شعبان يوسف يكمل سيرة توفيق الحكيم ويردّ الاعتبار لسلامة موسى
يراكم المؤرخ المصري شعبان يوسف منجزًا ثقافيًا مستمرًا عبر عقود، فعلى مستوى العمل العام يدير "ورشة الزيتون" منذ أكثر من أربعين عامًا، واستضاف من خلالها عشرات الأسماء كانوا في بداياتهم ثم أصبحوا نجومًا، مثل سلوى بكر، وفتحي إمبابي، ويوسف أبورية، وحلمي سالم، وفاطمة ناعوت، ومحمد ناجي، ومنى طُلبة، وفتحي أبو العينين، وشيرين أبو النجا، ومحمد إبراهيم طه، وحمدي أبو جليل، ونجوى شعبان، ومحمود الشاذلي، كما استقطب شعبان مبدعين بارزين آخرين صاروا ضيوفًا دائمين على الورشة أبرزهم جمال الغيطاني، وإدوار الخراط، ويوسف القعيد، وبهاء طاهر، وسعيد الكفراوي، ومحمود الورداني، وهدى النعيمي، ومنعم الفقير، وريم قيس كبه، وصادق الطائي، ونبيل سليمان، ومحمد الفيتوري، وبثينة خضر مكي، وبثينة الناصري، وعفيف إسماعيل، وياسين عدنان، وسلام إبراهيم.
كما أصدر "كراسة الورشة" لنشر كل الدراسات التي كُتبت عن الأعمال المُحتفى بها، وأصدر كذلك مطبوعات أدبية لبعض الشباب، وأقام مؤتمرات لمناقشة أعمال يحيى الطاهر عبد الله وأمل دنقل، كما أقام مؤتمرًا عن "الفن والثقافة والوطن" بمناسبة 80 سنة على ثورة 1919.
وعلى مستوى منجزه الشخصي، يعَدّ شعبان يوسف واحدًا من أبرز شعراء السبعينيات، ولديه سبعة دواوين بدأها بـ"مقعد ثابت في الريح"، و30 كتابًا تنوعت بين السير الذاتية والتأريخ لأهم رموز الثقافة والفن، بالإضافة إلى رواية هي "عودة سيد الأحمر".
ولعل أبرز كتبه هي ثلاثيته عن "الثقافة المصرية"، التي صدر جزأها الثالث منذ أيام تحت عنوان فرعي هو "ثوابت وتحولات".
يستمد هذا الكتاب أهميته من أهمية كاتبه، وامتلاكه أوراقًا ومستندات ومجلات وكتبًا نادرة، نتيجة علاقة طويلة ببائعي الكتب في سور الأزبكية وغيرها، فبمجرد أن تقع في أيديهم مكتبات كاملة يفرط فيها أبناء أو أحفاد يعرضونها عليه أولًا، ليحصل على زبدتها.
يعرض شعبان يوسف في الكتاب للتحولات البسيطة أو الحادة في المواقف الفكرية لبعض الشخصيات الثقافية، وهم سلامة موسى، وعطيات الأبنودي، وعلاء الديب، ومحمد جلال كشك، وتوفيق الحكيم، وفي فصل آخر يكتب بورتريهات بديعة لنماذج مضيئة في الثقافة المصرية مثل عبد الفتاح الجمل، الذي رعى جيل الستينيات في مصر وبشَّر بأبنائه، من خلال نشر أعمالهم في ملحق جريدة "المساء"، وكذلك مجدي نجيب، وإسماعيل الحبروك، ومحمد حافظ رجب، وملك عبد العزيز، ويخصص فصلًا أخيرًا عن الصلة العميقة بين الثقافتين المصرية والسودانية.
يعطينا شعبان يوسف لمحة عن الكتاب في مقدمته، مشيرًا إلى أنه معنيٌّ بشكل أساسي بكُتَّاب تحوَّلوا عن ثوابتهم بمحض إرادتهم، أو وفقًا لمصالحهم الجديدة، ضاربًا المثل بالكاتب والباحث محمد جلال كشك، إذ بدأ حياته ماركسيًا في ثقافته وتوجهاته التنظيمية والسياسية، من خلال التحاقه بالحزب الشيوعي المصري عام 1950، وتأليفه كتابًا طليعيًا، هو "مصريون.. لا طوائف"، ثم جاءت ثورة 23 يوليو 1952، لينتصر عبر كتابات كثيرة لتوجهاتها، وأفكارها، وكل قراراتها السياسية، قبل أن يتحول بشكل شبه مفاجئ، ويتنصل من كل ما كتبه سابقًا، ويهاجم مَن يذكِّره بأفكاره القديمة، حيث ألقى بنفسه في معسكر الإسلام السياسي، بعد أن كان شيوعيًا ثم ناصريًا.
