فتاوى :يجيب عنها فضيلة الشيخ د. كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام لسلطنة عُمان
04 يونيو 2026
04 يونيو 2026
في الحديث النبوي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ غريبا، فطوبى للغرباء»، وقوله صلى الله عليه وسلم: «ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله تعالى بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين»، كيف نوفق بين الحديثين؟
-الجواب عن هذه المسألة تبينه أحاديث لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فظاهر الحديثين محل السؤال أن بينهما تعارضا، فإن في الحديث الثاني، وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «سيبلغ هذا الدين ما بلغت الشمس، ولا يترك بيت مدر ولا وبر إلا دخله»، وهذا الحديث ورد بروايات متقاربة، يفهم منه انتشار هذا الدين، وأن يبلغ إلى كل مكان، وأن يشمل أرجاء المعمورة.
بينما الحديث الأول في السؤال، وهو حديث: «بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا»، يفهم منه أن هذا الدين، وأن أهل هذا الدين، سيعودون غرباء، والغريب هو من كان مختلفا عمن حوله فيشعر بغربة؛ لأنه على خلاف من هم حوله، فالذين حوله هم الكثرة الكافرة، وأما أهل هذا الدين، كما يفهم من ظاهر الحديث، فإنهم سيكونون غرباء.
الحاصل أن وجه الجمع بين الحديثين هو أيضا ما بينه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حديث ثوبان رضي الله عنه، حيث يقول: «يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها»، قالوا: أمن قلة نحن يومئذ؟ قال: «لا، بل أنتم كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله المهابة من قلوب أعدائكم، وليورثنكم الوهن»، قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: «حب الدنيا وكراهية الموت».
هذا الحديث النبوي الشريف يبين فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن أهل الثبات والصلاح وحسن التدين والاستقامة على أمر الله عز وجل، والقيام بواجب هذا الدين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، سيكونون قلة، فالقلة هنا بحسب النوع لا من حيث العدد، ولذلك قال: «بل أنتم كثير»، ثم بين بأنهم كغثاء السيل.
فبين مبعث ذلك أنه حب الدنيا وكراهية الموت، فانغماس أبناء هذه الأمة في حب هذه الدنيا وشهواتها وملذاتها سيجعلهم أذلة ضعفاء لا يهابهم أعداؤهم، وهم متعلقون بهذه الدنيا وزخارفها وتراثها، متمسكون بها، لا يلقون للدين بالا، ولا يرفعون للحق رأسا، فهذا الحديث يبين ما يوهمه الحديثان المتقدمان من تعارض.
ويتأكد هذا أيضا بحديث آخر لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو حديث: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك»، فالحديث يبين أن هؤلاء الذين يتمسكون بالحق ويثبتون عليه، ويبذلون نفوسهم في سبيل نصرة الحق، وبسط العدل، ورفع الظلم، هم طائفة فقط من هذه الأمة، وأن هناك من يخذلهم، لكنه لا يضرهم، وأنهم سيبقون على هذه المبادئ الراسخة الثابتة إلى أن يأتي أمر الله تبارك وتعالى.
فإذا هذه الروايات هي التي تفسر ما أشار إليه حديث الغربة: «بدأ هذا الدين غريبا» أو «بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا»، فالغربة هي غربة نوع من حيث من يتمسك بهذا الدين ويحمل لواءه، ويذود عن حياضه، ويبسط العدل، ويؤدي واجب الدعوة إلى الله تبارك وتعالى على حكمة وبصيرة، ويحفظ حرمة هذا الدين وحرمة أهله وحرمة مقدساته، ويسعى إلى أن يوصل رسالة الحق إلى الخلق أجمعين، فهؤلاء قلة.
