عمان اليوم

مدّ الحماية التأمينية.. مظلة خليجية تحفظ الحقوق وتعزز الاستقرار الوظيفي

18 يونيو 2026
18 يونيو 2026

"عمان": في عالم تتسارع فيه حركة الكفاءات والخبرات بين الدول، لم تعد الحماية الاجتماعية قضية محلية ترتبط بحدود الدولة فحسب، بل أصبحت أحد المرتكزات الأساسية لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي وضمان استدامة التنمية البشرية، ومن هذا المنطلق، جاء النظام الموحد لمد الحماية التأمينية لمواطني دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية العاملين في غير دولهم، باعتباره أحد أبرز مشروعات التكامل الخليجي التي ترجمت على أرض الواقع مفهوم "المواطنة الخليجية" إلى حقوق ومنافع وتأمينات اجتماعية ملموسة، ويشكل هذا النظام بالنسبة للمواطن العُماني العامل في إحدى دول مجلس التعاون جسرًا آمنًا يربطه بمنظومة الحماية الاجتماعية في وطنه، ويضمن له استمرار تمتعه بحقوقه التأمينية والتقاعدية مهما كانت وجهة عمله داخل المنظومة الخليجية.

يمثّل مدّ الحماية التأمينية أحد أهم القرارات الاستراتيجية التي تبنتها دول مجلس التعاون بهدف إزالة العوائق التي قد تواجه انتقال القوى العاملة الخليجية بين الدول الأعضاء، وذلك من خلال ضمان استمرار شمول العامل الخليجي لنظام التقاعد والتأمينات الاجتماعية في دولته الأم أثناء عمله في دولة خليجية أخرى، ولم يعد الانتقال للعمل خارج الدولة يعني فقدان سنوات الخدمة أو الانقطاع عن المظلة التأمينية، بل أصبح المواطن يحتفظ بحقوقه التأمينية كاملة، ويواصل بناء مستقبله التقاعدي بصورة متصلة، من خلال استمرار شموله بمنظومة الحماية الاجتماعية في وطنه الأم أينما كان موقع عمله داخل دول مجلس التعاون الخليجي.

يهدف النظام إلى توفير حماية تأمينية متكاملة للعُمانيين العاملين في دول مجلس التعاون الخليجي، بما يضمن استمرار استفادتهم من برامج التأمين الاجتماعي المطبقة في سلطنة عُمان، والحفاظ على حقوقهم التأمينية والتقاعدية طوال فترة عملهم خارج الوطن، وتشمل هذه الحماية، تأمين كبار السن، وتأمين العجز وكذلك تأمين الوفاة، وتأمين الأمان الوظيفي (التعطل عن العمل)، ونظام الادخار، وبذلك يحصل المواطن العُماني العامل في الخارج على مستوى الحماية التأمينية ذاته الذي يتمتع به العامل داخل سلطنة عُمان، بما يعزز العدالة التأمينية واستمرارية الحقوق الاجتماعية.

يمتاز النظام بشموليته واتساع نطاق تغطيته، إذ يشمل المواطنين العُمانيين العاملين في القطاع الحكومي، والقطاع الخاص، والقطاع العسكري، كما تمتد مظلته لتشمل مختلف أنماط العمل والعقود التي تقرها أنظمة التقاعد والتأمينات الاجتماعية في دولة مقر العمل، بما يعكس تطور مفهوم الحماية الاجتماعية وقدرته على مواكبة التحولات الحديثة في أسواق العمل الخليجية.

يقوم النظام على شراكة متكاملة بين جهة العمل وأجهزة التقاعد والتأمينات الاجتماعية في دول المجلس، وتبدأ العملية بتسجيل جهة العمل وفق الإجراءات المعتمدة في دولة مقر العمل، ثم تسجيل الموظف العُماني وإرفاق المستندات المطلوبة، والتي تشمل النموذج الموحد المعتمد، عقد العمل، والبطاقة الشخصية سارية المفعول، وكشف تدرج الأجر الوظيفي.

وأكد صندوق الحماية الاجتماعية أن التسجيل لا يتم بصورة تلقائية، وإنما يتطلب استكمال الإجراءات النظامية لضمان حفظ الحقوق التأمينية للعامل منذ بداية خدمته.

