No Image
الاقتصادية

تعثر صناعة الطاقة الشمسية في الصين

05 يونيو 2026
05 يونيو 2026

من المفترض أن تستفيد شركات الطاقة النظيفة الصينية من الإرباك الذي أحدثته حرب أمريكا في أسواق الطاقة. فالصين تصنع أكثر من 80% من ألواح الخلايا الكهروضوئية في العالم وتضخّها بكميات هائلة.

أنتجت المصادر المتجددة للطاقة بفضل هذه الجهود كهرباء تزيد عن تلك التي تم توليدها بحرق الفحم الحجري في العام الماضي حول العالم. لكن صناعة الطاقة الشمسية الصينية رغم صدارتها العالمية تعاني من متاعب. ولم يكن ازدهار الطلب الذي نشأ عن الحرب كافيا لإقالتها من عثرتها.

ارتفعت صادرات الصين من معدات الطاقة الشمسية منذ بداية القصف. لكن ذلك يشكل "فرحة صغيرة" لشركاتها التي تواجه ثلاث مشاكل عويصة. فالطلب المحلي على منتجاتها يهبط لأول مرة خلال عقود لأن شبكات الكهرباء المحلية، وهي السوق الأكبر بما لا يقاس للألواح الشمسية، تكتظ بالطاقة المتولدة عنها. في الأثناء، تجاوز عرضُ هذه الألواح الطلبَ عليها بسبب الاستثمار الضخم والملفت على مدى سنوات في مصانع انتاجها. وعلى الرغم من تعزيز الحرب لمبيعات هذه الشركات في بلدان جنوب شرق آسيا وإفريقيا إلا أن الحمائية تتصاعد في الأسواق الغربية الأكبر.

تتجمَّع هذه المشاكل في وقت سيئ. فمعظم الشركات تسجل خسائر منذ عام 2024 بسبب حروب الأسعار الشرسة. وتتصاعد حالات الإفلاس. فبعدما شهد "مصنع العالم للطاقة الشمسية" نموا فائقا يواجه الآن عواقب ذلك.

عالميا، لم تكن صناعة الطاقة الشمسية رحيمة دائما بالمستثمرين. فألواح الطاقة الكهروضوئية تتشابه كثيرا مع بعضها البعض. وعندما يجري أحد المنتجين بعض التحسينات عليها سرعان ما يستنسخها منافسوه. وهكذا تحاول الشركات عادةً زيادة الإنتاج بأسرع ما يمكن لاقتناص الحصة السوقية. يعني ذلك أن الإنتاج قد يتجاوز كثيرا حجم الطلب مما يتسبب في انهيار الهوامش الربحية. هذه النزعة قادت الى تراجع حاد في الإيرادات خلال عام 2018 على سبيل المثال. ثم أعقبه تعافٍ بعد ارتفاع الطلب.

هدر الكهرباء

لكن الكساد الحالي من نوع مختلف. كانت السوق الرئيسية لألواح الخلايا الشمسية توجد داخل الصين دائما. وكان طرحها في السوق سريعا في السنوات الأخيرة بحيث تخطى قدرة شبكات الكهرباء على استيعابها. فألواح السيلكون الرمادي الداكن تغطي الأسقف والتلال والصحاري عبر الصين بأكملها.

للحصول على الكهرباء كانت الصين في الماضي تعتمد على محطات الفحم الحجري والتي يمكن إيقافها وتشغيلها عند الحاجة. لكن ألواح الخلايا الكهرو- ضوئية تنتجها من ضوء الشمس. وهذا ما يمكن أن يقود الى نقص الإمداد في الليل وفائض في النهار. نتيجة لذلك في يناير وفبراير كان هنالك هدر لحوالي 9% من كهرباء الطاقة الشمسية في الصين ارتفاعا من 6% خلال نفس الفترة من العام الماضي.

ذلك يجعل من الصعب تبرير إضافة المزيد من التوليد الكهربائي بواسطة أشعة الشمس. وقد يهبط معدل تركيب ألواح الخلايا الضوئية هذا العام بنسبة تتراوح بين 24%و43% مقارنة بالعام الماضي، حسب مجموعة في صناعة الطاقة الشمسية. ذلك سيكون كافيا لكي يهبط الطلب العالمي على الألواح الكهروضوئية في العام الحالي لأول مرة خلال عشرين عاما، كما تقول شركة بلومبيرج إن إي إف الاستشارية.

لكي تتعامل شبكات الكهرباء الصينية مع هذا الوضع يجب أن يكون في مقدورها تخزين كهرباء الطاقة الشمسية الفائضة أو نقلها لمسافات بعيدة الى حيث قد تكون هنالك حاجة إليها. يستلزم ذلك استثمارات كبيرة في البطاريات وخطوط نقل الكهرباء الى جانب تدبير آليات سوق مرنة لتنسيق كل شيء (في بعض الأقاليم تستبعد العقود طويلة الأجل للإمداد الكهربائي من محطات الفحم الحجري كهرباءَ الموارد المتجددة على الرغم من رخصها.)

كل هذا يحدث. ويساهم في حدوثه الانخفاض الشديد في أسعار البطاريات مع ازدياد انتاجها مثلما هي الحال مع ألواح الخلايا الضوئية. لكنه سيستغرق وقتا. يعني ذلك حتى إذا بدأ تركيب ألواح الخلايا الشمسية في الارتفاع مرة أخرى في العام القادم ربما سيكون نمو التخزين أقل كثيرا من السابق.

