وقفت "عُمان" على مشهد الازدحام المروري اليومي بمحافظة مسقط، وتابعت آلاف المركبات أثناء رحلتها باتجاه عمق المحافظة، من منطقة حلبان بولاية السيب، التي تشهد تنمية عمرانية متسارعة تضاف إلى ما يوجد بها سابقًا من جامعات وكليات شُيّدت في موقع واحد، بمحاذاة منطقة المعبيلة ذات الكثافة السكانية العالية وما تضمه من أحياء سكنية ومنطقة صناعية، توجد في وسطها كذلك كلية خاصة، إضافة إلى عشرات المجمعات التجارية الجديدة والمنشآت الفندقية وغيرها من المباني الكبيرة "السكنية والتجارية".

وتعد منطقة المعبيلة بولاية السيب من المناطق الجديدة نسبيًّا مقارنة بغيرها من مناطق الولاية والمناطق الأخرى في ولايات محافظة مسقط، إلا أن التخطيط لم يراعِ وجود منطقة صناعية بالقرب من الأحياء السكنية، وحجم الازدحام طوال اليوم داخليًّا، وفي أوقات الذروة صباحًا أثناء توجه الأشخاص إلى مقاصدهم، ومساءً عند العودة. فالطرق والمخارج والمداخل المؤدية من كل مناطق المعبيلة ضيقة، ولم تتغير أو تتوسع منذ سنوات، على الرغم من حركة البناء المستمرة في الاستخدامات السكنية والتجارية والصناعية.

ويبدو الازدحام متشابهًا سواء اختار قائدو المركبات المرور عبر طريق مسقط السريع أو شارع السلطان قابوس؛ إذ تبدأ الزحمة من الطرق الداخلية، وتستمر عند المخارج المؤدية إلى الطرق الرئيسة. ففي مسار طريق مسقط السريع، وعند الوصول إلى منطقة الخوض، يلتقي القادمون من محافظتي شمال وجنوب الباطنة، والخارجون من المعبيلة، مع سكان الخوض، لترتفع حدة الازدحام ويزداد المشهد تعقيدًا.

وعند الوصول إلى تقاطع الرسيل - الموالح، يلتقي القادمون من محافظات الداخلية وجنوب وشمال الشرقية والموالح مع الواصلين من الخوض، ليصل مشهد الازدحام المروري إلى ذروته، ويمضي العابرون في طريق مسقط السريع ببطء شديد، يرهقهم التعب وهم خلف مقود المركبة، ويصاحبهم شعور بالقلق من التأخر عن الوصول إلى أعمالهم.

Image

ويزداد المشهد تعقيدًا بعد أن ينضم إلى موكب السيارات البطيئة القادمون من مرتفعات المطار وغيرها من الأحياء والمرافق الواقعة على المسار نفسه. وعند الوصول إلى منطقة العرفان ومرتفعات المطار، اللتين تشهدان كثافة كبيرة في وجود مؤسسات حكومية حيوية تضم آلاف الموظفين، يدخل مستخدمو الطريق في دوامة جديدة مع رحلة الازدحام والمخارج الضيقة المؤدية إلى تلك المؤسسات، والطرق الصغيرة التي لا تتناسب مع حجم المركبات القادمة من الطريق السريع، نهائيًا!.

ولم ترافق مشاهد البناء والتوسع العمراني توسعة في الطرق والمداخل والمخارج، فكيف للزحمة المرورية أن تنتهي في ظل تنامي البناء وتوقف توسعة الطرق، ومواصلة تكدس المؤسسات بالقرب من بعضها؟

كما أن مؤسسات جديدة شُيّدت حديثًا في مواقع مختلفة لم تخصص مواقف كافية للمركبات، وبالكاد تكفي المساحات المخصصة للموظفين، دون مراعاة للمراجعين الذين يضطرون إلى ركن مركباتهم على جانبي الطرق، الأمر الذي يزيد مشهد الازدحام تعقيدًا.

وطرحت "عُمان" تساؤلات على عدد من الجهات المعنية، للاقتراب من الحلول لهذه المشكلة، واستعراض التأثيرات الصحية والاجتماعية مع مختصين، إلى جانب أخذ آراء خبراء في التخطيط الحضري، ومعاناة مستخدمي الطريق مع الازدحام المروري الخانق بمحافظة مسقط.

وقال ناصر بن محمد الجابري من سكان منطقة المعبيلة أن الزحمة المرورية في المنطقة باتت مرهقة، والتنقل صعب جدا، مشيرا إلى أن بعض المشاوير البسيطة التي لا تتطلب نصف ساعة من الزمن للوصول تأخذ منا أكثر من ساعة.

وأضاف : الازدحام له تأثيرات عديدة، تتجاوز التأثيرات النفسية والصحية إلى الوضع الاقتصادي وسرعة إنجاز المعاملات والوصول للمؤسسات، مؤكدا أن هذه المشكلة لا بد لها من حلول سريعة ومعالجات للوضع الحالي.

