معنى الابتكار في عصر التكنولوجيا المربحة
16 يونيو 2026
16 يونيو 2026
نوف السعيدي
في أحد مخيمات اللجوء بمنطقة النيل الأبيض في السودان، يسد الناس حاجتهم من الخبز عبر فرن معتمد على الطاقة الشمسية. وعلى عكس الخلايا الشمسية الرائجة، لا تُحول الطاقة الشمسية إلى كهرباء بل إلى حرارة عبر المرايا والعدسات. يعني هذا أولاً، استغلال جُلّ الطيف الإشعاعي للشمس، وليس الطيف المرئي وحده كما يحدث في تحويلها إلى كهرباء، كما يعني إمكانية عمل الأفران بكفاءة دون الاعتماد على أي مقومات أخرى كشبكة كهرباء موثوقة أو بطاريات تخزين أو غير ذلك.
تعود الملكية الفكرية لتصميم هذا الفرن لشركة فنلندية تُدعى ”Lytefire“ والتي تبيع نموذج الفرن هذا في العديد من البلدان. وبالرغم من أن الوكلاء (عادة ما يكونوا من السكان المحليين، وأبعد ما يكونوا عن كونهم رجال أعمال، في الحالة السودانية على الأقل) بحاجة لشراء رخصة التصميم، إلا أن للمجتمع المحلي حرية تنفيذ التصميم بما يتوفر لديهم من مصادر. وبالرغم من أن فكرة اضطرار السكان في مناطق الأزمات لشراء تراخيص ملكية فكرية لأجل أن يأكلوا خبزهم، إلا أن نموذج العمل هذا يُعد نبيلاً إذا ما قُرن بالممارسات التجارية للشركات الكبرى التي لا يكفيها أن تبيعك منتجاً ما، بل تصممه أو تصمم ظروفاً تحتاج معها للعودة إليهم والشراء منهم على نحو مستمر.
في عصرنا هذا، لا تُستخدم كلمتا الإبداع والابتكار التقني للإشارة إلى حلول يبتكرها الناس لتسيير حياتهم. إنها غالباً ما تُربط بالشركات الكُبرى، بالمعارض والمؤتمرات، بالحاضنات المدعومة من الشركات والمستثمرين المغامرين، والصناديق الاستثمارية.
يعمل الابتكار ضمن حدود التقنيات والمعرفة الموجودة أصلاً. لا يُتوقع من العالِم أو المبتكر أن يكون تدميرياً، أو مبتدعاً، لا يُتوقع منه إلا التوسع فيما هو موجود أصلاً، لا أن يبتدع جديداً. وتشغيل الشركات التكنولوجية لا يتطلب أكثر من أشخاص مُلمين بالمعارف والتقنيات السائدة، ومدربين على نحو طُغمائي لاستخدامها.
نعيش اليوم عصر العلم الذي تقوده الشركات (corporate-based science). الشركات تبتكر، تمول الأبحاث العلمية المنسجمة مع أجندتها. الشركات تنحاز للاستمرارية، «للتقدم» عبر التغير البطيء الذي لا يُعطل الممارسات المألوفة، والطرق التي تضمن توسيع دائرة الملكية الفكرية التي تحوزها، ومضاعفة الربح بطبيعة الحال.
تقص علينا تشيكا أوازيي (Chika Uwazie) صاحبة بودكاست آفروپوليتان (Afropolitan) كيف أن وادي السيلكون يبني لنا المستقبل، وكيف أنه المستقبل الذي لا نريده. كيف أن شركات التقنية تبني حلولها للمشاكل الخطأ، كيف أن أولوياتها «مضروبة». توصلتْ لهذا - حسب ما نشرت في حسابها على الانستغرام - بعد حديث مع مبرمج نيجيري طور تطبيقاً للدفع، يسمح بإجراء التبادلات المالية الإلكترونية في غياب الإنترنت. أمر ثوري بالنسبة لمدينة (لاغوس، وهي واحدة من أكثر المدن الإفريقية كثافة، يصل تعدادها لواحد وعشرين مليون نسمة) يُقطع عنها الإنترنت بشكل يومي. وهذا الحل الثوري لم يُكلف مبتكره سوى مائتي دولار.
