أرشيف من القماش والتاريخ.. طه الخضوري يقتني 210 قمصان لمنتخبات العالم
حاوره- وليد أمبوسعيدي
في الوقت الذي ترتبط فيه كرة القدم لدى الملايين بالنتائج والأهداف والبطولات والنجوم المفضلين لديهم، هناك من ينظر إليها من زاوية مختلفة، باعتبارها ذاكرة حية تحفظ تفاصيل الزمن وتوثق لحظات الفرح والإنجاز عبر المقتنيات الرياضية التي ترافقها.
ومن بين هؤلاء يبرز اسم طه بن سيف الخضوري، الذي نجح في بناء واحد من أبرز أرشيفات قمصان المنتخبات الوطنية في الوطن العربي، بعدما تمكن من جمع أكثر من 210 قمصان أصلية ومعتمدة تمثل منتخبات من مختلف قارات العالم.
ولم يأتِ هذا الإنجاز بين ليلة وضحاها، بل كان ثمرة سنوات طويلة من الشغف والمتابعة والبحث المستمر عن القمصان الأصلية التي تحمل قيمة تاريخية ورياضية خاصة. فمنذ طفولته ارتبط الخضوري بالرياضة ومقتنياتها المختلفة، قبل أن تتبلور الفكرة تدريجيًا إلى مشروع توثيقي يهدف إلى حفظ جانب مهم من تاريخ كرة القدم العالمية من خلال القمصان الرسمية للمنتخبات.
وتحمل كل قطعة في هذا الأرشيف قصة مختلفة، فبعض القمصان ارتبطت ببطولات عالمية أو قارية، وأخرى تخلد إنجازات تاريخية ومنعطفات مهمة في مسيرة المنتخبات الوطنية.
كما أن رحلة الحصول على بعض هذه القمصان لم تكن سهلة، إذ تطلبت أحيانًا سنوات من البحث والتواصل مع هواة ومؤسسات ومتاجر متخصصة في مختلف أنحاء العالم.
ويؤكد الخضوري أن مشروعه لا يقتصر على جمع القمصان فقط، بل يتجاوز ذلك إلى المحافظة على الذاكرة الرياضية للأجيال القادمة، وتعريف المهتمين بتاريخ المنتخبات العالمية وما حققته من إنجازات عبر العقود المختلفة.
كما يطمح مستقبلًا إلى توسيع نطاق الأرشيف ليشمل مقتنيات رياضية أخرى ذات قيمة تاريخية وتوثيقية.
وفي هذا الحوار يتحدث طه الخضوري عن بداياته مع هذه الهواية، وأبرز القمصان التي يحتفظ بها، وأصعب التحديات التي واجهته خلال رحلته، إضافة إلى رؤيته المستقبلية ورسائله للشباب العماني المهتم بالمشاريع التوثيقية والمقتنيات الرياضية.
البداية الأولى
بدأت علاقتي مع جمع القمصان والمقتنيات الرياضية منذ سنوات الطفولة، حيث كنت شغوفًا بمتابعة الأحداث الرياضية والاحتفاظ بكل ما يرتبط بها، في البداية كنت أجمع قمصان الفرق الأهلية وبعض المقتنيات البسيطة، لكن مع مرور الوقت بدأت أفكر بطريقة مختلفة، وأدركت أن القمصان الرياضية ليست مجرد ملابس يرتديها اللاعبون، بل هي جزء من تاريخ اللعبة وذاكرتها.
ومن هنا بدأت رحلة التخصص في جمع قمصان المنتخبات الوطنية حتى تطورت الفكرة إلى أرشيف متكامل يضم اليوم أكثر من 210 قمصان أصلية ومعتمدة.
الأقرب إلى القلب
على الرغم من أن جميع القمصان التي أملكها تحمل قيمة خاصة بالنسبة لي، فإن قميص المنتخب الوطني العماني يبقى الأقرب إلى قلبي دون منافس، فهذا القميص يرتبط بذكريات جميلة ومواقف لا يمكن نسيانها، خصوصًا تلك المتعلقة بإنجازات المنتخب في كأس الخليج، كما يذكرني بأحد أعظم الأيام الرياضية عندما حقق منتخبنا الفوز على المنتخب السعودي في واحدة من أجمل اللحظات التي عاشتها الجماهير العمانية، ولذلك يحتفظ هذا القميص بمكانة استثنائية داخل الأرشيف.
رحلة شاقة
من أصعب القمصان التي تمكنت من الحصول عليها قميص المنتخب الإيراني، فبسبب الظروف والأوضاع الراهنة في المنطقة واجهت العديد من التحديات خلال رحلة البحث عنه، استغرق الأمر وقتًا طويلًا من التواصل والبحث والتأكد من المصادر قبل أن أتمكن أخيرًا من اقتنائه وإضافته إلى مجموعتي. وكان هذا القميص من آخر المقتنيات التي انضمت إلى الأرشيف بعد سنوات من المحاولات، لذلك أعتبره من أكثر القمصان التي تحمل قصة خاصة بالنسبة لي.
