No Image
العرب والعالم

الحرب تدفع أوكرانيا إلى العودة للشمال الأوروبي

09 يونيو 2026
09 يونيو 2026

واشنطن عواصم «د.ب.أ»: قُتل خمسة أشخاص على الأقل وجُرح أكثر من أربعين آخرين اليوم الثلاثاء في ضربات روسية استهدفت منطقتي خاركيف وزابوريجيا، في شمال شرق أوكرانيا وجنوبها، بحسب ما أفادت السلطات.

وبعد أكثر من أربع سنوات على بدء الحرب الروسية الأوكرانية، تتواصل عمليات القصف بشكل شبه يومي على جانبي الجبهة، فيما تشهد الجهود الدبلوماسية لإنهاء النزاع حالا من المراوحة.

وأسفرت ضربة روسية في تشوهوييف بمنطقة خاركيف عن مقتل امرأة تبلغ 22 عاما ورجلين في السادسة والخمسين، والسبعين من العمر، بحسب حصيلة جديدة نشرها حاكم المنطقة أوليغ سينيغوبوف على تلغرام. وأضاف الحاكم أن في خاركيف نفسها، ثاني أكبر مدن أوكرانيا والقريبة من الحدود مع روسيا، أسفر هجوم عن جرح 15 شخصا.

وفي زابوريجيا، كبرى مدن جنوب أوكرانيا، قُتل شخصان وأصيب 32 آخرون بجروح في ضربة روسية، وفق ما أعلن جهاز الطوارئ الأوكراني على تلغرام.

وأفاد سلاح الجو الأوكراني بأن روسيا أطلقت خلال الليل ما مجموعه 166 طائرة مسيّرة بعيدة المدى وصاروخين، تم اعتراض 146 طائرة مسيّرة منها.

وطلبت أوكرانيا من حلفائها الغربيين تزويدها بمزيد من وسائل الدفاع الجوي للتصدي للضربات الروسية.

وطلب الرئيس فولوديمير زيلينسكي في أواخر مايو، في رسالة وجّهها إلى نظيره الأمريكي دونالد ترامب، تزويد كييف بعدد أكبر من صواريخ باتريوت، وهو سلاح مرتفع الكلفة تراجعت المخزونات الأمريكية منه بسبب الحرب في الشرق الأوسط.

دول إسكندنافيا أكثر الداعمين لأوكرانيا

يقول ديفيد كيريتشينكو، الباحث لدى مؤسسة هنري جاكسون البريطانية، والمتخصص في قضايا الحروب الحديثة، إن دول إسكندنافيا، قد أثبتت أنها ضمن أكثر الداعمين لأوكرانيا ثباتا في أوروبا.

وكتب كيريتشينكو، في تحليل نشرته مجلة «ناشونال إنتريست» الأمريكية، أن قرار السويد إرسال 16 مقاتلة «جريبن» لأوكرانيا، ليس مجرد عملية جديدة لنقل الأسلحة، «بل يمثل أحدث مؤشر على تحول أعمق برز خلال الحرب الروسية الأوكرانية، يتمثل في تنامي تقارب كييف مع دول الشمال الأوروبي».

وطرح وزير الخارجية الأوكراني السابق دميترو كوليبا هذا التساؤل بشكل مباشر مؤخرا، عندما كتب، عقب التقارير التي تحدثت عن صفقة مقاتلات جريبن: «هل أصبحت أوكرانيا دولة من دول الشمال الأوروبي؟».

ويرى كوليبا أن الإجابة على هذا التساؤل ليست جغرافية بل استراتيجية، «فعلى مدى عقود، نظر الأوكرانيون إلى موقع بلادهم في أوروبا من منظور أوروبا الوسطى والشرقية. إلا أنه منذ عام 2022، أخذ مركز الثقل السياسي والعسكري لأوكرانيا يتحول تدريجيا نحو الشمال، باتجاه دول أصبحت من أقوى الداعمين لكييف وأكثرهم ثباتا واستمرارية».

نمو البعد العسكري

ويقول كيريتشينكو إن البعد العسكري لهذه العلاقة يواصل النمو بشكل ملحوظ: «فإذا تم تسليم مقاتلات «جريبن» بحلول مطلع عام 2027، فإنها قد توفر لأوكرانيا أداة فعّالة جديدة للتصدي لهجمات القنابل الانزلاقية الروسية، خاصة إذا رافقها تزويد كييف بصواريخ «ميتيور» بعيدة المدى، جو-جو».

وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن مقاتلات «جريبن» المزودة بصواريخ «ميتيور»، التي يتجاوز مداها 200 كيلومتر (124 ميلا)، يمكن أن تساعد في دفع الطائرات الروسية إلى مسافات أبعد، بما يحد من الاستخدام المكثف للقنابل الموجهة ضد القوات الأوكرانية.

ولكن الشراكة المتنامية بين أوكرانيا ودول الشمال الأوروبي تتجاوز نطاق المساعدات العسكرية. وقالت ماريا بوبوفا، الأستاذة المشاركة في العلوم السياسية بجامعة ماكجيل، في مقابلة مع كيريتشينكو: «يتجاوز التزام دول الشمال الأوروبي تجاه أوكرانيا مجرد المصلحة الأمنية الوطنية الناجمة عن القرب الجغرافي، فقد تطور إلى مهمة مشتركة».

وفكرة انتماء أوكرانيا إلى مجتمع أوسع لدول الشمال الأوروبي ليست جديدة بشكل تام، «إلا أن هناك مؤرخين يحذرون من النظر إلى أوكرانيا من خلال هوية إقليمية واحدة فقط». ونقل كيريتشينكو عن المؤرخ الأوكراني ياروسلاف هريتساك قوله: «أوكرانيا بلد ينتمي إلى عوالم متعددة، وأي من هذه العوالم يطغى على غيره، أمر يعتمد على الظروف الراهنة».

وفي المقابل، يبدي مؤرخون آخرون قدرا أوسع من التشكيك. وقال سيرهي بلوخي، أستاذ التاريخ بجامعة هارفارد» أوكرانيا لم تكن أبدا دولة من دول الشمال الأوروبي. والصلات الوحيدة تعود إلى الفايكنج وإلى حملة الملك السويدي شارل الثاني عشر على أوكرانيا في عام 1708». ومع ذلك، تحتل هذه الحملة مكانة مهمة في الذاكرة التاريخية الأوكرانية، «فخلال حرب الشمال الكبرى، تحالف الهيتمان الأوكراني إيفان مازيبا مع ملك السويد شارل الثاني عشر في محاولة للتخلص من النفوذ المتنامي لموسكو. وبلغ هذا التحالف ذروته بهزيمة السويد في معركة بولتافا عام 1709، التي تعد واحدة من أكثر المعارك تأيرا في تاريخ أوروبا الشرقية.

وبعد ثلاثة قرون، واصلت روسيا وأوكرانيا النظر إلى بولتافا من زاويتين مختلفتين تماما، «ففي الذكرى السنوية للمعركة عام 2009 في مدينة بولتافا، كتب المؤرخ سيرهي بلوخي أن روسيا احتفلت بانتصار ساعدها على التحول إلى قوة أوروبية، بينما أحيت أوكرانيا ذكرى هزيمة دفنت آمال مازيبا في التحرر من هيمنة موسكو».

وسلطت الحرب الضوء مجددا على هذه الروابط التاريخية، فبعد أكثر من ألف عام على ارتباط الفارانجيين الإسكندنافيين بنشأة دولة «كييفان روس»،، تعود أوكرانيا مرة أخرى إلى التطلع نحو الشمال، «غير أن هذا التقارب يتجسد اليوم، ليس من خلال التحالفات الأسرية والملكية، بل عبر علاقات متنامية مع دول الشمال، مدفوعة بمصالح أمنية مشتركة ومخاوف متزايدة من العدوان الروسي».

خطر مشترك

ويرى ألكسندر موتيل، أستاذ العلوم السياسية في جامعة روتجرز-نيوارك، أن الإحساس بالخطر المشترك بات أكثر أهمية من المقارنات التاريخية. وقال موتيل في تصريحات لكيريتشينكول: «القرب من روسيا يفوق التاريخ أهمية»، مشيرا إلى أن النرويج تتشارك حدودا مع روسيا، وأن فنلندا عاشت لعقود في ظل ما يعرف بـ«الفنلدة» (نوع من الحياد في العلاقات مع روسيا)، بينما تقع السويد في قلب منطقة أصبحت أكثر يقظة تجاه الضغوط الروسية.