من جانبه قال ربيع بن عبدالله السيابي : مناطق ولاية السيب تشهد تنمية عمرانية متواصلة، لكن الطرق لم تتغير، أعداد السكان في تزايد والمشاريع مستمرة والطرق على حالها، سواء المخارج أو المداخل وحتى طرق الخدمات، لا تتناسب مع عدد السكان والزيادة العمرانية.

كما أن الأنشطة المتنوعة بالقرب من المناطق السكنية تتسبب هي الأخرى في تفاقم الازدحام المروري، وهناك تشابك كبير في وجود المناطق الصناعية والتجارية مع المناطق السكنية، والمباني الحكومية وغيرها.

المعاناة يومية مع الازدحام بمعظم ولايات محافظة مسقط، خاصة في أوقات الذروة ومن الضروري أن تتم معالجة الوضع بسرعة بتوسعة الطرق ونقل بعض المؤسسات وتوزيعها بالشكل المناسب وعدم تكديسها في منطقة واحدة .

Image

"النقل" : توسعة مسقط السريع وطريق الموج وتطوير دوار برج الصحوة أهم الحلول المستقبلية

وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات أكدت على لسان المهندس حمدان بن عامر بن خميس العيسائي رئيس قسم التصميم والبحث وتطوير الطرق أنها إحدى الجهات الرئيسة المعنية بتطوير وإدارة البنية الأساسية لقطاع النقل في سلطنة عُمان، حيث تتولى تخطيط وتصميم وتنفيذ مشروعات الطرق الوطنية والاستراتيجية والجسور والأنفاق، بما يضمن توفير شبكة نقل آمنة وفعّالة تستوعب النمو السكاني والعمراني والاقتصادي المتسارع.

كما أنها عضو أساسي في اللجنة الرئيسة المعنية بمعالجة الازدحام المروري بمحافظة مسقط، والتي تضم عدداً من الجهات الحكومية المختصة، حيث تسهم في إعداد الدراسات الفنية والمرورية، وتقييم البدائل والحلول المقترحة، ووضع الخطط والمشاريع اللازمة لمعالجة الاختناقات المرورية وتحسين مستوى الخدمة على شبكة الطرق، بما يواكب النمو العمراني ويعزز جودة الحياة والتنقل في المحافظة.

وفيما يتعلق بالتخفيف من الازدحام المروري بمحافظة مسقط، أوضحت أنها تعمل بالتنسيق والتكامل مع الجهات ذات العلاقة على دراسة وتحليل الحركة المرورية الحالية والمستقبلية، وتطوير مشاريع البنية الأساسية الداعمة لانسيابية الحركة، من خلال تنفيذ عدد من المشاريع الاستراتيجية، من أبرزها مشروع توسعة طريق مسقط السريع ومشروع تطوير منطقة الموج والطرق المرتبطة بها، كما يجري العمل بالتنسيق مع الجهات المختصة لاستكمال الدراسات الفنية والتوافق على البديل الأمثل لتطوير منطقة دوار برج الصحوة والطرق المرتبطة بها، بما يسهم في رفع كفاءة التقاطعات والمحاور الرئيسية وتحسين الربط بين المناطق السكنية والتجارية والخدمية.

وأشار العيسائي إلى أن أبرز التحديات المرتبطة بمعالجة الازدحام المروري في محافظة مسقط تتمثل في النمو المتسارع لأعداد السكان والمركبات خلال السنوات الماضية، وما يصاحبه من زيادة مستمرة في الطلب على شبكة الطرق، إضافة إلى تمركز العديد من الأنشطة السكنية والتجارية والخدمية ومراكز العمل في مواقع محددة، الأمر الذي يؤدي إلى كثافة الرحلات المرورية خلال أوقات الذروة على عدد من المحاور الرئيسة.

وأكد أن التوسع العمراني المستمر وتباعد بعض المناطق السكنية عن مواقع العمل والخدمات يشكل تحدياً إضافياً، إلى جانب الحاجة إلى تعزيز التكامل بين التخطيط العمراني وشبكات النقل، ورفع كفاءة منظومة النقل العام وتشجيع استخدام وسائل التنقل البديلة للحد من الاعتماد على المركبات الخاصة.

وأوضح انه في المقابل، تعمل الجهات المختصة على تنفيذ حزمة من الحلول المتكاملة تشمل تطوير الطرق والتقاطعات الرئيسية، وتحسين الربط بين المداخل والمخارج، ومعالجة نقاط الاختناق المروري المعروفة بـ«عنق الزجاجة»، والاستفادة من الأنظمة الذكية لإدارة الحركة المرورية، إلى جانب دعم مشاريع النقل العام، بما يسهم في تعزيز كفاءة شبكة النقل وتحسين انسيابية الحركة المرورية على المدى القريب والبعيد.