وأما المجموع العام من الأمة فهم كما وصفهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أي السواد الأعظم، إنما هم غثاء كغثاء السيل، هذا هو أوجه ما يجمع به بين هذه الروايات، وقيل إن هذه الروايات تتحدث عن أزمنة مختلفة وأمكنة مختلفة، نعم، فليس فيها القطع بأن هذا الحال سيكون عليه الناس في آخر الزمان.
وقيل إن ذلك باعتبار بعض الأمكنة دون بعض، ففي بعض الأماكن سينزوي شأن أهل الإسلام، ويبسط في أماكن أخرى، في بعضها سيصيبهم الهوان والذل، وفي أخرى سيكونون أعزة، ولكن هذه الوجوه لا تخرج أيضا عما تقدم بيانه، فالحديث إنما هو عن وصف مجموع هذه الأمة، وبيان حالها الذي ستؤول إليه.
وحديثه صلى الله عليه وآله وسلم فيما بينه في قوله: «يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها»، يؤكده واقع الحال في فترات تاريخية كثيرة، كما يؤكده ويشهد به واقع الحال اليوم، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرفع عن هذه الأمة كل كرب، وأن يكشف عنها كل سوء، وأن يورثها العزة والنصر والتمكين، وأن يؤلف بين قلوب أتباعها، وأن يكونوا ممن يصدق عليهم قوله: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم، وهم كذلك إلى أن يأتي أمر الله»، هذا والله تعالى أعلم.
هل هناك قدر معفو عنه من نجاسة البول في الثياب لمن لا يشعر بخروج شيء، ولكن يجد شيئا من الأثر في ثيابه؟ ولمن أصيب بالسلس، هل عليه أن يغير الحشوات التي يستعملها لاتقاء بدنه وثيابه في كل صلاة، أم يعيد الوضوء؟
القدر المعفو عنه هو الشرر الذي يتطاير عند قضاء الحاجة، بحيث لا يراه هذا الإنسان ولا يمكن أن يحترز منه، أما إذا كان يراه ويرى أثره في ثوبه، فهذا عليه أن يغسله، وأما سؤاله في المبتلى بالسلس، فنعم، عليه أن يغير الحشوة التي تمنع وصول البول إلى ثوبه أو بدنه أو موضع صلاته عندما يهم بالوضوء لكل صلاة، وإن كان يشق عليه ذلك، فيمكن أن يرخص له في جمع الصلاتين، ولا أظنه أمرا بالغ المشقة، فهو أمر مقدور عليه.
وإنما الرخصة أن يصلي على حالته تلك؛ لأنه مبتلى بسلس البول، فلا يضيره ما ينزل من قطرات البول بعدما يتوضأ ويدخل في صلاته، والله تعالى أعلم.
ما المقصود بـ«ما لم يحدث» في قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه ما لم يحدث: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه»؟ وهل المصافحة بعد الصلاة داخلة في هذا النص؟
الجواب لا، لم أطلع أن المصافحة هي مما يرفع عنه هذا الأجر أو هذا الفضل المنصوص عليه في حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أن المصلي إن كان في مصلاه فإن الملائكة تستغفر له، تقول: «اللهم ارحمه، اللهم اغفر له»، ما لم يحدث، وإنما اتجهت أقوال شراح الحديث إلى رأيين: الرأي الأول: هو الحدث الذي ينقض الوضوء، فهو على تلك الحالة ويحظى بهذه المنزلة وهذا الفضل والبركة من الله تبارك وتعالى، حيث تدعو له ملائكة الرحمن، إلا إذا انتقض وضوؤه، وينصرف ذلك إلى خروج الريح أو إلى ما ينتقض به الوضوء مطلقا.
وقيل إنّ الإحداث هو كل حدث فساد، فما لم يحدث، ما لم يرتكب، ما لم يقارف شيئا من أمور الفساد، كالغيبة أو الكذب أو النميمة أو قول السوء أو شيء من البهتان، والعياذ بالله، أو الإحداث في أمر الدين مطلقا، فهذا تدخل فيه نواقض الوضوء، لكنه يوسع الدائرة، فيجعل الحدث كل حدث فساد.
