عمان اليوم

منتدى «المواطنة الرقمية» يطرح رؤى ومقترحات متكاملة لمواجهة المتغيرات التقنية

16 يونيو 2026
16 يونيو 2026

كتبت - عهود الجيلاني

دعا إلى تبني مبادرات تدعم الحوار الأسري وتطور السياسات التربوية - 

أكد المشاركون في المنتدى العلمي «المواطنة الرقمية: قراءة علمية بين الواقع وآفاق المستقبل» أهمية تبني نهج وطني متكامل لتعزيز المواطنة الرقمية، وترسيخ الهوية والقيم في البيئة الرقمية، كما شددوا على أن الإعلام الرقمي أصبح شريكا رئيسا في تشكيل القيم والاتجاهات المجتمعية، داعين إلى تبني مبادرات وبرامج توعوية تدعم الحوار الأسري وتطوير السياسات والبرامج التي تقدمها المؤسسات الحكومية.

جاء ذلك خلال المنتدى الذي نظمته وزارة التنمية الاجتماعية اليوم بالتعاون مع جمعية الاجتماعيين العُمانية برعاية سعادة الدكتور بدر بن حمود الخروصي وكيل وزارة التعليم للتعليم، وبمشاركة نخبة من الأكاديميين والباحثين والمختصين.

ويهدف المنتدى، الذي يقام على مدى يومين، إلى تعزيز الوعي بالمواطنة الرقمية واستشراف آفاقها المستقبلية في ظل التحولات الرقمية المتسارعة، واستعراض ومناقشة أحدث الدراسات والأبحاث العلمية ذات الصلة، وتسليط الضوء على الأدوار المؤسسية في ترسيخ قيم المواطنة الرقمية، إلى جانب إبراز النماذج والمبادرات الرائدة ذات الطابع التطبيقي، والخروج بتوصيات ومبادرات داعمة لبناء بيئة رقمية آمنة ومسؤولة.

وقالت وضحة بنت سالم العلوي، مديرة دائرة الدراسات الاجتماعية بالتنمية الاجتماعية: إن التغيرات التكنولوجية المتسارعة أحدثت تغيرات جوهرية في الحياة اليومية، وطالت التطورات التكنولوجية الفرد والأسرة والمجتمع، مما أحدث تغيرا واضحا في أنماط الحياة والعلاقات الاجتماعية، وانطلاقا من التوجيهات السامية حول قيام الجهات المعنية بتقييم الانتشار السريع لوسائل التواصل الرقمية واستخدامها من قبل شريحة واسعة من المجتمع، وخاصة الطفل؛ حرصت وزارة التنمية الاجتماعية وجمعية الاجتماعيين العُمانية على الرصد الاجتماعي، وجمع البيانات، ومتابعة التغيرات المجتمعية؛ لدراستها وتحليل آثارها بالاستناد إلى القراءات الأولية والدراسات والأبحاث العلمية، مما يسهم في وضع سياسات وبرامج ذات أثر مجتمعي يحسن من جودة حياة الفرد.

وأضافت: يأتي تنظيم المنتدى كإحدى نماذج الشراكات الاجتماعية الفعالة بهدف تعزيز الوعي الفردي والأسري والمجتمعي حول المواطنة الرقمية المسؤولة من خلال استعراض ومناقشة أحدث الدراسات والأبحاث العلمية حول المواطنة الرقمية، بالإضافة إلى إبراز الأدوار المؤسسية في ترسيخ قيم المواطنة الرقمية، وكذلك المبادرات المجتمعية. ومن المؤمل أن تسهم مخرجات المنتدى في إثراء المعرفة العلمية بقضايا المواطنة الرقمية، وفتح آفاق جديدة للحوار والتفكير في سبل تعزيز الوعي الرقمي، وبناء مجتمع أكثر قدرة على التفاعل الإيجابي مع المتغيرات التقنية المتسارعة، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية عُمان 2040 وتطلعاتها نحو مجتمع معرفي مزدهر ومستدام.

وأضافت أن سلطنة عُمان وضعت العديد من التشريعات واللوائح لتنظيم استخدام التكنولوجيا في المجتمع، أبرزها قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات لمواكبة التطورات التقنية الحديثة كالذكاء الاصطناعي، ليعزز الأمن الرقمي الوطني.

وفي سياق النهج التكاملي جاء هذا القانون مكمّلا لقانون الطفل الذي وضع إطارا قانونيا فاعلا يضمن الحماية المتكاملة للطفل في الفضاء الرقمي مع التأكيد على أن حماية النشء في البيئة الرقمية لم تعد خيارا، بل أصبحت واجبا قانونيا وأخلاقيا ومجتمعيا يتطلب تكاملا في الجهود بين الأسرة والجهات الرسمية لضمان بيئة رقمية آمنة تحترم خصوصية الفئات.