وأوضح رئيس قسم التصميم والبحث وتطوير الطرق أن "وزارة النقل" تتبنى بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة نهجاً متكاملاً يجمع بين الحلول العاجلة والحلول الاستراتيجية طويلة المدى لمعالجة الازدحام المروري في محافظة مسقط.

فعلى المدى القريب، يتم العمل على تنفيذ عدد من التحسينات المرورية والهندسية الهادفة إلى رفع كفاءة شبكة الطرق الحالية، بما يشمل تطوير بعض التقاطعات والمداخل والمخارج، ومعالجة مواقع الاختناقات المرورية، وتحسين الربط بين المحاور الرئيسية، إضافة إلى الاستفادة من التقنيات والأنظمة الذكية في إدارة الحركة المرورية وتحسين انسيابية التنقل خلال فترات الذروة.

أما على المدى البعيد، فتواصل الوزارة تنفيذ وتطوير مشاريع الطرق الاستراتيجية التي تستوعب النمو العمراني والسكاني المتوقع، إلى جانب دعم وتطوير منظومة النقل العام وتعزيز تكاملها مع شبكة الطرق، وتشجيع حلول النقل المستدام، ومواءمة التخطيط العمراني مع احتياجات النقل المستقبلية. كما عملت الوزارة على طرح عدد من المشاريع الاستثمارية أمام المطورين والقطاع الخاص لتنفيذها بالشراكة مع الحكومة، ومن أبرزها مشروع نفق بوشر-العامرات-الطائيين ومشروع طريق المعبيلة-ثميد، والتي من المتوقع أن توفر محاور وبدائل مرورية إضافية تسهم في توزيع الحركة المرورية على شبكة الطرق، ورفع كفاءتها التشغيلية، وتقليل الاختناقات المرورية على المحاور الرئيسية، بما يدعم توفير منظومة نقل أكثر كفاءة واستدامة وجودة للحياة في محافظة مسقط.

وأكد المهندس حمدان العيسائي أن معالجة الازدحام المروري تتطلب تكاملاً وتنسيقاً مستمراً بين مختلف الجهات الحكومية ذات العلاقة، نظراً لارتباطها بعدة جوانب تشمل التخطيط العمراني، وتطوير البنية الأساسية للطرق، وإدارة الحركة المرورية، والنقل العام، وتوزيع الأنشطة والخدمات داخل المحافظة.

وفي هذا الإطار، تشارك وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات مع وزارة الإسكان والتخطيط العمراني وشرطة عُمان السلطانية وعدد من الجهات المعنية ضمن اللجنة الرئيسية لمعالجة الازدحام المروري بمحافظة مسقط، إلى جانب فرق العمل الفنية المتخصصة، وذلك لدراسة التحديات المرورية الحالية والمستقبلية، وتقييم البدائل والمقترحات، ووضع الحلول المناسبة وفق منظور متكامل يراعي الجوانب الفنية والمرورية والعمرانية.

وقد أسهم هذا التنسيق في دعم عدد من المبادرات والمشاريع الرامية إلى تحسين كفاءة شبكة الطرق، ومواءمة مشاريع البنية الأساسية مع خطط التوسع العمراني، وتعزيز السلامة المرورية، وتطوير منظومة النقل العام، بما يسهم في إيجاد حلول مستدامة لمعالجة الازدحام المروري وتحسين جودة التنقل في محافظة مسقط.

وأشار إلى أن وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات تنفذ بشكل مستمر دراسات مرورية وفنية متخصصة بالتعاون مع الجهات ذات العلاقة والمكاتب الاستشارية، وتشمل إجراء عد مروري ميداني، وتحليل أحجام الحركة المرورية على الطرق الرئيسية والتقاطعات، ورصد أنماط التنقل خلال أوقات الذروة، ودراسة مستويات الخدمة على شبكة الطرق، بالإضافة إلى تقييم كفاءة البنية الأساسية الحالية وقدرتها على استيعاب النمو المستقبلي في الحركة المرورية.

كما تعتمد الوزارة على نماذج المحاكاة المرورية المتقدمة، والتي تُستخدم لتحليل سيناريوهات الحركة الحالية والمستقبلية وتقييم أثر المشاريع والحلول المقترحة قبل تنفيذها على أرض الواقع، بما يسهم في اختيار البدائل الأكثر كفاءة وفاعلية.

وقد أظهرت نتائج هذه الدراسات وجود تركز مرتفع للحركة المرورية على عدد من المحاور والتقاطعات الرئيسية خلال فترات الذروة نتيجة النمو العمراني والسكاني المتسارع وزيادة أعداد المركبات، الأمر الذي يؤكد أهمية الاستمرار في تطوير شبكة الطرق ورفع كفاءة التقاطعات وتعزيز بدائل التنقل وتطوير منظومة النقل العام، وتحسين الربط بين المناطق المختلفة بما يواكب الطلب المتزايد على شبكة النقل ويعزز انسيابية الحركة المرورية في محافظة مسقط.