معايير الأصالة
أحرص بشكل كبير على أن تكون جميع القمصان الموجودة في الأرشيف أصلية ومعتمدة، لأن الهدف الأساسي من المشروع هو التوثيق الحقيقي وليس مجرد جمع القطع، ولهذا السبب أعتمد على الشراء من مصادر رسمية وموثوقة حول العالم، كما أستفيد من الخبرة التي اكتسبتها خلال السنوات الماضية في التمييز بين القمصان الأصلية والمقلدة، وهناك تفاصيل عديدة تساعد في ذلك، من بينها نوعية القماش، وجودة التصنيع، والوزن، والتقنيات المستخدمة في إنتاج القميص، إضافة إلى العلامات الخاصة بكل إصدار.
مقتنيات خاصة
يضم الأرشيف عددًا من القمصان الخاصة بلاعبين محترفين سبق لهم اللعب في الدوري العماني، وهو جانب أعتز به كثيرًا لأنه يوثق جزءًا من تاريخ الرياضة العمانية، وفي الوقت نفسه لا يزال لدي طموح كبير في الحصول على مزيد من القمصان الخاصة بالنجوم العالميين، سواء ممن صنعوا التاريخ في بطولات كأس العالم أو البطولات القارية المختلفة، لأن مثل هذه القطع تضيف قيمة إضافية لأي أرشيف رياضي.
منتخبات مفضلة
هناك منتخبان يحظيان باهتمام خاص بالنسبة لي وهما المنتخب العماني والمنتخب البرازيلي، الأول لأنه يمثل الوطن ويحمل ذكريات وإنجازات قريبة من القلب، والثاني لما يملكه من تاريخ عريق وتأثير كبير في عالم كرة القدم، لذلك أحرص دائمًا على متابعة كل إصدار جديد يصدر لهذين المنتخبين، كما أسعى إلى اقتناء النماذج المختلفة التي توثق مراحل متعددة من تاريخهما الرياضي.
مشروع متكامل
أرى أن الأرشيف لا يجب أن يقتصر على القمصان فقط، ولذلك أعمل على تطوير الفكرة لتصبح مشروعًا توثيقيًا أشمل. وأطمح خلال السنوات المقبلة إلى إضافة مقتنيات رياضية أخرى مثل التذاكر التاريخية والميداليات والصور التذكارية وبعض الأدوات المرتبطة بالنجوم والبطولات الكبرى. فكل قطعة من هذه القطع تحمل قصة خاصة وتساعد على حفظ جزء من الذاكرة الرياضية للأجيال القادمة.
دهشة الزوار
غالبية الأشخاص الذين يشاهدون الأرشيف للمرة الأولى يبدون حالة واضحة من الدهشة والاستغراب، خصوصًا عندما يعلمون أن المجموعة تضم أكثر من 210 قمصان أصلية لمنتخبات من مختلف أنحاء العالم. وغالبًا ما يطرحون السؤال نفسه: كيف استطعت جمع هذا العدد الكبير من القمصان؟ وأجد متعة كبيرة في الحديث معهم عن القصص التي تقف خلف كل قطعة وعن الرحلات الطويلة التي صاحبت عملية جمعها.
رسالة للشباب
أنصح كل شاب عماني يرغب في الدخول إلى عالم التوثيق الرياضي أو جمع المقتنيات بأن يبدأ أولًا بقميص وطنه، فالقميص الوطني يحمل قيمة معنوية كبيرة، ويسهم في ترسيخ الهوية الوطنية وتعريف الأجيال القادمة بتاريخ الرياضة العمانية وإنجازاتها المختلفة. كما أن هذه المقتنيات يمكن أن تكون وسيلة جميلة للتعريف بعُمان وثقافتها أمام المهتمين من مختلف دول العالم.
الحلم المستمر
أعيش في قرية صغيرة بعيدة عن المدينة، لكنني كنت دائمًا مؤمنًا بأن الأحلام لا ترتبط بالمكان، وأن الإصرار والعمل قادران على تحويل أي فكرة إلى واقع، واليوم أشعر بالفخر بما وصلت إليه، ليس فقط بسبب عدد القمصان التي أملكها، بل لأن هذا المشروع أصبح معروفًا داخل سلطنة عُمان وخارجها، ووصل صداه إلى مختلف أنحاء الوطن العربي.
وفي ختام الحديث أتوجه بالشكر والتقدير إلى كل شخص وقف إلى جانبي خلال هذه الرحلة، سواء من أفراد الأسرة أو الأصدقاء أو المهتمين بالمقتنيات الرياضية. كما أقدم شكري إلى وسائل الإعلام المختلفة من صحف وقنوات تلفزيونية ومنصات إعلامية ساهمت في تسليط الضوء على هذا المشروع. وأخص بالشكر أصدقائي المقربين الذين كانوا دائمًا شركاء في النجاح وساهموا معي في كل خطوة. وما تحقق حتى اليوم يمثل محطة مهمة في مسيرة مستمرة، وآمل أن أواصل تطوير هذا الأرشيف ليكون مرجعًا رياضيًا وتوثيقيًا مهما من تاريخ كرة القدم والرياضة بشكل عام، ليبقى شاهدا للأجيال القادمة على قصص وإنجازات صنعتها الرياضة عبر السنوات.