في الأثناء تعاني شركات الطاقة الشمسية في الصين من تخمة في العرض. فالمغالاة في الاستثمار جعلها قادرة على إنتاج أكثر من ألف جيجاوات من الألواح الشمسية في السنة. وهذا يزيد كثيرا عن حوالي 600 جيجاوات تم تركيب ألواح توليدها على نطاق العالم في عام 2025. بل ربما أكثر مما يمكن أن تستوعبه السوق العالمية على الإطلاق، حسب تقدير جيني شيس الباحثة ببلومبيرج إن إي إف والتي تقول "لا توجد حاليا بلدان كبيرة ليس لديها سلفا الكثير من كهرباء الطاقة الشمسية."

حدود دنيا للأسعار

تدعو شركات الطاقة الشمسية الى "الانضباط الذاتي" للتقليل من الإنتاج الزائد عن الحد. حاول بعضها في العام الماضي تنسيق حصص الإنتاج ووضع حدود دنيا لأسعار ألواح الخلايا. لكن اتضحت صعوبة عملها معا. فبعد أسابيع فقط من بداية الاتفاق تعرضت إحدى الشركات الى التوبيخ علنا لانتهاكها له. ثم في يناير قال المسئولون إنهم يشعرون بالقلق من تحول هذه المجموعة هذه الشركات الى تكتل احتكاري.

لكن المسئولين حريصون أيضا على تقليص هذه "التخمة" في الانتاج والتي هي أيضا مشكلة في الصناعات الصينية الأخرى للطاقة النظيفة. في الماضي دعمت الحكومة في سخاء شركات صناعة الطاقة الشمسية بكل الطرق من تيسير حصولها على أراض رخيصة الى تقديم قروض خالية من الفوائد. لكنها الآن تتراجع بقدر كبير عن الدعم. فمنذ يونيو في العام الماضي صار لزاما على محطات الطاقة الشمسية الجديدة بيع الكهرباء بأسعار السوق بدلا من التمتع بأسعار حكومية مضمونة مقابل تغذيتها للشبكة العامة.

هنالك سبب كبير وراء الارتفاع في صادرات ألواح الطاقة الشمسية في مارس وهو أن الشركات كانت تتعجل شحن أكبر كمية منها الى الخارج قبل الأول من أبريل. وهو الموعد الذي قررته الحكومة لسحب ميزة استرداد ضريبة القيمة المضافة على صادراتها.

بل في الشهور الأخيرة بدأت بعض الحكومات المحلية الصينية حتى في مطالبة شركات الطاقة الشمسية بإعادة ملايين اليوانات من أموال الدعومات التي قدمتها لها. وهي تفضل بذلك إفلاسها بدلا من الاستمرار في دعم شركات فاشلة.

في الأثناء، قد تأتي الرياحُ الجيوسياسية بالمزيد من المشاكل. كانت ألواح الطاقة الشمسية الصينية الرخيصة ضحية لنجاحها وذلك بإثارتها ردود أفعال حمائية في الغرب وأيضا في البلدان المجاورة بما في ذلك الهند.

فمنذ عام 2022 فرضت أمريكا قيودا مشددة على الواردات وأيضا رسوما جمركية مرتفعة على الشحنات التي تسمح بدخولها. وتشعر بعض البلدان بالقلق أيضا من أن تشكل المعدات المصنعة بواسطة الصين والمستخدمة في بنيتها التحتية للكهرباء مخاطر أمنية. وفي مايو ذكر الاتحاد الأوروبي إنه سيستغني بالتدريج من الموردين الصينيين لمحولات (انفيرتر) الكهربائية. وهي جزء حيوي من معدات الطاقة الشمسية في المعدات الممولة بواسطة الاتحاد الأوروبي.

تحاول بعض الشركات الصينية تعهيد (إسناد) الإنتاج الى جهات في الخارج لتجنب مثل هذه المنغِّصات السياسية.

كل ذلك يشيع أجواء من الكآبة على مستقبل هذه الشركات. فهناك حوالي 40 شركة طاقة شمسية إما أعلنت افلاسها أو تم الاستحواذ عليها أو سُحبت أسهمها من أسواق الأوراق المالية. وسرَّحت أكبر خمس شركات طاقة شمسية في الصين ثلث القوة العاملة بها، وفقا لوكالة رويترز للأنباء.

لكن موجة الدمج والاستحواذ الأكبر لم تأت بعد، كما تقول جيسيكا جين المحللة بشركة الأبحاث ستاندارد آند بورز جلوبال.

ارتفعت أسعار ألواح الطاقة الشمسية بقدر طفيف في الشهور الأخيرة. لكنها لا زالت تباع بأقل من متوسط تكلفة انتاجها. وتراجعت أسعار أسهم لونجي لتقنية الطاقة الخضراء وتونجوي وجينكو سولار الشمسية وترينا سولار، وهي كبرى الشركات في هذه الصناعة، الى أقل من نصف الذروة التي بلغتها قبل سنوات قليلة.

هل يمكن أن يعيد شيء ما الى الطاقة الشمسية أيامها الأكثر إشراقا؟ من المؤكد سيفيدها رفعُ البلدان حواجزها التجارية أمام السلع الصينية. كما هنالك أيضا "شريان حياة" آخر للصناعة الصينية. إنه الاستغلال التجاري للتقنيات التي تعزز كفاءة ألواح خلايا الطاقة الشمسية. ففي هذه الأيام تحوِّل هذه الألواح في معظمها ما بين 22% الى 24% من ضوء الشمس الذي يسقط عليها إلى كهرباء. ويمكن أن تزيد "البيروفسكايت"، وهي أنواع أكثر تقدما من الخلايا الضوئية، هذا المعدل الى أكثر من 30%. كما يمكن أن يكون إنتاجها، نظريا، أرخص. لكن السؤال هو: كم عدد شركات الطاقة الشمسية التي ستبقى حتى تشهد مثل هذا الاختراق التقني؟