جلسة تستعيد تحولات الذات والمكان والشخصية في تجارب أربعة كتاب عمانيين
كتب ـ فيصل بن سعيد العلوي -
استضاف النادي الثقافي مساء أمس جلسة حوارية ضمن جلسات الاحتفاء بالقصة القصيرة في سلطنة عمان ضمن مشروعه الثقافي "العيش على الحافة ـ عين الطائر على القصة القصيرة في سلطنة عمان" الذي يواصل استعادة التجارب السردية العمانية وقراءة تحولات الكتابة القصصية عبر أجيالها المختلفة، وسعت الجلسة إلى تقديم قراءة في منجز أربعة من أبرز الأصوات السردية العمانية وهم الكتّاب عبدالله حبيب وخليفة العبري ومحمد سيف الرحبي والدكتور إسماعيل السالمي، فيما أدار الجلسة الدكتور محمود حمد الرواحي، وتوقفت الجلسة عند ملامح تجاربهم الفنية وأسئلتهم الإبداعية وخصوصية اشتغالهم على القصة القصيرة، إلى جانب استعراض نماذج من نصوصهم ومناقشة القضايا المرتبطة بتحولات الكتابة السردية وعلاقتها بالمكان والشخصية واللغة والتجريب، فضلا عن استحضار أثر القراءات والتجارب الثقافية في تشكيل مساراتهم الإبداعية.
تحولات السرد
وفي بداية الجلسة قدّم الدكتور محمود بن حمد الرواحي مدخلا نقديا توقف فيه عند التحولات التي شهدتها القصة القصيرة العمانية ومسارات تطورها حيث قال أن هذا الفن استطاع عبر عقود من التجريب والتراكم أن يؤسس حضوره ضمن المشهد السردي العربي، مستفيدا من التحولات الثقافية والفكرية والفنية التي رافقت نشأته وتطوره، وأن القصة بوصفها شكلا سرديا تقوم على الاختزال وتكثيف المعنى من خلال العلاقات التي تنشأ بين العلامات اللغوية والمخيال الفني لدى الكاتب والمتلقي، وهو ما جعلها أكثر قدرة على الاستجابة للتحولات الثقافية والجمالية التي شهدها الخطاب الأدبي المعاصر، كما أن القصة العمانية، رغم محدودية الدراسات التي تناولت مراحلها الأولى، استطاعت أن تستثمر وعي كتّابها منذ ستينيات وسبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، وأن تستفيد من انفتاح الرواد على التجارب العربية والعالمية ونشر أعمالهم في الصحافة الثقافية العربية، الأمر الذي أسهم في بناء وعي فني انعكس لاحقا على الأجيال اللاحقة، وفتح المجال أمام أشكال جديدة من التجريب والرؤى السردية.
وأضاف "الرواحي": أن المشهد القصصي العماني يقف اليوم أمام جيل تجاوز التصورات التقليدية التي كانت تجعل الحدث والشخصية محورين وحيدين لبناء القصة، ليصبح النص السردي أكثر انشغالا بتحولات الذات الإنسانية وصراعاتها وأسئلتها الوجودية في مواجهة المتغيرات الاجتماعية والثقافية، الأمر الذي أوجد أدوات فنية أكثر حساسية وقدرة على التقاط التفاصيل الدقيقة في التجربة الإنسانية.
وانطلاقا من هذه الرؤية استشهد "الرواحي" بتجارب المشاركين في الجلسة كنماذج تمثل مسارات مختلفة داخل القصة العمانية المعاصرة، مشيرا إلى أن تجربة محمد سيف الرحبي تنشغل بتحولات الإنسان والمكان عبر الأزمنة المتعاقبة، حيث تتجاور الذاكرة والواقع والحلم في تشكيل عوالمه السردية، ورأى أن نصوصه ترصد أثر التحولات الاجتماعية في الذوات والأمكنة، وتبني علاقة متوترة بين القرية والمدينة بوصفهما فضاءين متقابلين تتشكل داخلهما أسئلة التغير والهوية والبحث عن المعنى.