وقد استندت العديد من المشاريع والحلول الجاري تنفيذها أو التخطيط لها إلى مخرجات هذه الدراسات وأعمال المحاكاة المرورية، بما يضمن توجيه الاستثمارات نحو المشاريع ذات الأولوية والأثر الأكبر في تحسين كفاءة الحركة المرورية.

وأكد رئيس قسم التصميم والبحث وتطوير الطرق أن الوزارة تعمل على تنفيذ وتطوير عدد من المشاريع الاستراتيجية والاستثمارية التي من شأنها تعزيز كفاءة شبكة الطرق وتوفير محاور وبدائل مرورية جديدة تسهم في الحد من الازدحام المروري وتحسين انسيابية الحركة.

وقد استند تحديد أولويات هذه المشاريع إلى نتائج الدراسات المرورية وأعمال المحاكاة الفنية التي تنفذها الوزارة بشكل مستمر لتقييم الاحتياجات الحالية والمستقبلية لشبكة النقل.

ففي محافظة مسقط، تشرف الوزارة على عدد من المشاريع الاستراتيجية المهمة، من أبرزها مشروع توسعة طريق مسقط السريع، ومشروع تطوير منطقة الموج والجزء المرتبط بها من طريق 18 نوفمبر، بالإضافة إلى مشروع تطوير منطقة دوار برج الصحوة والطرق المرتبطة بها، والتي تهدف إلى تعزيز الطاقة الاستيعابية لشبكة الطرق وتحسين الربط بين المحاور الرئيسية والمناطق السكنية والتجارية والخدمية.

كما تبنت الوزارة نهج الشراكة مع القطاع الخاص من خلال طرح عدد من المشاريع الاستثمارية، من أبرزها مشروع نفق بوشر-العامرات-الطائيين ومشروع طريق المعبيلة-ثميد، ومن المتوقع أن تسهم هذه المشاريع في توفير مسارات بديلة وتوزيع الحركة المرورية على شبكة الطرق بشكل أكثر كفاءة، مما يحد من الاختناقات المرورية ويرفع مستوى الخدمة.

Image

"الإسكان": إعداد مخططات هيكلية متكاملة تربط بين التنمية العمرانية والنقل والبنية الأساسية

وزارة الإسكان والتخطيط العمراني أكدت على لسان ناصر بن عبداللطيف الصائغ المدير الفني للمخطط الهيكلي لمسقط الكبرى أن دورها يتمثل في وضع الأطر التخطيطية طويلة المدى التي تواكب النمو العمراني والسكاني المتسارع، بما يضمن بناء مدن أكثر كفاءة واستدامة، ومن هذا المنطلق، جاء المخطط الهيكلي لمسقط الكبرى بوصفه إحدى أبرز الأدوات التخطيطية التي تعالج التحديات الحضرية، وفي مقدمتها الازدحام المروري.

وقال : يرتكز المخطط على التحول من نمط التوسع الأفقي إلى مدينة متراصة ومتعددة المراكز، بما يقلل الحاجة إلى التنقلات الطويلة، ويرفع كفاءة توزيع الأنشطة والخدمات. كما يشكل قطاع النقل أحد المحاور الرئيسية في المخطط، من خلال تطوير منظومة نقل متكاملة تشمل النقل العام، ومسارات المشاة والدراجات، وربط التنمية العمرانية بمحاور الحركة المستقبلية.

وأشار الصائغ إلى أن وزارة الإسكان والتخطيط العمراني تعمل بالشراكة مع الجهات ذات الاختصاص، على إعداد مخططات هيكلية متكاملة تدرس أنماط النمو الحضري والسكاني، وتربط بين التنمية العمرانية وشبكات النقل والبنية الأساسية، بما يسهم في الحد من الاختناقات المرورية مستقبلاً .

وأوضح انه في إطار مخطط مسقط الكبرى، تم تبني توجهات تخطيطية حديثة تراعي تقليل الاعتماد على المركبات الخاصة، عبر تعزيز مفهوم "المدينة ذات الـ15 دقيقة"، بحيث تصبح الخدمات الأساسية والعمل والتعليم والترفيه أقرب إلى السكان. كما يركز المخطط على تطوير مجتمعات متكاملة ترتبط بشبكات النقل العام، بما يحقق توازنًا بين التوسع العمراني وجودة الحياة وكفاءة التنقل.

وبين أن الوزارة تعمل ضمن منظومة حكومية متكاملة تضم مختلف الجهات المعنية بقطاع النقل والتخطيط الحضري، من بينها وزارة الإسكان والتخطيط العمراني، وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات، وشرطة عُمان السلطانية،، والبلديات، وذلك من خلال لجان فنية ومشاريع مشتركة تهدف إلى معالجة التحديات المرورية الحالية والمستقبلية.

