No Image
العرب والعالم

كيف يُمهد اليمين المتطرف لخطاب الإبادة الجديد؟

10 يونيو 2026
القنبلة النووية في لغة الشارع الإسرائيلي
10 يونيو 2026

«ما رأيك في الحرب يا سيدتي حتى الآن؟ أم غير راضية؟».. يوجه مراسل شبكة «i24News» العبرية ميكروفونه نحو مواطنة تجلس في مقهى بتل أبيب. تجيبه بهدوء وثقة تعكسان يقينًا كاملًا: «كنت أفضل لو استخدموا قنبلة نووية صغيرة». يتابع المراسل حواره بملامح مسترخية ودون أي بادرة صدمة: «هل يعني ذلك أنك تفضلين الحل النووي؟». تبتسم السيدة ممتنة للأسئلة وتضيف: «نعم، أنا خريجة معهد التخنيون للتكنولوجيا وهذا مجالي».

يسألها مجددًا وهو يومئ برأسه: «أنتِ تعرفين القنبلة النووية، فهل تنصحين بها؟». تأتي الإجابة مصحوبة بإشارة حاسمة بكف يدها: «قنبلة صغيرة عليهم وينتهي الأمر». يسألها مستوضحًا: «قنبلة صغيرة؟»، فتكمل السيدة حديثها بملامح باردة: «وينتهي الأمر ونكنسهم». هنا، تنفرج أسارير المراسل، ويضحك بخفة معقبًا: «أعجبني تعبير الكنس بعد ذلك».

يختزل الحوار الميداني القصير العفوية التي باتت تتدفق بها أفكار التطهير العرقي في الفضاء العام الإسرائيلي. غياب الذهول لدى الصحفي، وابتهاجه بلفظة «الكنس»، يوضحان كيف تحولت أطروحات إبادة المدنيين من مواقف معزولة على هامش السياسة، إلى مادة مقبولة وقابلة للنقاش التلفزيوني اليومي. يتزامن هذا الخطاب الشعبي مع تغييرات هيكلية واسعة تجريها حكومة بنيامين نتنياهو لإعادة صياغة النواة الصلبة للدولة.

تجريف البنية الإدارية

أنهت الحكومة الإسرائيلية مطلع مايو 2026 إجراءات تسليم دُورُون كوهين منصب مفوض خدمة الدولة لولاية تمتد لست سنوات، بناءً على قرار تم تمريره بالإجماع داخل مجلس الوزراء. يمتلك كوهين، المقرب من الدوائر اليمينية والمناهض التقليدي لما يسميه المحافظون بـ«بيروقراطية الموظفين القدامى»، صلاحيات قانونية واسعة للتحكم في التعيينات الوظيفية الكبرى داخل كافة الوزارات والمؤسسات الرسمية.

تهدف هذه الخطوة بوضوح إلى إحلال كوادر تتبنى الأيديولوجيا القومية والدينية الحاكمة محل الكفاءات الإدارية المستقلة. يتكامل هذا الإحلال مع دور مفصلي يلعبه مراقب الدولة، مَتَنْياهُو أَنْجِلْمَان، الذي اتسمت تقاريره الرقابية في الآونة الأخيرة بتركيزها على الجوانب الإجرائية البسيطة، متجنبة فتح تحقيقات حقيقية تمس القرارات الإستراتيجية للحكومة أو تهدد شرعية الائتلاف الحاكم في إدارة ملفات الحرب.

تدجين المنظومة الأمنية

تشهد الأجهزة الاستخباراتية والأمنية الإسرائيلية هذا الشهر لحظة تحول جذري غير مسبوقة؛ إذ ينهي رئيس جهاز «الموساد»، دِيفِيد بَرْنِياع، ولايته الرسمية الممتدة لخمس سنوات. تشير المعطيات المسربة من مكتب رئيس الوزراء إلى توجه حاسم لتعيين قيادة جديدة تتبنى بالكامل عقيدة «الضربات الإستراتيجية القصوى»، متناغمة مع طروحات اليمين الراديكالي بضرورة حسم الصراع بالقوة المطلقة وإسقاط التهديدات الإقليمية بشكل جذري.