وفي فصل "وقائع اغتيال معلن" يجيب شعبان يوسف عن سؤال طرحه بنفسه وهو: لماذا يكرهون سلامة موسى؟ مؤكدًا أن الأمر لا يحتاج إلى كثيرٍ من البحث في صحف ومجلات الماضي لنكتشف كمَّ العداء والخصومة المجانية التي طالته هو وكتبه وأبحاثه ودراساته، حتى مجرد ذكر اسمه في الصحافة الفكرية والثقافية المعاصرة أصبح قليلًا أو منعدمًا أو محظورًا، فضلًا عن حرمانه من إدراج كتبه في مناهج المدارس الحكومية أسوة بكتب ومقالات معاصريه وأقرانه، مثل عبقريات عباس محمود العقاد، وكتب الدكتور طه حسين وعلى رأسها "الأيام"، و"حافظ وشوقي".
ويؤكد شعبان أنه أحيانًا يتم الجهر بالخصومة مع سلامة موسى بشكل فج، وتوجيه اتهامات جزافية له، ووصفه بأنه "صليبي"، ويعلق أنه يكفي أن نستعرض بعضًا من الألفاظ التي أطلقها عليه الأستاذ المحقق محمود محمد شاكر في كتابه "أباطيل وأسمار" لندرك المأساة، إذ يقول في سياق حديثه عن ديوان "بلوتلاند"، الصادر عام 1947 للدكتور لويس عوض ص 14: "..ويومئذ أيقنت أن الأمر لم يأتِ اتفاقًا ولا مصادفة، فالرائحة التي كنت أشمها من هدوم القسيس زويمر، ومن أسمال التالف سلامة موسى، هي هي التي وجدتها في بلوتلاند"، وفي ص 148 من الكتاب نفسه يقول: "..وكأنهم اختاروه ليكون بديلًا من ذلك المتسرع الجريء الوقح السليط اللسان سلامة موسى".
وفي فصل توفيق الحكيم يعطينا الكاتب لمحة عن الهجوم الضاري الذي تعرض له بعد أن أصدر كتابه "عودة الوعي"، فبعد أن كان مؤيدًا لثورة يوليو في بداياتها، جاء هذا الكتاب كانقلاب تام وصريح لأفكاره بشأنها، فقد اعتبر أن حرب 1956 لم تكن نصرًا على الإطلاق، بل هزيمة منكرة، ونهاية الحرب لم تكن بإرادة المصريين، ولا بإرادة قياداتهم عام 1956.
وقال أيضًا: إن ناصر كان عاطفيًا عندما استعد لحرب 1967، ولم يكن حكيمًا، خاصة أن قواته كانت ضعيفة بعد خوضها حرب اليمن الخاطئة، وقد عدَّها الحكيم حربًا لإثبات "الزعامة" جلبت علينا كثيرًا من المآسي، فجرى ما جرى في 1967، ولم يستطع الإعلام أن يعترف بالهزيمة، فظل على مدى ثلاثة أيام يذيع الانتصار الوهمي لنا على جيش العدو، وكان من المنتظر أن نكون في مساء 5 يونيو في تل أبيب. وهكذا يسترسل توفيق الحكيم في عرض مثالب وأخطاء الثورة في الكتاب، واعتبر الحكيم - كما يقول شعبان يوسف - أنه كان غائبًا عن الوعي، وها هو يعلن عن خطئه، ولا يبرئ نفسه، مؤكدًا أن التاريخ سوف يحكم بقدر من الموضوعية.
يصل شعبان إلى اللحظة التي عدَّها المؤرخ الناصري محمد عودة في كتابه "الوعي المفقود" انقلابًا في أفكار توفيق الحكيم، أعني حين كتب يقول في رثائه: "اعذرني يا جمال، القلم يرتعش في يدي، وليس من عادتي الكتابة والألم يلجم العقل ويذهل الفكر، لن أستطيع الإطالة، لقد دخل الحزن كل بيت تفجعًا عليك، لأن كل بيت فيه قطعة منك، ولأن كل فرد قد وضع في قلبه لبنة في صرح بنائك، فأنت لم تكن بالزعيم المصنوع سلفًا في مصنع السياسة، تربصًا بالفرص، بل كنت بَضْعة من جوهر شعبك النفيس صاغها بيده في دأب وحدب بعد طول معاناة، وانتظار على مدى أحقاب... اسمح لنا وقد فارقتنا، أن نقيم لك تمثالًا عاليًا في ميدان التحرير ليشرق على الأجيال، ويكون دائمًا رمز الآمال..".
يعلق شعبان على استخدام عودة لمقولة الحكيم كقرينة ضده قائلًا: إن الحكيم كان متأثرًا بوفاة ناصر، وهو شيء طبيعي وإنساني في تلك الحالة، خاصة وأن الحكيم أثبت على مدار حياته أنه لم يمالئ السلطة، وكان حادًا في مواقفه غير هيَّاب.
