هدنة تكنولوجية هشة بين الصين وأمريكا

07 يونيو 2026
07 يونيو 2026

ترجمة: قاسم مكي 

دونالد ترامب وشي جينبينج ابتسما كلاهما أمام الكاميرات في اجتماع قمتهما الشهر الماضي، لكن لم يعتبر أيٌّ منهما الهدنة التقنيَّة بين بلديهما سلاما. 

واصلت الصين تصدير مغناطيسات العناصر النادرة الى الولايات المتحدة فيما ستؤجل الولايات المتحدة فرض القيود التي تأخرت كثيرا على شركات صناعة الرقائق الصينية، لكن خلف الكواليس يشحذ كل طرف سكاكينه استعدادا لموجة جديدة من الصراع حول سلاسل التوريد. 

قبل القمة مباشرة أعلنت بكين عن حزمة واسعة من الإجراءات لمعاقبة الشركات الأجنبية على التقيد بالعقوبات الثانوية. وستكون تلك الحزمة أداة قوية للضغط على الشركات متعددة الجنسية كي تقف الى جانب الصين وسط التصعيد المستقبلي للنزاع حول سلاسل التوريد. 

في الأثناء دفع الكونجرس في واشنطن البيت الأبيض نحو موقف أكثر تشددا؛ فقد تقدمت لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب والتي يسيطر عليها الجمهوريون بحزمة كبيرة من التشريعات المقترحة لضبط الصادرات. 

وسيغلق مشروع «قانون ماتش» الثغرات التي تسمح لحلفاء الولايات المتحدة بمجال أوسع لبيع معدات تصنيع الرقائق إلى الصين مقارنة بما هو متاح لشركات الولايات المتحدة. كما اقترح كلا مجلسي النواب والشيوخ تشريعا للحد من قدرة الشركات الأمريكية على بيع رقائق الذكاء الاصطناعي للصين. 

إذا توقعت كل من بكين وواشنطن استمرار حرب التقنية ما المنطق وراء الهدنة؟ الإجابة هي كسب الوقت. 

تعتقد الصين أنها تكسب سباق الصناعة التحويلية المتقدمة. هي حقا تفعل ذلك في قطاعات رئيسية كالبطاريات والسيارات؛ فقد نشرت غرفة التجارة الأمريكية مؤخرا تقريرا وجد أن الصين تحتل «وضعا مهيمنا في سلاسل القيمة العالمية» باستثناء شركة انفيديا التي ضغطت بشدة لبيع رقائقها هناك. وتعتبر معظم الشركات الأمريكية الصين منافسا صاعدا أكثر منها سوقا نامية. 

بل دفعت قوة الصين في الصناعة التحويلية المتقدمة حتى أوروبا إلى نصب الحواجز التجارية؛ فبروكسل تفكر في تشديد القيود عبر تشريعها المقترح تحت مسمَّى «قانون المسرِّع الصناعي»، لكن لدى بكين أدوات قوية لمواجهة ذلك. ففي العام الماضي أثبتت قيودُ التصدير الصينية على مغناطيسات العناصر النادرة وشركةُ «نيكسبيريا» لصناعة أشباه الموصلات التأسيسية قدرة الصين على خنق الإنتاج الصناعي الأوروبي. 

كما تصارع الولايات المتحدة للتخلص من مخاطر سلاسل التوريد الصينية. ربما تضخ واشنطن المال في مشاريع لإنتاج المعادن الحيوية، لكن تنفيذها يأخذ وقتا. وفي الأثناء يتزايد اعتماد الولايات المتحدة باطراد على الإمدادات الصينية من أشباه الموصلات الأكثر بساطة والتي تشكل أساسا للإنتاج الصناعي. 

بكين لديها سبب وجيه للاعتقاد بأن صادرات صناعتها التحويلية المتقدمة ستستمر في الارتفاع وأن أوروبا والولايات المتحدة والأسواق الرئيسية الأخرى ستفشل في تنسيق موقف موحد للرد عليها؛ فحين يتعلق الأمر بالإنتاج الصناعي قد يكون الوقت في جانب الصين. 