يستند النظام إلى آلية تمويل واضحة ومستدامة، حيث تبلغ نسبة الاشتراك 18.5% من الأجر الخاضع للاشتراك، موزعة على النحو الآتي: 7.5% يتحملها المؤمن عليه، و11% تتحملها جهة العمل، وتسهم هذه الاشتراكات في بناء الحقوق التأمينية للمؤمّن عليه وضمان استدامة المنافع المستقبلية التي يستحقها عند التقاعد أو في الحالات التأمينية الأخرى.

جاءت التعديلات الأخيرة على النظام الموحد لمد الحماية التأمينية لتعكس تطور منظومات الحماية الاجتماعية في دول المجلس وحرصها على مواكبة المتغيرات الاقتصادية وسوق العمل، ومن أبرز الإضافات النوعية التي حملتها التعديلات، إدراج تأمين الأمان الوظيفي حيث أصبحت مظلة النظام تشمل فرع التأمين ضد التعطل عن العمل إلى جانب تأمين الشيخوخة والعجز والوفاة، بما يوفر حماية أشمل للمؤمّن عليهم عند فقدان العمل لأسباب خارجة عن إرادتهم، وكذلك تحديث آليات السداد والتحصيل حيث أقرت التعديلات مرونة أكبر في قنوات تحصيل الاشتراكات وسدادها بما يواكب التحول الرقمي وتطور الأنظمة المالية الخليجية، وتعزيز تبادل البيانات بين الدول إذ وسعت التعديلات نطاق تبادل المعلومات والإخطارات بين أجهزة التقاعد والتأمينات الاجتماعية في دولة العمل ودولة الموطن، بما يرفع من كفاءة المتابعة ويحفظ الحقوق التأمينية للمؤمّن عليهم.

تعكس الأرقام حجم الثقة المتنامية بالنظام وأهميته للمواطنين العاملين خارج سلطنة عمان، حتى نهاية أبريل 2026 بلغ عدد المؤمّن عليهم العُمانيين النشطين المشمولين بنظام مد الحماية التأمينية (850,7) مؤمّنًا عليه ومؤمّنًا عليها.

وتصدرت دولة الإمارات العربية المتحدة قائمة الدول الخليجية المستضيفة للعمانيين المشمولين بالنظام بعدد (4,821) مؤمّنًا عليه، تلتها دولة قطر بعدد (2,062) مؤمّنًا عليه، ثم المملكة العربية السعودية ثم دولة الكويت ومملكة البحرين.

وتؤكد هذه الأرقام تنامي حركة الكفاءات العُمانية في الأسواق الخليجية، وفي الوقت ذاته تعكس نجاح النظام في استقطاب أعداد متزايدة من المستفيدين.

لا يقتصر أثر مد الحماية التأمينية على الجوانب التقاعدية فحسب، بل يمتد إلى تعزيز الاستقرار الأسري والاقتصادي للمواطنين العاملين خارج الوطن، وتوفير بيئة أكثر اطمئنانًا تسمح لهم بالتركيز على مسيرتهم المهنية دون القلق بشأن مستقبلهم التأميني، كما يسهم النظام في دعم أهداف التكامل الخليجي، وتشجيع انتقال الخبرات والكفاءات بين الدول الأعضاء، ورفع تنافسية القوى العاملة الوطنية في سوق العمل الخليجي المشترك.

ويواصل صندوق الحماية الاجتماعية جهوده في تعزيز المعرفة بأهمية التسجيل في النظام، داعيًا جميع المواطنين العُمانيين العاملين في دول مجلس التعاون إلى التحقق من تسجيلهم واستكمال إجراءات الاشتراك بالتنسيق مع جهات عملهم والأجهزة المختصة في دولة مقر العمل؛ فالحماية الاجتماعية لم تعد مجرد استحقاق مستقبلي، بل أصبحت استثمارًا في الاستقرار، وضمانةً لحياة أكثر أمنًا وطمأنينة، وركيزة أساسية لمسيرة التنمية التي تضع الإنسان في مقدمة أولوياتها.