يتزامن ذلك مع حالة الطوارئ غير المعلنة داخل جهاز الأمن العام «الشاباك»، والذي يدار حاليًا بواسطة قيادة مؤقتة بالوكالة بعد تنحي رئيسه السابق، رُونِين بَار، إثر حملة ضغوط سياسية واتهامات علنية بالتقصير وجهها له وزراء من اليمين المتطرف. تسعى الحكومة لفرض اسم جديد لإدارة الجهاز يضمن التبعية الكاملة للتوجه السياسي الحاكم، متممة بذلك إزاحة آخر الأصوات المهنية التاريخية.

وفي السياق ذاته، استقرت قيادة «مجلس الأمن القومي» بيد شْمُوئِيل بن عِزْرَا عقب إقالة تْسَاحِي هَنْغْبِي العام الماضي بسبب تباين رؤيته مع رئيس الوزراء حول خطط «اليوم التالي لغزة». بن عِزْرَا، القادم من خلفية أمنية وتكنولوجية صارمة، يعمل كمترجم إستراتيجي فوري لرغبات نتنياهو، مما يضمن صياغة القرار الأمني بعيدًا عن أي كوابح مؤسسية.

هندسة سيكولوجية المجتمع

جزم الصحفي الإسرائيلي البارز جدعون ليفي في تحليله المنشور بصحيفة «هآرتس» في مايو الماضي بأن إسرائيل تملك خطة واضحة لمرحلة ما بعد الحرب في غزة، لكن هذه الخطة لا ترتكز على البناء بل على الفوضى. يكتب ليفي: «البديل الوحيد لحكم حماس في الوقت الراهن هو الفوضى، وهذا ما تريده إسرائيل». هذا الاعتراف الصريح من أحد أبرز الأصوات النقدية في الإعلام الإسرائيلي يكشف عن جوهر الاستراتيجية الإسرائيلية التي لا تهدف إلى حل سياسي، بل إلى إدامة حالة الضعف الفلسطيني.

ويُكمل ليفي تحليله قائلاً إنه «لا توجد رغبة في بناء مؤسسات فلسطينية مستقلة، لا توجد نية لإنشاء دولة، ولا حتى لإدارة ذاتية فعالة». هذا الإعلان يفضح الفراغ الأيديولوجي في القلب الإسرائيلي، حيث اختارت النخبة الحاكمة المسار الأسهل: الحفاظ على غزة في حالة من الضعف الدائم، حيث تبقى تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة دون عبء الإدارة المباشرة. هذا الواقع يخلق حاجة نفسية واجتماعية لدى الشارع الإسرائيلي لتبني حلول الحسم العسكري الشامل، حيث يجري شرعنة الأدوات العنيفة وتصويرها كخيارات عقلانية.

كما تثبت شهادة الأكاديمية خريجة معهد «التخنيون» أن التطرف لم يعد حكرًا على التيارات الدينية القومية، بل تغلغل عميقًا في أوساط النخب العلمية والعلمانية الإسرائيلية. الخطورة تكمن في قدرة الآلة الإعلامية العبرية على إعادة إنتاج هذا التطرف وتصديره بوصفه رأيًا عامًا طبيعيًا.

تعكس الكلمات الصادمة التي أطلقتها مواطنة في مقهى بتل أبيب الحصاد الفعلي لسياسة بنيامين نتنياهو الممنهجة؛ نظام سياسي يجرف الكوابح القانونية، ومنظومة أمنية يتم تدجينها لتبني خيارات العنف الأقصى، ومنصات إعلامية تصفق لمصطلحات الإبادة وتمنحها مساحة البث المباشر.