عادة ما تُبنى التقنيات المالية على افتراض وجود شبكة إنترنت موثوقة. والحقيقة أنني لا أعرف المشروع المقصود أو المطور، لكن بحثي عن التقنيات التي تستخدم في هذه الحالات يُشير إلى أن شيئاً كهذا ممكن عبر الاعتماد على جيل أقدم من الاتصالات، أي تلك المعتمدة على بروتوكولات GSM مثل USSD (ما يُستخدم عادة لتعبئة الرصيد أو الاشتراك في خدمة الأنترنت عند انتهائها) والرسائل النصية SMS مفترضاً عدم توفر G2 وما يأتي بعدها من أجيال الاتصالات الحديثة.
لكن اجتماع المطور مع المستثمر المغامر (يُشير مصطلح «رأس المال المغامر» أو «رأس المال الجريء» إلى الاستثمار في الشركات الصغيرة، لتنميتها وتحقيق التوسع في النشاط التجاري) في خضم عملية اختيار المشاريع الواعدة لم يستمر لأكثر من خمس دقائق، ليأتي الرفض الفوري على اعتبار أن المشروع غير قابل للتوسع. في المقابل، شهدت تشيكا أوازيي حصول تطبيق آخر على دعم بقيمة ثلاثة ملايين دولار. ماذا كانت وظيفة التطبيق؟ التذكير بشرب الماء! يبدو أن هذا المبتكر نسي ابتكاراً آخر توصل له الجسم منذ وُجد: العطش. إننا مخلوقات تنهض من نوم عميق لأجل تناول كأس الماء الموضوع احترازياً بجانب السرير. بل وننهض للمطبخ لملئه إن كان فارغاً. ثم يأتي هذا المبتكر قليل الهم ليُقنعنا أن العطش لا يُعول عليه، وأن تطبيقاً في هاتفه أعرف بحاجاتنا من الجسم الذي خُلقنا به. بالطبع ابتكار كهذا سيُشغل الماكينة الاستهلاكية بأقصى قدرتها: إنه يبدأ بالتسويق لفكرة أنك لا تشرب بما يكفي، أو أنك لا تشرب على نحو منتظم، وبعد أن تقتنع بأن تحميل التطبيق أهون من معاناتك مع الأمراض المزمنة التي يُسببها نقص الترطيب ولأن الحصى الكلوية غير ممتعة بالمرة، ثم يعاودون إقناعك بأن الميزات المجانية لا تكفي، فأنت لا تحتاج للتذكير بمواعيد الشرب فحسب، فلعل تحديد حاجتك من الشرب تعتمد على وزنك وطولك وكم تنام ومن تُقابل!
تقول تشيكا أوازيي: «في وادي السيليكون، جلست أُنصت لعرض بعد الآخر: تطبيق يستخدم الذكاء الاصطناعي لاختيار المطاعم، تطبيق لإيجاد موقف للسيارة، منصة لتقييم كلب الجيران. بالمقابل، في لاغوس، نيروبي، أكرا، يُطور المبرمجون حلولاً لمشاكل لا تخطر على البال، كأن تقوم بالصرافة دون بنك، أن تتعلم دون مدارس، وأن تدفع بدون الإنترنت».
إننا في عالم يفتقر للعدالة. فوق هذا، لا يهتم من يملكون القدرات البحثية والتمويلية بتحقيق العدالة. عالم تُدعم فيه الابتكارات التي تخدم طبقة القادرين على بذل المال. من يملكون فعلياً كل ما يحتاجون من أساسيات. أما أولئك المحرومون من الإنترنت (بل والغذاء)، فلا تهتم الشركات بتغيير حياتهم. معيار وادي السيلكون هو القابلية للنمو. وبهذا المعنى فتطبيق الماء أجدر بالدعم.
الرأسمالية المسؤولة
يُنظر للشركات بأنها جوهرية للازدهار الاجتماعي، فهي وإن كانت تُقرر فرصها الاستثمارية، لكنها على الأقل تؤدي واجبها تجاه المجتمع عبر مبادرات المسؤولية الاجتماعية. لكن الواقع يُخبرنا أنها تُقرر نوع المبادرات المدعومة، ونادراً ما يكون بيد الدولة أو المواطن فرض أولوياتهم حسب الحاجة المجتمعية الفعلية، فجذب الاستثمار - وبالتالي التنمية وفرص العمل - يُحتّم على الدول التخفيف الضريبي، الذي يصل إلى الإعفاء أحياناً. وحتى عندما لا تُعفى فإنها تجد طريقة للتملص من دفع الضرائب (حسب تقرير نُشر هذا العام، فإن 88 شركة أمريكية يُقدر مجمل أرباحها بـ 105 بيليونات من الدولارات لم تدفع دولاراً واحداً على دخلها). ما يعني تحكم الشركات بشكل كامل في قرار الدعم المالي للمشاريع حسب ما تقتضيه مصالحها أو رؤيتها للأولويات، في تجاهل لأن المصلحة الأولى للشركات - ليست القضايا السياسية أو الاجتماعية أو التقدمية - بل الربح، وهذا هو المنطق الوحيد الذي يقودها ويحدد أولوياتها.
