التضخم يلقى بظلاله مجددا على مشهد الاقتصاد العالمي ويدفع لتوقف خفض الفائدة المصرفية
تحليل – أمل رجب
في ظل تراجع معدلات التضخم بدءا من عام 2024, توجهت السياسة النقدية للبنوك المركزية العالمية نحو التيسير النقدي من خلال خفض الفائدة المصرفية, وعلى النطاق المحلي, ووفقا لسياسة الارتباط بين الريال العماني والدولار, واصل البنك المركزي العماني خلال العام الماضي خفض سعر الفائدة المصرفية, حيث تراجع سعر الفائدة على الاقراض بالريال العماني في سوق بين البنوك لليلة واحدة في نهاية عام 2025 إلى 3.784 بالمائة مقابل 4.457 بالمائة في نهاية عام 2024, كما انخفض سعر الفائدة على القروض بالريال العماني للقطاع الخاص من 5.783 بالمائة في نهاية 2024 إلى 5.546 بالمائة في نهاية العام الماضي.
وبعد أن كانت التوقعات تشير إلى استمرار خفض الفائدة خلال العام الجاري, تأتي التبعات الواسعة التي أدى اليها اندلاع الحرب منذ مارس الماضي, وعودة الضغوط التضخمية لتلقي بظلالها من جديد على مشهد الاقتصاد العالمي نظرا للعراقيل في سلاسل الامداد للسلع والمواد الغذائية وارتفاع اسعار الطاقة, وبدلا من توقع خفض الفائدة, أصبح مرجحا ان تتباين قرارات البنوك المركزية ما بين الرفع أو التثبيت خلال العام الجاري مما يعني توقفا للتوجه نحو التيسير النقدي, وفي ظل سياسة الارتباط بين العملة الوطنية والدولار, ستتماشي قرارات الفائدة المصرفية محليا خلال العام الجاري مع توجهات بنك الاحتياطي الفيدرالي الامريكي, والذي كان قد قرر ابقاء أسعار الفائدة دون تغيير عند نطاق 3.5 بالمائة إلى 3.75 بالمائة خلال اجتماعيه في يناير ومارس من العام الجاري, مفضلا التريث في اتخاذ قرار برفع الفائدة بناء على التضخم الناتج عن ارتفاع أسعار النفط، ومن المتوقع ان ينعقد اجتماع لجنة السوق المفتوحة بالبنك الفيدرالي في منتصف الاسبوع المقبل وسط ترجيحات واسعة في الأسواق بالابقاء على سعر الفائدة دون تغيير, لكن مخاوف التضخم تدفع عديد من البنوك المركزية العالمية نحو رفع الفائدة سواء كخطوة احترازية لتوقي التبعات القاسية التي سببها تفاقم التضخم قبل سنوات على أسعار المستهلكين وما أدى اليه من تباطوء النمو الاقتصادي, او بناء على تقدير البنوك المركزية بأن مسار التضخم المتصاعد يتطلب بدء رفع الفائدة بدلا من تثبيتها, اذ يواصل البنك المركزي الياباني سياسة التشدد النقدي, وللمرة الأولى منذ ثلاث سنوات, قام البنك المركزي الأوروبي يوم الخميس الماضي برفع سعر الفائدة المصرفية من 2 بالمائة إلى 2.25 بالمائة، لمواجهة تضخم متزايد بسبب الحرب وتأثيراتها على أسعار الطاقة, وهو قرار جاء متوافقا مع توقعات المستثمرين والأسواق والتي ترجح رفع إضافي للفائدة الأوروبية خلال الأشهر المقبلة, وقد أشار المركزي الأوروبي إلى ان قراراته بشأن الفائدة ستظل رهن تطورات التضخم دون التزام مسبق بأي توجه محدد وان الاقتصاد في منطقة اليورو لا يزال في وضع جيد يتيح له التعامل مع حالة عدم اليقين الحالية, مشيرا إلى ان التداعيات الكاملة للحرب على التضخم والنمو في المدى المتوسط ستعتمد على مدى صدمة أسعار الطاقة ومدتها، وكذلك حجم آثارها غير المباشرة وآثارها المتلاحقة, وقد صرحت كريستين لاجارد رئيسة البنك عقب رفع الفائدة بأن صدمة الطاقة بدأت تتسع في أنحاء الاقتصاد، مع وضوح التكاليف المباشرة، وظهور التكاليف غير المباشرة أيضاً، متوقعة استمرار ارتفاع التضخم حتى منتصف 2027، مع تباطؤ النمو الاقتصادي في منطقة اليورو.