ما فكرة واشنطن وراء الهدنة؟ يتحدث الناس من شاكلة أهل وادي السيلكون (مركز التقنية والابتكار) في الولايات المتحدة عن «متناولي حبة الذكاء الاصطناعي العام» عندما يشيرون إلى الإيمان التام بالتعاظم المطّرد لقدرة الذكاء الاصطناعي وبأنه سيحدث تحولا في الاقتصاد. 

ويبدو أن الحكومة الأمريكية تراهن على تعزيز الذكاء الاصطناعي لنفوذ الولايات المتحدة بقدر مثير أيضا، (عبارة تناول حبة الذكاء الاصطناعي العام تحيل إلى فكرة شبيهة في فيلم الخيال العلمي «المصفوفة» عندما تنتبه إحدى شخصياته فجأة إلى أنها تعيش في واقع مختلف مما تظن بعد ابتلاعها حبة. والمقصود بذلك أولئك الذين انتبهوا وأصبحوا يؤمنون إيمانا جازما بمجيء الذكاء الاصطناعي العام وبقدرته الهائلة على إحداث تحول جذري في حياة البشر بما في ذلك في الاقتصاد - المترجم). 

على الرغم من المزاعم بأن الصين تنشر الذكاء الاصطناعي بوتيرة سريعة في أرجاء اقتصادها، إلا أن شركات الولايات المتحدة مثل أوبن أيه آي وأنثروبيك لديها إيرادات تزيد عن مائة ضعف مما تحصل عليه شركات الذكاء الاصطناعي الناشئة والرائدة في الصين. 

أفزعت قدرات «ميثوس»، وهو أحدث نماذج الذكاء الاصطناعي لشركة أنثروبيك، البيتَ الأبيض الأمر الذي دفعه الآن إلى مناقشة استحداث ضوابط تنظيمية للذكاء الاصطناعي على الرغم من انتقاده إدارة بايدن سابقا لقيامها بذلك. وتقدمت الولايات المتحدة لتوها بطلب بلغت قيمته 9 بلايين دولار لتزويد وكالاتها الاستخبارية برقائق ذكاء اصطناعي. يشير هذا إلى أن الاستخبارات الأمريكية ستكون لديها قوة حوسبة أكبر مما لدى العديد من شركات نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية الرائدة. لا تبدو بكين قلقة. عندما يتحدث القادة الصينيون عن «التحولات العظيمة التي لم تُشاهَد خلال قرن» فإنهم لا يتحدثون عن تغيير الذكاء الاصطناعي للجغرافيا السياسية. وإذا كان شِي قلقا بشأن الحصول على قوة الحوسبة لكان قد قبل رقائق إنفيديا أتش 200 التي يحرص ترامب بشدة على بيعها. 

صحيح منعت بكين شراء شركة «ميتا» لتطبيق «مانوس» الشهير والصيني التأسيس، ويقال: إنها تحتجز جوازات سفر كبار باحثي الذكاء الاصطناعي الصينيين لمنع سفرهم دون موافقة رسمية. 

مع ذلك فيما يتعلق بالإنفاق لا زالت الصين تضخ أموالا غير متناسبة في قطاعات الصناعة التحويلية المتقدمة بدلا عن مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي. لقد كان للاضطرابات في مضيق هرمز التي أثبتت صواب قرار الصين بتخزين المدخلات الصناعية أثر أقوى في بكين من الآثار الضمنية لتطبيق ميثوس على الأمن السيبراني. 

بدلا من الإيمان التام بالقوة الهائلة للذكاء الاصطناعي العام في المستقبل آمن شِي والقادة الصينيون الآخرون بالقوة الهائلة للإنتاج الصناعي، وسيحدد العام القادم أي مقاربة (مقاربة الذكاء الاصطناعي الأمريكية أم مقاربة الإنتاج الصناعي الصينية) هي الأكثر قيمة. 

 كريس ميلر مؤلف كتاب «حرب الرقائق» 

 الترجمة عن الفاينانشال تايمز