كما توقف عند تجربة القاص خليفة سلطان العبري معتبرا أن المكان يمثل العنصر الأكثر حضورا في عالمه القصصي، إذ يتحول من إطار للأحداث إلى كيان حي يشارك في صناعة الحدث وتوجيه الشخصيات، مستعينا بتفاصيل البيئة وروائحها وأصواتها وامتداداتها البصرية لبناء فضاء سردي تتداخل فيه الذاكرة بالمشاهدة والتجربة المباشرة.
وفي قراءته لتجربة الدكتور إسماعيل السالمي أشار إلى أن الشخصية تشكل المحور المركزي في نصوصه، وأنها تتحول إلى أداة لاستكشاف تناقضات المجتمع وأسئلة الإنسان ورغباته وصراعاته، مستشهدا بحضور شخصية "جمعة" في أكثر من عمل قصصي بوصفها حاملا لطبائع المجتمع وتحولاته وتوتراته الإنسانية.
أما عبدالله حبيب فرأى الدكتور محمود حمد أن تجربته تتشكل عند تقاطع الشعر والسينما والقصة، حيث تستثمر نصوصه الصورة الشعرية والتكثيف اللغوي والبناء السينمائي في إنتاج سرد يتجاوز الأشكال التقليدية، ويمنح القارئ مساحة واسعة للتأويل، في أعمال تتعالق فيها اللغة مع المشهد البصري والبعد الفلسفي في آن واحد.
أسئلة الأجناس
وفي الجلسة استمع الحضور إلى قراءات مختارة من أعمال المشاركين حيث قدّم عبدالله حبيب نماذج من تجربته في القصة القصيرة جدا والأمثولة السردية، فيما قرأ خليفة العبري مقطعا من قصته "يوم على تخوم الربع الخالي"، كما قدّم محمد سيف الرحبي نصا قصصيا من أعماله السردية، بينما قرأ الدكتور إسماعيل السالمي مقاطع من قصص من إصداره.
وفي الحوار الذي أعقب القراءات ناقش المشاركون جملة من القضايا المرتبطة بالكتابة السردية وأسئلتها الفنية، حيث استهل الدكتور محمود الرواحي النقاش مع عبدالله حبيب متوقفا عند المسافة التي تفصل بين الشعر والقصة والسينما في تجربته الإبداعية، وما إذا كانت نصوصه تنتمي إلى رؤية تقوم على انفتاح الأجناس الأدبية وتداخلها.
وأوضح الكاتب عبدالله حبيب أن هذه التقاطعات لم تكن نتيجة تخطيط مسبق بقدر ما جاءت انعكاسا لطريقته في النظر إلى العالم، مشيرا إلى أنه لا يستطيع الفصل بين أدوات التعبير المختلفة، وأن الصورة السينمائية والشعرية والسردية تتجاور لديه بصورة طبيعية داخل النص.
وتطرق الحديث إلى التحولات التي شهدتها تجربته الكتابية، خصوصا ما يتعلق بالانتقال من التجريب الحاد في بداياته إلى أشكال سردية أكثر اقترابا من بنية القصة المعروفة، وأوضح أن مرحلة البدايات ارتبطت بطموح جيله إلى كسر الأشكال السائدة والبحث عن صيغ جديدة للكتابة، غير أن التجربة قادته لاحقا إلى الاقتناع بأهمية الإخلاص للجنس الأدبي مع الاحتفاظ بروح المغامرة والتجريب داخل النص نفسه، مؤكدا أن المغايرة لا تتحقق بهدم القواعد فحسب وإنما بالقدرة على تجديدها من الداخل.
هاجس المكان
وانتقل الحوار إلى تجربة خليفة العبري حيث أثار "الرواحي" مسألة الحضور الكثيف للمكان في أعماله القصصية، متسائلا عما إذا كان ذلك نابعا من هاجس فني أم من ارتباط وجداني بالمكان نفسه، وأوضح "العبري" أن علاقته بالمكان تعود إلى الطفولة وشغفه المبكر بالتفاصيل الصغيرة في القرية والبيئة المحيطة، وأن هذا الانشغال ظل يرافقه في أسفاره وتجربته الحياتية، لينعكس بصورة تلقائية في أعماله السردية، كما أن مراقبة التفاصيل والرغبة في اكتشاف الأمكنة ظلت جزءا من تكوينه الشخصي قبل أن تتحول إلى أحد العناصر الأكثر حضورا في كتابته.