ولكل أصحاب قول أدلة، فمنهم من يستند إلى أن بعض الروايات تبين أن «ما لم يحدث» أي ما لم يؤذِ، فإيذاء المسلمين حدث، فيرتفع عنه حال استغفار الملائكة ودعائها له، فهذا داخل في الفساد.
ولسنا بحاجة إلى الترجيح؛ لأن المؤدى واحد، فمن المعلوم أن إتيان شيء من أمور الفساد والباطل في بيت من بيوت الله تعالى، وفي الموضع الذي هو مكان للذكر والصلاة والدعاء وتعظيم الله تبارك وتعالى، واستشعار معاني الأخوة مع إخوانه المؤمنين، أن يأتي بشيء فيه فساد أو باطل أو إيذاء لهم بغير وجه حق، أن هذا يرفع مثل هذه البركات عنه، وكذا الحال بالنسبة لمن انتقض وضوؤه، والله تعالى أعلم.
نلاحظ في مواضع من القرآن الكريم أن الذين كذبوا برسلهم كقوم نوح وعاد وثمود يحاجون رسلهم بإنزال الملائكة، وكذا نجد في حوار فرعون مع سيدنا موسى عليه السلام: «فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ»، وهو ما نجده عند كفار قريش أيضا حيث جعلوهم إناثا كذبا من عند أنفسهم، ومن المعلوم أن العلم بخلق الملائكة لا يُعلم إلا من طريق الوحي، فكيف علم هؤلاء المشركون بخلق اسمه الملائكة؟ أم هو بقية من علم الأنبياء السابقين؟
الحقيقة أن السؤال عميق ومهم، وقد أشار هو إلى الجواب باختصار، وهو أن هذا إنما هو مما يؤكد أن الأصل في البشرية الدين والتوحيد والعبودية لله تبارك وتعالى، وبهذا نفهم كيف كان لقوم نوح عليه السلام، وهم يكذبونه، كما حكى ربنا تبارك وتعالى في سورة المؤمنون قولهم: «وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَائِكَة مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ» هنا اعتراف منهم بحقيقتين: أن الخالق هو الله سبحانه وتعالى، ثم الحقيقة الثانية تسمية الملائكة، ومن الحقيقتين تتولد جملة من الإيمانيات التي يجحدونها، وهو أن الله تبارك وتعالى قادر، وأن الملائكة يختلفون عن بني البشر، وأن لهم قوى وملكات غير قوى البشر وملكاتهم،
هذا ما تأتى لهم إلا من ميراث النبوات، منذ آدم عليه السلام إلى سيدنا نوح، فلما انحرفوا في هذه المعتقدات التي جاء بها الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، جدد الله تعالى لهم إرسال الأنبياء والرسل ليحيوا فيهم معاني الإيمان والتوحيد والعبودية لله تبارك وتعالى،
وهذا يدحض ما عليه كثير من الماديين اليوم، سواء كانوا من أبناء جلدتنا أو من غيرهم، الذين يزعمون أن الإنسان الأول كان مشتتا لا دين له، باحثا عن هدايات، ويصور بصورة المتوحش البربري الذي لا يعرف شيئا ولا يهتدي سبيلا، آيات كتاب الله عز وجل ناصة أن آدم عليه السلام قد أسجد الله تبارك وتعالى له الملائكة، وأن أبناءه كانوا من بعده على هذا الدين، وهكذا جاء ذكر شيث، وذكر إدريس قبل نوح عليه السلام، بل قيل: بين نوح عليه السلام وآدم عشرة قرون كانوا فيها على التوحيد،
فلما انحرف هؤلاء القوم بعث الله سبحانه وتعالى من يجدد لهم معالم الدين،
فالخلاصة أن قوم نوح أخذوا ذلك مما تواترت به أخبار النبوات، أي إنه أثر من آثار الوحي، من آثار وحي الله تبارك وتعالى الذي جاء به الأنبياء والرسل جميعا،
