عمان اليوم

عمانية تبتكر نظارة ذكية مدعومة بالذكاء الاصطناعي

08 يونيو 2026
08 يونيو 2026

قدمت المبتكرة حور بنت خليفة الوهيبي، خريجة تخصص علم البيانات والذكاء الاصطناعي، مشروعًا يوضح كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون حلًا واقعيًا لمشكلة اجتماعية وإنسانية، وليس مجرد أداة تقنية فقط، وبدأت بالبحث عن فئات يمكن أن تستفيد من تقنيات هذا العلم، ووفقا للبيانات الحديثة التي قامت بجمعها، يبلغ عدد الأشخاص العمانيين من ذوي الإعاقة السمعية نحو 17 ألف شخص، ما جعلها تفكر بجدية في ابتكار يخدم فئة الصم والبكم ويساعدهم في التواصل مع الأشخاص الذين لا يعرفون لغة الإشارة، فكثير من الأشخاص من هذه الفئة يواجهون مواقف يومية بسيطة في المستشفى أو الجامعة أو الأماكن العامة، وتعيا عليهم إيصال احتياجاتهم بوضوح لأن الطرف الآخر لا يفهم لغة الإشارة، لذلك فكرت حور في توفير وسيلة تساعد الصم والبكم على التعبير عن أنفسهم دون الحاجة إلى وجود شخص آخر يترجم لهم.

وأشارت حور إلى أن المشروع بدأ بنظام بسيط يترجم عددًا محدودًا من إشارات لغة الإشارة من خلال الصور، حيث قامت في البداية بتجهيز أربع كلمات فقط بلغة الإشارة للمشاركة في مهرجان آفاق الخامس الذي أقيم في الكلية العسكرية التقنية. وبينت أنه بعد قبول المشروع في المهرجان أدركت أن الفكرة تمتلك إمكانات أكبر وتحتاج إلى تطوير أوسع، لذلك تواصلت مع زميلها ماجد بن أحمد الغماري، وهو من نفس التخصص، للعمل على توسيع المشروع خلال فترة زمنية قصيرة، ومع ضيق الوقت قررا البدء بحروف لغة الإشارة بدلاً من الكلمات؛ لأن الحروف تتيح للمستخدم تكوين عدد أكبر من الكلمات والتعبيرات. وأضافت أن فكرة النظارة الذكية ظهرت لاحقًا باعتبارها أكثر عملية وطبيعية في الاستخدام، لينضم بعد ذلك زميلهما أحمد الحضرمي من تخصص هندسة الحاسوب للمساهمة في الجوانب البرمجية والتطبيقية للمشروع.

وقالت: إن المشروع بدأ كنظام بسيط لترجمة عدد محدود من إشارات لغة الإشارة من خلال الصور، حيث أعدت في البداية أربع كلمات فقط للمشاركة في مهرجان آفاق الخامس الذي أقيم في الكلية العسكرية التقنية. وبعد قبول المشروع في المهرجان، رأت أن الفكرة تستحق مزيدًا من التطوير، فتعاونت مع زميلها ماجد بن أحمد الغماري لتوسيع نطاق المشروع، قبل أن ينضم إليهما أحمد الحضرمي من تخصص هندسة الحاسوب للمساهمة في الجوانب البرمجية والتطبيقية.

وأوضحت أن النظام في مرحلته الحالية لا يفهم جميع إشارات لغة الإشارة، وإنما يدعم مجموعة محددة منها، حيث بدأ الفريق بحروف اللغة الإنجليزية والعربية. وأضافت أنهم يعملون حالياً على جمع بيانات خاصة بلغة الإشارة العمانية بالتعاون مع أشخاص من الفئة المستهدفة ومهتمين بالمجال، مؤكدة أن اختيار الحروف باعتبارها نقطة انطلاق جاء لسببين رئيسيين، الأول أن تدريب النماذج يحتاج إلى كميات كبيرة من الصور وأجهزة حاسوبية قوية، والثاني أن الحروف تتيح للمستخدم تكوين عدد كبير من الكلمات، مما يجعل النظام مفيداً حتى قبل إدخال جميع الإشارات.