جلسات علمية

شهدت الجلسة العلمية الأولى التي حملت عنوان «دور المؤسسات في ترسيخ المواطنة الرقمية» استعراض حسن بن فداء اللواتي رئيس البرنامج الوطني للذكاء الاصطناعي بوزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات رؤية البرنامج الوطني في تبني وتوطين تقنيات الذكاء الاصطناعي لتمكين القطاعات الاقتصادية والتنموية من خلال تعزيز تبني الذكاء الاصطناعي في القطاعات الاقتصادية والتنموية، وتوطين تقنيات الذكاء الاصطناعي، وحوكمة تطبيقات الذكاء الاصطناعي برؤية محورها الإنسان، مؤكدا أن الحوكمة والتشريعات والسياسات يجب أن تكون مرنة وتناسب المواطنة الرقمية في سلطنة عُمان.

وأوضح أن الخطة التنفيذية تضمنت 32 مبادرة رئيسية ومشروعا تُنفذ خلال الفترة من 2025 إلى 2027م، وحتى نهاية 2025م بلغت نسبة الإنجاز 41%. مشيرا إلى أهم المشاريع التي يعملون عليها مثل استوديو الذكاء الاصطناعي، ووقود المستقبل، وبوابة البيانات المفتوحة، والنموذج اللغوي العُماني، والمثلث الرقمي كمراكز البيانات، ومنطقة الذكاء الاصطناعي الخاصة.

واقترح اللواتي تعزيز الوعي الرقمي لدى الفرد والأسرة والمجتمع، ودمج مفاهيم المواطنة الرقمية في التعليم والتدريب، ودعم المبادرات الشبابية الرقمية، وتعزيز الاستخدام المسؤول والأخلاقي للذكاء الاصطناعي، والاستفادة من مستهدفات البرنامج الوطني للذكاء الاصطناعي في بناء الثقة الرقمية.

خريطة طريق للوعي الرقمي

إلى جانب ذلك، طُرحت مجموعة من الدراسات العلمية والممارسات التطبيقية؛ فالورقة العلمية التي جاءت بعنوان «سيناريوهات بناء الصورة الذهنية للذات الوطنية في التعليم المدرسي بسلطنة عُمان في ضوء نظرية التفاعلية الرمزية: دراسة استشرافية»، قدمتها الدكتورة ميمونة بنت حمد الهنائي من وزارة التعليم، أوصت بتبني إطار وطني متكامل لتعزيز الصورة الوطنية في العصر الرقمي يقوم على التكامل بين المدرسة والأسرة والإعلام والمؤسسات المجتمعية لضمان اتساق الرسائل التربوية والثقافية الموجهة للأجيال الناشئة، إلى جانب تطوير المناهج الدراسية بما يحقق توازنا أكبر في تمثيل مكونات الصورة الوطنية المكانية والزمانية والاجتماعية، مع تعزيز حضور الأبعاد العلمية والتكنولوجية واستشراف المستقبل، وإجراء دراسات دورية لرصد تطور الصورة الوطنية لدى الأجيال الناشئة، واستكشاف أثر التحولات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي في تشكيلها؛ مما يدعم اتخاذ القرارات التربوية المبنية على الأدلة.

كما أكدت أهمية تفعيل وتكثيف الإعلام الموجه للأطفال والمراهقين، وتعزيز دور الأسرة كشريك تربوي فاعل في بناء الصورة الوطنية من خلال مبادرات وبرامج توعوية تدعم الحوار الأسري حول الهوية الوطنية والقيم والممارسات الرقمية المسؤولة، وتوظيف منهجيات الدراسات المستقبلية والسيناريوهات الاستشرافية في تخطيط السياسات التعليمية والثقافية.

السياسات الداعمة للأسرة

أما الورقة العلمية الثالثة فناقشت دراسة حول «دور الأسرة الخليجية والعربية في تعزيز الهوية الوطنية في ظل تحديات التحولات الرقمية»، أوضح فيها الدكتور حميد بن مسلم السعيدي من وزارة التعليم أن المشكلة تمثلت في عدم وضوح مدى قدرة الأسرة الخليجية والعربية على تعزيز الهوية الوطنية لدى الأبناء في ظل التحولات الرقمية وتحديات شبكات التواصل الاجتماعي، وأصبحت شبكات التواصل الاجتماعي من أهم مؤسسات التنشئة غير الرسمية التي تؤثر بصورة مباشرة في تشكيل الاتجاهات والقيم واللغة وأنماط التفكير والسلوك لدى الأطفال والشباب، كما أسهمت البيئة الرقمية في ظهور العديد من التحديات مثل انتشار المعلومات المضللة والتطرف الفكري والتنمر الإلكتروني.