وفي أحدث تقاريره حول آفاق الاقتصاد العالمي، ومستجدات الاقتصاد الإقليمي في ظل تأثيرات الحرب واضطرابات إنتاج الطاقة والتصدير، والتداعيات على حركة النقل الجوي والخدمات اللوجستية والأسواق المالية, قال صندوق النقد الدولي أن الآفاق لا يزال يكتنفها درجة كبيرة من عدم اليقين، وتعتمد على أمد الحرب وحدتها. وفي منطقة الشرق الأوسط ستؤدي إطالة النزاع إلى استمرار ارتفاع أسعار الطاقة، وتعميق الاضطرابات التجارية، وبعد صمود النشاط الاقتصادي العالمي أمام ارتفاع الحواجز التجارية وتزايد عدم اليقين خلال العام الماضي، أصبح يواجه الآن اختبارا حقيقيا جراء اندلاع الحرب وفي سيناريو يفترض أن يظل الصراع محدود المدة والنطاق، من المتوقع تباطؤ النمو العالمي إلى 3,1 بالمائة في 2026 و3,2 بالمائة في 2027. ويتوقع الصندوق ارتفاع معدل التضخم الكلي العالمي بشكل طفيف في عام 2026 قبل انخفاضه مجددا في 2027.
وتأتي عودة مخاوف التضخم بعد تفاقم معدلاته العالمية خلال عامي 2021 و2022 لمستوى قياسي تخطى 9 بالمائة نظرا لسياسة التحفيز النقدي والتوسع في ضخ السيولة خلال تفشي الجائحة لمساندة الافراد والمؤسسات المتأثرين بتبعات الجائحة كما شهد التضخم مزيدا من التفاقم بسبب الحرب الأوكرانية التي احدثت اضطرابا في سلاسل إمداد السلع الغذائية وأدت لارتفاع لأسعار الغذاء, وفي مواجهة تفاقم التضخم, توجهت البنوك المركزية العالمية نحو سياسة التشديد النقدي ورفع متواصل للفائدة المصرفية لاحتواء التضخم من خلال الحد من مستويات السيولة وتقليص الانفاق الاستهلاكي, وبعد جهود حثيثة, بدأ التضخم الانخفاض تدريجيا فيما يعد انجازا للبنوك المركزية التي تمكنت من توجيه مسار التضخم لتراجع يمهد لاقترابه من مستهدفات السياسة النقدية, وبحلول العام الماضي بدت التوقعات متفائلة لدى الأسواق والمستثمرين بشأن استمرار خفض الفائدة المصرفية ومواصلة سياسات التيسير النقدي في ظل هبوط مستمر لمعدل التضخم في العديد من البلدان, واستحوذت التوقعات الخاصة بخفض الفائدة على اهتمام الأسواق والمستثمرين لعوامل عديدة اهمها ان استمرار خفض الفائدة يعني مسار ايجابي للاقتصاد ونجاح السياسة النقدية في تحقيق مستهدفاتها, كما يرتبط خفض الفائدة وتراجع التضخم بتطورات مهمة لدى المستهلكين والمستثمرين على حد سواء اذ تهدأ وتيرة ارتفاعات الأسعار وتشهد الأسواق المالية نشاطا أوسع مع تدفقات أعلى من المستثمرين, كما تتراجع كلفة التمويل للحكومات والأفراد والقطاع الخاص مع انخفاض سعر الفائدة المصرفية.