واختارت الوهيبي الذكاء الاصطناعي ليكون جزءًا من الحل لقدرته على تحليل الصور والحركات والتعرف على الأنماط المختلفة، مبينة أن لغة الإشارة لا تعتمد على حركة اليد فقط، بل تشمل شكل اليد واتجاه الأصابع وأحياناً تعابير الوجه.

ولهذا استخدم الفريق تقنيات الرؤية الحاسوبية، والتعلم العميق، ومعالجة اللغة الطبيعية؛ بهدف تحويل الإشارات إلى نصوص أو أصوات يمكن فهمها بسهولة.

وأوضحت أن النظارة والتطبيق تعتمدان على الكاميرا لالتقاط حركة اليد وتحليل النقاط والمفاصل المهمة فيها، ثم مقارنة هذه البيانات بما تعلمه النظام خلال مرحلة التدريب، كما طور الفريق خاصية لتحويل النص المترجم إلى صوت أو العكس، إلى جانب العمل على الاستفادة من تعابير الوجه لتحسين فهم المعنى وصياغة الرد بصورة أكثر دقة خاصة أن بعض الإشارات ترتبط بالتعبيرات المصاحبة لها.

وأضافت أن الفريق اعتمد على لغة Python في تطوير النظام، وأن جميع مراحل جمع البيانات وتدريب النموذج واختباره تمت باستخدام حواسيب شخصية دون الاستعانة بأجهزة عالية الأداء.

وأشارت الوهيبي إلى أن المشروع حقق دقة تراوحت بين 90 و95 % في التعرف على الإشارات التي تم تدريبه عليها، وهو ما تحقق بفضل استخدام عدد كبير من الصور والتركيز على تحسين جودة البيانات وتنظيفها قبل إدخالها إلى النموذج. وأكدت حور أنهم ما زالوا مستمرين في تطوير النظام بهدف تقليل الأخطاء ورفع مستوى الدقة مع كل مرحلة تدريب جديدة.

وفيما يتعلق بسرعة الترجمة، أوضحت أن النظام يمنح حالياً كل حركة نحو ثلاث ثوانٍ قبل اعتمادها، وذلك لضمان دقة القراءة وتجنب تفسير الحركات غير المقصودة على أنها إشارات، وأكدت أن هذه المدة قابلة للتقليل مستقبلاً مع تطوير النموذج وتحسين أدائه.

وأوضحت أن نظام ترجمة لغة الإشارة يعمل حالياً دون اتصال بالإنترنت، بينما تحتاج خاصية تحويل الصوت إلى نص إلى الإنترنت في بعض الحالات لاعتمادها على أدوات API خارجية. وأعربت عن تطلع الفريق إلى جعل جميع وظائف النظام تعمل دون إنترنت قدر الإمكان، خاصة لاستخدامها في المؤسسات والمواقف الطارئة.

وأشارت إلى أن من التحديات التي واجهت الفريق كانت جمع البيانات، لعدم توفر قواعد بيانات مناسبة يمكن الاعتماد عليها، ولذلك قام الفريق ببناء قاعدة بياناته الخاصة من خلال برمجة نظام يلتقط أعداداً كبيرة من الصور خلال وقت قصير، ثم تنظيف هذه البيانات واستخراج النقاط والزوايا المهمة منها، وهي عملية استغرقت وقت وجهد كبير لكنها ساهمت في رفع دقة النظام.

وأضافت أن الفريق حرص على تدريب النموذج اعتماداً على نقاط اليد وزواياها بدلاً من شكل اليد أو لون البشرة، حتى يتمكن النظام من التعامل مع مختلف المستخدمين بغض النظر عن اختلاف ألوان البشرة أو أحجام الأيدي.

وأضافت أنه تم إجراء اختبار على عدد من الأشخاص من فئة الصم والبكم، إضافة إلى مختصين ومهتمين بلغة الإشارة، وكانت ردود الفعل إيجابية ومشجعة، كما تلقى الفريق ملاحظات مهمة من أعضاء معهد التواصل لتدريب لغة الإشارة، أبرزها ضرورة دعم لغة الإشارة العمانية باعتبارها الأكثر استخداماً في البيئة المحلية.