كما تم إعداد مخطط مسقط الكبرى وفق نهج تشاركي واسع، شاركت فيه الجهات الحكومية والخاصة ذات العلاقة، بما يضمن مواءمة السياسات العمرانية مع خطط النقل والبنية الأساسية، وتحقيق تكامل أكبر بين التنمية المكانية والحلول المرورية المستدامة.

وقال المدير الفني للمخطط الهيكلي لمسقط الكبرى إن الدراسات التخطيطية تشير إلى أن أحد أبرز أسباب الازدحام يتمثل في الاعتماد الكبير على المركبات الخاصة كوسيلة رئيسية للتنقل، إلى جانب التوسع العمراني الأفقي وتشتت الأنشطة والخدمات، ما يؤدي إلى زيادة أطوال الرحلات اليومية والضغط على شبكة الطرق.

وبناء على ذلك فإن مخطط مسقط الكبرى يركز على تطوير بدائل تنقل أكثر استدامة وكفاءة، عبر تعزيز النقل العام ورفع نسبة استخدامه، وإنشاء منظومة متكاملة للمشاة والدراجات، إلى جانب مشروع السكة الحديدية الخفيفة المقترحة بطول 55 كيلومترًا، والتي ستربط أبرز مراكز المدينة، كما يستهدف المخطط رفع نسبة السكان القادرين على الوصول إلى النقل العام ضمن مسافة مشي، بما يسهم في تخفيف الازدحام وتقليل الانبعاثات وتحسين جودة الحياة في المدينة.

Image

مدير عام المرور : خطط مرورية ومشاركة بالرأي الفني عند إنشاء الطرق

العميد مهندس علي بن سليم الفلاحي مدير عام المرور بشرطة عُمان السلطانية قال: إن دور الشرطة في التخفيف من شدة الازدحام المروري يتأتى من خلال تكثيف الرقابة المرورية في الطرق الرئيسية لمحافظة مسقط لرصد السلوكيات الخاطئة المرتكبة من قبل بعض مستخدمي الطريق وتطبيق الإجراءات وفق قانون المرور ولائحته التنفيذية، أما فيما يتعلق بشبكة الطرق، فإن هناك دراسات مرورية وفنية مستمرة تعنى بتحسين الطرق القائمة ومدى تطويرها مستقبلا لتعزيز الحركة المرورية بشكل عام وإدخال أحدث التقنيات، وذلك بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.

وأشار الفلاحي إلى أن شرطة عُمان السلطانية تعمل على وضع الخطط المرورية المناسبة، والمشاركة بالرأي الفني عند إنشاء الطرق، والتعاون مع الجهات المعنية ذات العلاقة لتطوير شبكات الطرق الرئيسية والفرعية بما يسهم في تحسين انسيابية الحركة المرورية بشكل آمن وتعزيز مستوى السلامة على الطريق وتنظيم حركة السير في أوقات الذروة.

وأوضح أن شرطة عُمان السلطانية تقوم بدراسة التحديات المرورية وتحليل مسببات الازدحام من الناحية المرورية والعمل على إيجاد الحلول التخطيطية والهندسية وتقديم البدائل والمقترحات بالتنسيق مع الجهات المعنية لتطوير شبكة التطرق وتحسين كفاءتها.

Image

م. اليقظان العامري: معالجة الازدحام تتطلب رؤية تكاملية تجمع بين التخطيط العمراني وإدارة النقل وتغيير أنماط الاستخدام

المهندس اليقظان بن خميس العامري خبير بمجال التخطيط العمراني أرجع شدة الازدحام المروري بمحافظة مسقط لعدة عوامل وصفها بالمتداخلة، أبرزها، النمو العمراني المتسارع دون مواكبة كافية في تطوير البنية الأساسية للطرق، والاعتماد العالي على المركبات الخاصة نتيجة محدودية بدائل النقل العام الفعّالة، والتمركز الوظيفي والخدمي في مناطق محددة (مثل: الخوير، روي، السيب)، مما يخلق تدفقات مرورية مكثفة في أوقات الذروة، وعدم توازن استخدامات الأراضي، حيث توجد مناطق سكنية بعيدة عن مواقع العمل والخدمات، وبعض الاختناقات الهندسية في التقاطعات والطرق الرئيسية نتيجة تصميمات قديمة أو غير محدثة.

وحول نظرته الهندسية فيما إذا كانت هناك أخطاء في التخطيط يمكن حلها مستقبلا، أكد العامري وجود أخطاء، مشيرا إلى أن هناك بعض التحديات التخطيطية التي يمكن معالجتها مستقبلاً، ومنها، التوسع الأفقي منخفض الكثافة الذي يزيد من مسافات التنقل اليومية، وضعف تكامل شبكات النقل العام مع التخطيط العمراني، وغياب مفهوم التنمية الموجهة بالنقل (Transit-Oriented Development) في بعض المناطق.

وقال مع ذلك، من المهم التأكيد أن هذه التحديات ليست أخطاء بقدر ما هي نتائج طبيعية لمراحل نمو عمراني متسارع، ويمكن معالجتها عبر سياسات تخطيطية حديثة.