كما تطرق إلى التحديات التي تفرضها التحولات الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي على الهوية الوطنية في المجتمعات الخليجية والعربية؛ من الهجرة والتنقل السكاني، والتحولات الثقافية والاجتماعية، والتحولات التكنولوجية والتحول الرقمي، والأزمات السياسية والاقتصادية والأمن السيبراني والخصوصية. كما أشار إلى أن الأسرة الخليجية والعربية تمثل المؤسسة الأولى في بناء الهوية الوطنية وحمايتها، إلا أن التحولات الرقمية فرضت عليها أدوارا جديدة تتجاوز التنشئة التقليدية إلى التنشئة الرقمية الواعية.

وأوصى الدكتور بتطوير السياسات والبرامج التي تقدمها المؤسسات الحكومية لدعم وتعزيز الأسر والتأكد من أنها تعزز الهوية الوطنية، وتطوير السياسات التربوية والمناهج التعليمية من حيث مدى تأثيرها على تعزيز الهوية الوطنية لدى الأسر، وإقامة المهرجانات الثقافية وورش العمل المحلية التي تعكس التراث الوطني، وتعزيز استخدام اللغة العربية في الحوارات اليومية وفي المؤسسات الحكومية والخاصة.

الإعلام الرقمي شريك

من جانبها، أوضحت الدكتورة صابرة بنت سيف الحراصي باحثة شؤون دينية بمكتب وزير الأوقاف والشؤون الدينية في ورقة عمل حول «تعزيز القيم الأخلاقية في العصر الرقمي: رؤية تحليلية لدور التعليم والإعلام والتشريعات في سلطنة عُمان» أن التحولات الرقمية أعادت تشكيل البيئة القيمية المعاصرة وأنماط التأثير المجتمعي، وأفرز العصر الرقمي تحديات قيمية وفكرية متنامية في المجتمع العُماني، كما أصبح الإعلام الرقمي شريكا رئيسا في تشكيل القيم والاتجاهات المجتمعية، وأن تعزيز القيم الأخلاقية في العصر الرقمي يتطلب تكاملا مؤسسيا متعدد الأطراف.

ودعت إلى تطبيق إطار وطني للتربية الرقمية الأخلاقية يدمج التفكير النقدي والقيم الرقمية في مختلف المراحل التعليمية، وتمكين الأسرة والمؤسسات الدينية والتربوية من أدوات الإرشاد والتوجيه الرقمي عبر برامج ومبادرات متخصصة، وإنشاء مركز وطني مستقل للقيم في الفضاء الرقمي يتولى الرصد والبحث وقياس المؤشرات القيمية، وتعزيز التكامل المؤسسي والتعاون الخليجي والدولي في مجالات القيم الرقمية والأمن الفكري وأخلاقيات التقنية.

واختتمت الجلسة بتناول ورقة بعنوان «ممارسة رائدة في المواطنة الرقمية: توظيف المواطنة الرقمية الفاعلة في دعم السياحة الثقافية والتاريخية (حارة العقر)» للدكتور إسحاق بن هلال الشرياني الرئيس التنفيذي لأكاديمية إغناء للاستشارات الاقتصادية والتدريب، أكد فيها أهمية إبراز العلاقة بين التقنية والهوية الثقافية، وتعزيز دور الشباب في الترويج لمواقع التراث التاريخية، واستعراض فرص التسويق الرقمي للسياحة الثقافية. ودعا إلى إنشاء منصة رقمية متخصصة لحارة العقر، وتدريب الشباب على صناعة المحتوى السياحي، ودعم المبادرات التطوعية الرقمية، والعمل على توثيق الروايات التاريخية رقميا، وبناء شراكات بين الجهات الثقافية والسياحية.

وتختتم أعمال المنتدى اليوم بالجلسة العلمية «ممارسات المواطنة الرقمية لدى الفرد والأسرة والمجتمع»، واستعراض عدد من الدراسات والأوراق البحثية والمبادرات التطبيقية. كما سيُختتم المنتدى بإعلان البيان الختامي الذي سيتضمن عددا من التوصيات والمقترحات العملية الرامية إلى دعم الجهود الوطنية في مجال المواطنة الرقمية، وتعزيز البحث العلمي والمبادرات المجتمعية ذات العلاقة، بما يسهم في بناء مجتمع رقمي واعٍ وآمن وقادر على الاستفادة من الفرص التي تتيحها التحولات الرقمية المتسارعة.