الرمز والرواية
كما تناول النقاش تجربة محمد سيف الرحبي حيث طرح محمود الرواحي أسئلة تتعلق بحضور الرمز في نصوصه وعلاقته بالبناء السردي، وما إذا كان يؤدي وظيفة فنية محددة أم يتحول إلى جزء من شكل الكتابة نفسها. وأوضح "الرحبي" أن القصة لا تُكتب وفق مخطط مسبق يحدد شكلها أو أدواتها، وإنما تفرض منطقها الخاص أثناء الكتابة، وأن الرمز ليس هدفا مستقلا بقدر ما يتولد من طبيعة النص ومقتضياته الفنية، أما عن الفارق بين القصة والرواية أشار إلى أن القصة تقوم على التكثيف والقبض على لحظة محددة، بينما تتيح الرواية فضاء زمنيا أكثر اتساعا يسمح للشخصيات والأحداث بالنمو والتطور عبر مسارات متعددة.
مركزية الشخصية
أما الدكتور إسماعيل السالمي فقد دار الحوار معه حول مركزية الشخصية في أعماله القصصية ولا سيما حضور شخصية "جمعة" في عدد من نصوصه، موضحا أن هذه الشخصية لا تمثل فردا بعينه بقدر ما تعبر عن الإنسان العماني وتحولاته اليومية وعلاقته بالعالم المحيط به، مؤكدا إلى أن الشخصيات في أعماله تنطلق من الواقع الاجتماعي والثقافي الذي تنشأ فيه وتحمل في الوقت نفسه أبعادا إنسانية تتجاوز حدود المكان والزمان.
مداخلات ونقاشات
وشهدت الجلسة مداخلات من الحضور تناولت عددا من القضايا المرتبطة بتحولات الكتابة القصصية وتجارب المشاركين، حيث توقف بعض المتداخلين عند تجربة عبدالله حبيب متسائلين عن أسباب انتقاله من الأشكال التجريبية المكثفة التي ميّزت أعماله الأولى إلى كتابة القصة القصيرة بأشكال أقرب إلى البناء السردي المعروف، حيث أكد "حبيب" في رده أن التجربة الإبداعية لا تسير في خط ثابت، وأن التحولات التي شهدتها كتابته جاءت نتيجة مراجعات طويلة قادته إلى البحث عن أشكال أكثر انسجاما مع تطور رؤيته الأدبية، مشيرا إلى أن التجريب الحقيقي لا يكمن في كسر الأشكال فقط، وإنما في القدرة على إنتاج كتابة جديدة من داخلها.
كما طرحت أسئلة حول التأثيرات القرائية التي أسهمت في تشكيل تجارب المشاركين حيث استعاد عبدالله حبيب وخليفة العبري ومحمد سيف الرحبي جانبا من قراءاتهم المبكرة التي تنوعت بين الأدب العربي والعالمي، متوقفين عند أسماء تركت أثرا في مراحل مختلفة من مسيرتهم، مع تأكيدهم أن التجربة الإبداعية لا تُبنى على التأثر بكاتب واحد بقدر ما تتشكل من تراكم القراءات والخبرات والتجارب الحياتية المتنوعة.
وتناولت مداخلات أخرى العلاقة بين القصة القصيرة والرواية ومسارات الانتقال بين الأجناس الأدبية المختلفة، إلى جانب الأسئلة المرتبطة بواقع القصة العمانية وتحولاتها خلال العقود الأخيرة، وفي هذا السياق أشار المشاركون إلى أهمية القراءة كمدخل الأساسي لتكوين الكاتب وتطوير أدواته الفنية، مؤكدين أن تطور الكتابة السردية ظل مرتبطا بقدرة المبدع على الانفتاح على التجارب الجديدة ومواكبة التحولات الثقافية والفنية التي يشهدها العالم.، من جانب آخر استعاد النقاش بعض ملامح المشهد القصصي العماني وأثر الأجيال السابقة في بناء التجربة السردية المحلية.