وتعابير مثل «الرأسمالية المسؤولة» أو «الرأسمالية الاحتوائية» (أو الشاملة بمعنى inclusive وليس شمولية totalitarian في هذا السياق) كلها مصطلحات تُستخدم للقول إن أصحاب المصلحة تشمل المستفيدين كلهم وليس المساهمين وحدهم. يأتي ذلك لمنح شرعية اجتماعية للأعمال التجارية. لكن ما تفعله في الواقع هو منح صلاحيات أكبر للشركات في التحكم بأسلوب الحياة، ودعم نظام قيمي يؤدي في النهاية لأن يتبوأ الأثرياء المساهمون وملاك الشركات الكبرى مكانة تسمح لهم بقيادة التغيير السياسي في المجتمع.
مهما تكن الادعاءات، فوظيفة التكنولوجيا في عالمنا المعاصر ليست تحسين حياة الناس، وليست إيجاد الحلول لتحديات الحاضر بل تقديم الخدمة لمن يدفع. أو اختراع حاجة للقادرين على الدفع ومن ثم سدها.
ادعاءات»نؤمن أن لديك الحق في حماية خصوصيتك على الإنترنت» هكذا تُقدم شركة PimEyes نفسها للجمهور. وبيم آيز هو محرك بحث للصور (صور الوجوه تحديداً). كل ما على المستخدم فعله هو رفع صورته أو مجموعة من صوره على المنصة؛ حتى يقوم محرك البحث بإيجاد صورك لمعرفة ما إذا كان أحدهم ينتحل شخصيتك مثلاً. هي أداة متعددة الاستخدام. يُمكن أن تُستخدم أيضاً لحماية الملكية الفكرية، عبر اكتشاف ما إذا كان أحدهم قد ينشر أعمالك دون إذنك. والأهم من كل هذا أن هذه الأداة تُستخدم للرقابة. فادعاءات الحماية، واللغة الملطفة، والثيمة البصرية الكيراكاتورية تُخفي آلة متوحشة مُصممة لانتهاك الخصوصية، الضبط، الرقابة، والرصد الذي يكون ضحيته الطبقات الدنيا. فالشرطة - التي قليلاً ما يُتاح لها تشغيل أنظمتها الرقابية عبر المدينة أو المحافظة أو البلاد بأسرها - تختار إحياء الطبقة الأقل حظاً، طبقة يأتي أبناؤها من عائلات مهاجرة، أو ينتمون لإثنية معينة، وتُحدد أحياءهم كأوكار جريمة، وتختار تشغيل أدواتها فيها. وهذا هو شأن أجهزة الأمن في كل مكان، إنها تختار التعامل مع المشاكل الأمنية عبر المزيد من الضبط والعنف والتجريم، بدل ابتكار الحلول للمشاكل الاجتماعية الهيكلية. ومثال ذلك ما يحدث هذه الأيام في برلين. إذ تجري محاولات لتمرير قانون يسمح للشرطة باستخدام كاميرات الأمن للرقابة والتتبع ورصد الأشخاص، ولكن هذا موضوع لوقت آخر.
تتحايل الشركات في بيعنا الوعود، وتُقدم ادعاءات تهوي وتتبخر كلما أمعنا النظر فيها. على سبيل المثال، تتحايل شركات التقنية لأجل جمع ومراكمة بياناتنا. هذه الشراهة للبيانات يُشجعها ازدهار الذكاء الاصطناعي، الذي كلما غُذي، كلما عمل على نحو أفضل. وأدواته قادرة على المعالجة الواسعة والسريعة حاملة عن الآدميين المحدودين همّ التعامل معها بأنفسهم.
نوف السعيدي كاتبة وباحثة في مجال فلسفة العلوم