وروت الوهيبي موقفًا وصفته بالمؤثر، حين أخبرتهم إحدى الطبيبات بأنها تتمنى وجود هذه النظارة في كل مؤسسة صحية، بعدما واجهت حالة لشخص أصم في قسم الطوارئ لم تتمكن من فهم احتياجه بالشكل المطلوب. مشيرةً إلى أن مثل هذه المواقف تؤكد أهمية المشروع في المستشفيات والمراكز الصحية؛ لأنه من الممكن أن يكون هذا التواصل مرتبطاً بحالة طارئة أو قرار علاجي مهم.

وتقول حور الوهيبي: إن مشروع النظارة الذكية سيساهم في تعزيز استقلالية الصم والبكم وتقليل اعتمادهم على وجود مترجم أو مرافق دائم، وسيمكنهم من التعبير عن احتياجاتهم اليومية بسهولة أكبر في مختلف المؤسسات والأماكن العامة. وأوضحت أن التطبيق يؤدي ذات الوظيفة من حيث ترجمة الإشارات، لكنه يتطلب استخدام الهاتف وتوجيه الكاميرا نحو المستخدم، بينما توفر النظارة تجربة أكثر طبيعية وسلاسة. وأضافت أن التطبيق أقل تكلفة وأسهل انتشاراً، في حين تبدو النظارة أكثر ملاءمة للاستخدام اليومي، لذلك ترى حور أن الحلين يكمل أحدهما الآخر.

ولفتت إلى أن الفريق واجه تحديات تقنية ومالية عديدة، إذ يتطلب تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي أجهزة متطورة وإمكانات كبيرة، بينما كان الاعتماد في البداية على الحواسيب الشخصية فقط. وأضافت أن تحويل المشروع إلى منتج فعلي يحتاج إلى أجهزة وتجارب ميدانية ودعم مالي ومؤسسي، لذلك يواصل الفريق البحث عن جهات قادرة على احتضان المشروع والمساهمة في تطويره.

وبينت أن الفريق يدرس حالياً إضافة خاصية الترجمة العكسية لتحويل الكلام أو النص إلى لغة إشارة مرئية عبر شخصية افتراضية أو وسيلة عرض داخل التطبيق، مشيرة إلى أن المشروع لا يقدم منتجاً تقنياً فحسب، بل حل إنساني لمشكلة حقيقية تواجه شريحة مهمة من المجتمع، وقد حصل على موافقة مبدئية للملكية الفكرية، وينتظر استكمال الإجراءات الرسمية خلال شهر الجاري، كما حقق عدداً من الجوائز، من أبرزها المركز الأول في مهرجان آفاق الخامس بالكلية العسكرية التقنية، والمركز الثالث كأفضل مشروع في جامعة التقنية والعلوم التطبيقية بمسقط، إلى جانب جوائز أخرى. وأعربت عن أملها في أن يسهم المشروع مستقبلاً في جعل الأشخاص الصم والبكم أكثر قدرة على التعبير عن أنفسهم دون حواجز، وأن تصبح المؤسسات أكثر استعداداً للتعامل معهم بطريقة عادلة وسهلة وإنسانية.

وأضافت أن الأثر الاجتماعي الذي يطمح إليه الفريق يتمثل في أن يشعر الشخص الأصم أو الأبكم بأن صوته مسموع وأنه قادر على التعبير عن نفسه دون حواجز، وأن تصبح التقنية وسيلة فعالة لدمج هذه الفئة في المجتمع بصورة أوسع، وأن تكون المؤسسات أكثر استعداداً للتعامل معهم بطريقة عادلة وسهلة وإنسانية.

وقالت حور الوهيبي: توجد خطة مستقبلية لتحويل المشروع إلى منتج تجاري أو شركة ناشئة، إلا أن ذلك يتطلب استكمال مجموعة من الخطوات التنظيمية والمالية تشمل تطوير النموذج وشراء الأجهزة وإجراء تجارب ميدانية أوسع، ثم فتح سجل تجاري وإعداد خطة تسويقية واضحة.

Image