وفي الفصل الخاص بعلاء الديب يعرِّج على تواريخ صدور أعماله الأدبية فقد ظهرت مجموعته الأولى "القاهرة" إلى النور عام 1964، ثم الثانية "صباح الجمعة" عام 1974، ولم تصدر روايته الأولى "زهر الليمون" إلا عام 1987 عن سلسلة "مختارات فصول".
يعرض شعبان ما كتبه علاء الديب في سيرته "وقفة قبل المنحدر"، ومنها أنه لم يقتنع يومًا بمسألة الانتماء لأي تنظيمات سياسية، رغم أنه انتمى إلى هيئة التحرير، وهي أول منظمة سياسية أنشأتها ثورة يوليو، وكذلك جماعة الإخوان قبلها، ثم ارتبط بأحد الأحزاب الشيوعية، ولم يكن فاعلًا في أي من تلك التنظيمات.
يلفت شعبان إلى أن علاء الديب كان قد عرف كثيرًا من الرفاق اليساريين، وقضى معهم أوقاتًا عظيمة، وتعلَّم منهم كثيرًا من الدروس، معتبرًا أن هؤلاء الرفاق بالنسبة له، يثبتون قدرة الإنسان على التضحية، وعلى أن يهب نفسه ووقته وحياته لقضية يؤمن بها تمامًا، مهما كان الحلم بعيدًا، ومهما بدا الجهد الذي يستطيع بذله ضئيلًا ومحفوفًا بالمخاطر.
ويعلق: "كان ارتباط علاء الديب بتيار اليسار ارتباطًا بالحلم وسعيًا نحو تحقيق الثورة الكاملة، رغم أنه لم يكن منتميًا لأي تنظيمات يسارية كما يؤكد على ذلك دومًا. لقد كانت الثورة في ذلك الوقت تتشكل وتتحول إلى نظام، وكان ذلك التحول والتشكل يحدثان بعيدًا عن الناس، وكان اليساريون يحاولون أن يشتركوا أو يسهموا في هذا التحول، ولكن التحول كان سريعًا وقويًا، يجرف في سبيله كل شيء، وكانوا هم في أغلب الأحيان غارقين في خلافات داخلية".
ويضيف: "من هنا استطاعت السلطة الناصرية، أن تجسِّد كل شعارات اليساريين في برامج عملية، وكان علاء قريبًا من هؤلاء اليساريين الذين تسربت أحلامهم، بل ضاعت، وتم السطو عليها، وذلك وفقًا للخلافات التاريخية والطاحنة بينهم، برغم الوحدة التي حدثت في 8 يناير 1958، حيث اصطفت تنظيمات اليسار تحت اسم "الحزب الشيوعي الموحد"، وكان محمد عمارة - الرفيق سلّام - والذي أصبح فيما بعد الدكتور محمد عمارة الباحث الإسلامي، أحد مهندسي تلك الوحدة المهددة بالانهيار، وتم تصعيد محمد عمارة إلى مسؤول لجنة منطقة القاهرة، وهي أقوى لجنة في الحزب، باعتبار أن القاهرة هي المركز الرئيسي في النشاط السياسي والتثقيفي والفكري للحزب، وكان علاء الديب يشاهد كل ذلك في حالة ذهول، حتى حدثت كارثة أول يناير 1959، وقُبِض على جميع الشيوعيين ممن كانوا على قرب من السلطة ومعها ويرفعون شعاراتها، وناهضوا كل مَن يتحدث عنها بسوء، ولكنهم ناهضوا الدولة كذلك في تفاصيل صغيرة، ورغم أن علاء الديب لم يكن عضوًا في أي تنظيم، لكنه كان على قرب من هؤلاء الشيوعيين، وتقديره لهم ظل شاغلًا له طوال حياته، كان غياب رفاق علاء محيرًا له، ومحبطًا، قبل أن يتخرج عام 1960، وحكى علاء في كتابه عن تلك الفترة بقدر من الترميز، لكن نكتشف أنه كان محبطًا، إنه المثقف الوجودي السارتري، والمتمرد حسب مفهوم كامي، والماركسي الثوري، إنه يقف بين الثوري الراديكالي، والحالم بالتغيير الجذري من ناحية، وبين المتمرد الذي يشغل درجة أقل من الثوري، ذلك المتمرد الذي عرفناه عند كامو، الشخص المتألم الذي لا يسعى إلى تغيير المجتمع بشكل كامل".
كتاب "الثقافة المصرية" لشعبان يوسف هو لبنة أخرى في الجدار الذي بدأه عميد الأدب العربي طه حسين بكتابه المهم "مستقبل الثقافة في مصر"، والاثنان لا يفصلان تلك الثقافة عن محيطها العربي أو العالمي، أي أنهما يبدآن من الجذور ومنها إلى فضاء الإنسانية الرحب.