وأضاف موتيل إن النرويج كانت أنتجت، حتى قبل الحرب، المسلسل التلفزيوني «المحتلة» الذي يتخيل سيناريو سيطرة روسية على البلاد عبر أساليب الحرب الهجينة.

ويبدو أن هذا الشعور المشترك بالهشاشة والتهديد يعيد اليوم رسم خريطة الأمن الأوروبي، ويقول موتيل إن المنطق الجيوسياسي سيدفع أوكرانيا ودول إسكندنافيا وبولندا ودول البلطيق وألمانيا إلى مزيد من التقارب والتنسيق. ولم تغير الحرب فقط نظرة أوكرانيا إلى أمنها القومي، بل أيضا حسابات الأمن في شمال أوروبا، «حيث تخلت فنلندا عن عقود من عدم الانحياز العسكري وانضمت إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو) في 2023، ولحقتها السويد في 2024.

شريك طبيعي لشمال أوروبا

وباتت أوكرانيا بشكل متزايد شريكا طبيعيا لمنطقة شمال أوروبا التي أصبحت أكثر اندماجا عسكريا وأكثر تركيزا على ردع روسيا». ويوضح كيريتشينكو أن هذا التقارب ينعكس بشكل متزايد في السياسات العملية، «ففي فبراير 2026، أعلنت السويد إحدى أكبر حزم المساعدات العسكرية التي قدمتها لأوكرانيا منذ اندلاع الحرب (2022)، بقيمة تقارب 9ر12 مليار كرونة سويدية (4ر1 مليار دولار)، شملت أنظمة دفاع جوي وطائرات مسيرة وأسلحة بعيدة المدى وذخائر. وتجاوز إجمالي الدعم العسكري السويدي لأوكرانيا منذ عام 2022 حاجز 100 مليار كرونة سويدية (11 مليار دولار).

وسلكت فنلندا نفس المسار، ففي الأول من يونيو الجاري، أعلنت هلسنكي الحزمة العسكرية الثالثة والثلاثين لأوكرانيا، بقيمة تقارب 128 مليون يورو (147 مليون دولار)، ليرتفع إجمالي الدعم الدفاعي الفنلندي منذ بدء الحرب إلى 4.3 مليار يورو (9.3 مليار دولار).

كما أبدت النرويج استعدادها لتوسيع دعمها لقدرات الدفاع الجوي الأوكرانية والمساهمة في تعزيز الحماية الأوروبية طويلة الأمد ضد تهديدات الصواريخ الباليستية. وخلال سنوات الحرب، كانت الدنمارك من أبرز الداعمين العسكريين لأوكرانيا مقارنة بحجمها، فقد لعبت كوبنهاجن دورا محوريا في تأسيس تحالف مقاتلات «إف16-» وكانت أول دولة توافق على نقل هذه الطائرات المقاتلة لأوكرانيا. ومع ذلك، لم تعد العلاقة بين الجانبين تسير في اتجاه واحد فقط، حيث أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن مؤخرا أن أوروبا لم تعد قادرة على النظر إلى أوكرانيا باعتبارها مجرد متلق للدعم، مشيرة إلى أن أمن أوروبا بات يعتمد بشكل متزايد على كييف.

النموذج الدنماركي

ويعكس ما يعرف بـ«النموذج الدنماركي»، الذي تمول بموجبه الحكومات الأوروبية إنتاج الأسلحة في أوكرانيا، إدراكا متناميا بأن لدى أوروبا الكثير لتتعلمه من أوكرانيا بقدر ما تحتاج أوكرانيا إلى الاستفادة من القارة. وفي ختام تحليله، يقول كيريتشينكو إن الجدل يظل قائما حول ما إذا كانت أوكرانيا تتحول بالفعل إلى دولة من الشمال الأوروبي.

فكما يشير المؤرخ ياروسلاف هريتساك، لطالما وجدت أوكرانيا نفسها عند تقاطع عوالم متعددة، وكما يحذر المؤرخ سيرهي بلوخي، لا ينبغي المبالغة في تقدير الروابط التاريخية مع شمال أوروبا. ولكن قد يكون من الصعب تجاهل الفكرة الأوسع التي طرحها دميترو كوليبا، «فأوكرانيا لم تغير موقعها الجغرافي، إلا أن توجهها الاستراتيجي والسياسي يتحرك بشكل متزايد نحو الشمال... الفايكنج يعودون إلى أوكرانيا، والأوكرانيون يرسمون مسار بلادهم نحو الشمال».