واقترح اليقظان العامري عددا من الحلول على المدى القريب، التي يمكن تبنيها من خلال عدد من الإجراءات العملية، وهي تحسين كفاءة التقاطعات والإشارات المرورية باستخدام أنظمة ذكية لإدارة الحركة، وتوسعة بعض المحاور الحيوية ومعالجة النقاط السوداء المرورية، وتعزيز خدمات النقل العام (الحافلات، المسارات المخصصة)، وتشجيع العمل المرن وتقليل أوقات الذروة عبر سياسات إدارية، وتطوير مواقف متعددة الطوابق في المناطق التجارية لتقليل الازدحام الناتج عن البحث عن مواقف، وكما أشار إلى أن المخططات الهيكلية قد تساعد في حل هذه المشكلة .

وحول أبرز التحديات التي تواجه حل مسألة الازدحام المروري قال المهندس يقضان العامري: أبرز التحديات، تكمن في محدودية المساحات المتاحة للتوسع في بعض المناطق الحضرية القائمة، والكلفة العالية لمشاريع البنية الأساسية (كالطرق السريعة أو أنظمة النقل الجماعي)، وتغيير سلوكيات المستخدمين واعتمادهم الكبير على المركبة الخاصة، والحاجة إلى بيانات مرورية دقيقة ومحدثة لدعم اتخاذ القرار.

وأكد المهندس اليقظان العامري أن معالجة الازدحام بشكل جذري قد تتطلب قرارات تخطيطية استراتيجية، من بينها إعادة توزيع بعض الأنشطة والخدمات لتقليل التمركز في مناطق محددة، وتعديل أو إعادة تنظيم بعض مسارات الطرق بما يتناسب مع الأحمال المرورية الحالية، وتشجيع اللامركزية الحضرية عبر تطوير مراكز فرعية (Sub-centers) خارج المناطق المزدحمة، موضحا أن هذه الإجراءات هي استثمارات طويلة الأمد لتحسين جودة الحياة وكفاءة المدينة.

وفي ختام حديثه أكد المهندس اليقظان بن خميس العامري خبير بمجال التخطيط العمراني

أن معالجة الازدحام المروري في محافظة مسقط تتطلب رؤية تكاملية تجمع بين التخطيط العمراني، وإدارة النقل، وتغيير أنماط الاستخدام، ضمن إطار استراتيجي يتماشى مع رؤية "عُمان 2040"، لضمان تحقيق تنقل مستدام وبيئة حضرية متوازنة.

Image

د. ليلى الكلباني: الازدحام المروري يؤثر على الإنسان جسديًا ونفسيًا واجتماعيًا

وتوضح الدكتورة ليلى بنت علي الكلباني طبيب عام ماجستير في الصحة العامة أك أن الازدحام المروري لم يعد مجرد مشكلة تقتصر على تأخر الوصول أو إهدار الوقت، بل باتت تصنّف ضمن التحديات الصحية العامة التي تؤثر بشكل مباشر على سلامة الإنسان الجسدية والنفسية والاجتماعية؛ فمن منظور طبي، حين يتحول مسار لا يتجاوز ربع ساعة إلى رحلة تستغرق ساعات يومياً، يُصبح الجسم والعقل في حالة دائمة من التوتر والإجهاد المزمن.

وقالت: عند التعرض للزحام المروري، يُفرز الجسم هرمونات التوتر كالكورتيزول والأدرينالين؛ وهي استجابة فسيولوجية طبيعية للضغط، إلا أن تكرار هذا التحفيز يومياً يؤدي مع مرور الوقت إلى ارتفاع ضغط الدم، وتسارع ضربات القلب، واضطرابات النوم، فضلاً عن زيادة مخاطر الإصابة بأمراض القلب والشرايين، وتؤكد دراسات عديدة أن الأفراد الذين يقضون فترات طويلة في التنقل يومياً هم أكثر عرضة للإجهاد النفسي والاحتراق الوظيفي مقارنة بغيرهم.

وأشارت الكلباني إلى أن تأثير ذلك لا يقتصر على الجانب النفسي فحسب، بل يمتد ليشمل الصحة الجسدية؛ إذ يحدُّ الجلوس لساعات طويلة خلف المقود من النشاط البدني، مما يزيد من مخاطر الإصابة بالسمنة، وآلام الرقبة وأسفل الظهر، وضعف الدورة الدموية، علاوة على ذلك، يرفع التعرض المستمر لعوادم المركبات وتلوث الهواء في الطرق المزدحمة من احتمالية الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي كالربو والحساسية، فضلاً عن الآثار السلبية بعيدة المدى على صحة القلب والرئة.