وهذا الأمر يصدق أيضا إذا نظرنا إلى قوم عاد وثمود، فإن الله تبارك وتعالى أيضا قص علينا في سورة فصلت: «قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة»، أيضا قالوا نفس القول، فهذا يعني أنهم أخذوه من ميراث النبوات السابقة،
ولذلك فإن بعض أهل العلم، لا سيما من حذاق المفسرين، يقولون إن هذا الذي جاء به الأنبياء والرسل من هذه الحقائق الإيمانية المتعلقة بالغيب صار عقيدة ضرورة في بني البشر، ولذلك فإنهم لا يجادلون فيه، وإنما يشككون في دعوات الأنبياء والرسل،
فقوم نوح على سبيل المثال زعموا أن البشر متساوون، ولذلك لا يمكن أن يكون رسول من بني البشر، واعترضوا على نوح عليه السلام أنه لا بد أن يكون من الملائكة، وأن الله تعالى لو شاء لأنزل ملائكة،
وكذا الحال بالنسبة لقوم عاد وقوم ثمود، فإنهم ما أخذوا ذلك إلا مما وصلهم من أخبار الوحي عبر الأنبياء والرسل، وما تواتر من أخبارهم وأنبائهم إليهم، فصار عقيدة بالضرورة، فلا يجادلون فيه، وإنما يستعملونه للرد،
ثم اتخذوا هؤلاء الملائكة من بعد، اتخذوهم شفعاء وسموهم، ونسبوهم إلى الأنوثة، وقالوا فيهم ما قالوا،
أما في دعوة سيدنا إبراهيم عليه السلام فالأمر أوضح، أن أهل مكة الذين اتخذوا الملائكة إناثا وتقربوا إليهم ليقربوهم إلى الله تبارك وتعالى، فإنما أخذوا ذلك أيضا من دعوة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، التي هي أيضا امتداد لدعوة الأنبياء والرسل قبلهما،
إذا لا يمكن التفسير إلا بمثل هذا الوجه،
ومن زعم بأنهم إنما أخذوه من لسان أنبيائهم ورسلهم ليحاجوهم به، فيعني معنى هذه الشبهة أن هؤلاء الأقوام ردوا على الأنبياء والرسل بما جاؤوهم به، فهم لا يؤمنون به، وإنما هم يحتجون عليهم بقولهم: فأخبروهم بأن الخالق هو الله تبارك وتعالى، وأن له خلقا يجب الإيمان بهم وهم الملائكة، فقالوا: إذا لم لا يرسل الله ملائكة.
فهذا أيضا لا يستقيم؛ لأنهم هم أحوج ما يكونون إلى نقض الدعوة من أصلها، ولذلك فإن دعوى تساوي البشر، وأنه لا يمكن أن يخص أحد منهم بالرسالة، باقية إلى يومنا هذا، هذه مما يوهمون به عامة الناس، لكنهم لا يشككون في الحقيقة نفسها، ويطلقون الاسم، كانوا سيقولون: كما زعمت، كما تدعي، كما تفتري، إلى غير ذلك مما لا يدخرون في عداوتهم للأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام.
ويلحق هذا من باب الاستطراد باختصار أن السماوات سبع، فإننا نجد أن خطاب نوح عليه السلام لقومه فيه إقامة الحجة عليهم ببيان بعض الآيات في هذا الكون، أن السماوات سبع، ولم يعترض أحد منذ ذلك الوقت إلى يومنا هذا في مثل هذه القضية، ولذلك قالوا بأن هذا من الإيمان الفطري الضروري، اكتسب مما تواترت به دعوات الأنبياء والرسل، وهذا يؤكد ما أكده القرآن الكريم: «كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين»، أي كان الناس أمة واحدة فاختلفوا، فبعث الله، هذا والله تعالى أعلم.