وبينت انه من منظور الصحة العامة، تؤثر الازدحامات المرورية سلباً على جودة الحياة والإنتاجية المجتمعية؛ إذ يعاني الفرد الذي يواجه ضغوطاً مرورية مستمرة من التوتر العصبي وتشتت التركيز وتقلب المزاج، مما ينعكس سلباً على أدائه المهني وعلاقاته الأسرية والاجتماعية، علاوة على ذلك، يقلص الوقت الضائع في الطرق فرص ممارسة الرياضة، ويحرم الأفراد من نيل قسط كافٍ من الراحة أو قضاء أوقات نوعية مع العائلة.

وأشارت إلى انه في السنوات الأخيرة، بدأ خبراء الصحة العامة يربطون بين التخطيط الحضري والصحة النفسية والجسدية للسكان، مؤكدين أن المدينة الصحية لا تقتصر على توفير المستشفيات والخدمات العلاجية فحسب، بل تمتد لتشمل تقليل الضغوط اليومية، كالازدحام المروري. لذا، أصبحت حلول مثل تحسين النقل العام، وتطوير المدن الذكية، وتوفير بيئات مشجعة على المشي، وتعزيز العمل عن بُعد، جزءاً أساسياً من الاستراتيجيات الصحية الوقائية الحديثة.

وفي ختام حديثها أكدت الدكتورة ليلى الكلباني أن الزحمة المرورية لا تقتصر على كونها مجرد "مشكلة طريق"، بل هي عاملٌ خفي يؤثر يومياً على صحة الإنسان وجودة حياته، وقد تتحول مع مرور الوقت إلى عبءٍ صحي صامت إن لم تُعالج من منظورٍ شامل يجمع بين الطب والصحة العامة والتخطيط الحضري.

Image

سارة السرحني : الازدحام يؤثر على جوانب اجتماعية وأسرية

تقول سارة بنت سعود السرحني رئيسة اللجنة الإعلامية بجمعية الاجتماعيين العُمانية أن الازدحام المروري يؤثر على جوانب مختلفة ومنها الجانب الاجتماعي، وذلك من خلال قضاء أوقات طويلة في الشوارع وهذا ما يقلّص جلوس الأفراد مع العائلة والأصدقاء وتضعف بذلك الروابط الاجتماعية، وتولّد الزحمة المرورية شعور الأفراد بالإرهاق والتعب وهذا ما ينعكس على تعاملات الفرد مع محيطه، مما يزيد معدلات الغضب والتوتر ويصبح الفرد أقل صبرًا.

وأضافت: قد تتأثر العلاقات المهنية بين الأفراد بسبب الازدحام، وذلك من خلال عدم الالتزام بالأوقات والمواعيد بسبب التأخر الذي يسببه الازدحام المروري، علاوةً على ذلك قد يتجنب الأفراد حضور المناشط والفعاليات المجتمعية بسبب الوقت الطويل الذي يقضيه في الطرق بسبب الازدحام، مما يرافق ذلك ضعف المشاركة المجتمعية للأفراد وقلت التفاعل المجتمعي، ويصبح الأفراد في دائرة منحصرة من المناشط، مما يحد ذلك من تنوع التجارب ومشاركة المجتمع.

وأوضحت سارة السرحني انه يمكن تقليل الازدحام المروري من خلال رفع ثقافة النقل العام في مجتمعاتنا؛ فعندما يصبح المجتمع متقبلاً للمواصلات العامة ويستخدمها وخاصة أوقات العمل المتعارف عليها، فإن ذلك سوف يحد من الازدحام المروري، كما ويساعد حل الدوام المرن في تقليل الازدحام، فيسمح للأفراد الخروج للعمل في أوقات متنوعة، كما تلعب الثقافة المجتمعية حول الالتزام بالقواعد المرورية واحترامها وتجنب التصرفات العشوائية في الطرق الدور الكبير في تقليل الازدحام المروري.

Image

سارية الغنيمي: الحاجة لحلول شاملة تحسن البنية الأساسية وتعزز الوعي المروري

الباحثة الاجتماعية سارية بنت سعيد الغنيمي تقول أن الازدحام المروري في محافظة مسقط يشكل ظاهرة حضرية بارزة تعكس تداخلاً معقّداً بين أنماط العيش ومتطلبات الحياة اليومية في المجتمع العُماني، وتبلغ هذه الظاهرة ذروتها خلال أول الساعات الصباحية، الممتدة عادةً بين السابعة والتاسعة، وكذلك في فترات الظهيرة والعصر، خاصة مع تزامن عودة الموظفين من أعمالهم.

وأشارت إلى أن الكثافة المرورية تتركز في محاور رئيسية مثل شارع السلطان قابوس والطريق السريع وعقبة العامرات، إضافة إلى مناطق ذات كثافة سكانية مرتفعة مثل المعبيلة والخوض. وفي هذا المشهد، تتقاطع مسارات فئات اجتماعية متعددة، من موظفين يسعون للوصول إلى أعمالهم، إلى طلبة الجامعات والمدارس، مروراً بالحافلات وأولياء الأمور، في سباق يومي مع الزمن.

وقالت : أمام هذا الواقع، يطوّر الأفراد استراتيجيات تكيّف مختلفة، أبرزها إعادة تنظيم الوقت الشخصي، حيث يلجأ كثيرون إلى مغادرة منازلهم مبكراً لتجنّب الازدحام، وقد أفرز هذا السلوك شعورًا متزايدًا بالقلق، خاصة لدى الموظفين الذين يخشون التأخر عن تسجيل الحضور، وهو ما يُعرف مجازًا بـ"فوبيا البصمة"، إلى جانب التحديات التي يواجهها الطلبة في الالتزام بمواعيد محاضراتهم، كما يعتمد بعض الأفراد على حلول عملية مثل مشاركة المركبات أو استخدام الحافلات، رغم أن هذه الخيارات قد تقيّد حرية الحركة ولا تناسب جميع الفئات.

وأوضحت أن آثار الازدحام تمتد إلى الجوانب النفسية والاجتماعية من هذه المعاناة، حيث يؤدي البقاء لفترات طويلة داخل المركبات إلى الشعور بالتوتر والاختناق، وقد ينعكس ذلك على السلوك العام للسائقين، كما يزيد القلق من التأخر -خاصة عند وقوع الحوادث المفاجئة- من حدة الضغط اليومي ولا تقتصر هذه التأثيرات على الفرد، بل تمتد إلى الأسرة من خلال تقليص وقت الراحة للوصول السريع للمنزل بعد الدوام أو المشوار البسيط الذي قد لا يتجاوز العشر دقائق حيث يصل إلى ربع ساعة كأقل احتمال.

وأكدت سارية الغنيمي انه من منظور سوسيولوجي، يعكس الازدحام ضغطًا متزايدًا على البنية الحضرية نتيجة النمو السكاني والاعتماد الكبير على المركبات الخاصة وتزامن أوقات الدوام، ورغم تطبيق بعض المؤسسات لنظام الدوام المرن، تبقى الحاجة إلى حلول أكثر شمولية، تشمل تحسين البنية التحتية وتعزيز الوعي المروري، بما يسهم في تقليل الازدحام وتحسين جودة الحياة في المدينة.

خلاصة التحقيق

يبدو أن الجميع متفق على أن الازدحام المروري في محافظة مسقط يتفاقم، وأن إيجاد حلول لهذه المشكلة أصبح ضرورة. وعلى الرغم من وجود لجنة رئيسة معنية بمعالجة الازدحام المروري بمحافظة مسقط، فإن توصيات هذه اللجنة تصطدم على ما يبدو بجوانب أخرى، ولم تتحقق دراساتها وتحليلاتها على أرض الواقع حتى الآن. ويتضح من خلال هذا التحقيق أن الازدحام المروري له تأثيرات عديدة على مستخدمي الطريق، وعلى تسارع المشاريع، وإنجاز الأشخاص معاملاتهم اليومية، فضلًا عن التأثيرات الصحية والنفسية، وحركة تنقل الأشخاص والبضائع، وما يترتب على ذلك من تداعيات اجتماعية واقتصادية وصحية.

وتؤكد الجهات المعنية أن لديها خططًا ودراسات لإيجاد حلول للازدحام المروري، غير أن هذه الدراسات ستأخذ وقتًا طويلًا، خاصة أنها مرتبطة بتنفيذ مشاريع كبرى، مثل مشروع مسقط الكبرى، الذي يحمل ضمن أولوياته تطوير النقل وحل مشكلة الازدحام المروري.

كما أن هناك عدة مشاريع قادمة، مثل توسعة طريق مسقط السريع، وتوسعة طريق الموج، وتطوير دوار برج الصحوة، إلا أن هذه المشاريع لم يوضع لها برنامج زمني واضح للتنفيذ وموعد البدء، لذلك تظل حلولًا بعيدة لا تظهر آثارها على المدى القريب.

وتتفق الآراء على أن الزحمة المرورية بمحافظة مسقط أصبحت واقعًا يحتاج إلى معالجة، لما لها من تأثيرات صحية واجتماعية واقتصادية، وتحتاج إلى حلول عاجلة ومستقبلية، وآليات تراعي الكثافة السكانية المتزايدة، والتوزيع الصحيح للمؤسسات، وإيجاد وسائل نقل جماعية حديثة تخفف الاعتماد على وسائل النقل الشخصية، وبناء مدن مستدامة تراعي الأبعاد المجتمعية والزيادة السكانية ونمط الأنشطة المتنوعة، ووقف العشوائية في البناء وتداخل المدن السكنية مع التجارية والصناعية.

كما تتضح أهمية تطوير وتوسعة المداخل والمخارج الواصلة بين المدن والطرق الرئيسة، وإبعاد الأحياء متعددة الاستخدامات عن الطرق، والتخطيط السليم في اختيار مواقع إنشاء المؤسسات الحكومية والتجارية والصناعية.