مختصون: تنشئة الأبناء على السمت والحفاظ على الهوية مسؤولية مشتركة
أكد مختصون في شؤون الأسرة أن تنشئة الأطفال على السمت العماني مسؤولية مشتركة تبدأ من الأسرة والمجتمع، للحفاظ على الهوية الوطنية وترسيخ القيم التي عُرف بها المجتمع العماني عبر الأجيال.
وأوضحوا في استطلاع لـ"عمان" أن السمت ليس مجرد مظهر أو سلوك، بل منظومة متكاملة من الأخلاق والاحترام والتسامح والانتماء للوطن، وأشاروا إلى أن المؤسسات التعليمية والمجتمعية تلعب دورا مهما في غرس هذه القيم.
تقول ريم بنت هلال اليعربي متخصصة في مناهج وطرائق تدريس الدراسات المجتمعية، بجامعة السلطان قابوس: إن تعزيز السمت العُماني لا يتحقق من خلال التلقين أو الاكتفاء بالمشاركة في المناسبات الوطنية، بل عبر جعل الهوية جزءًا حيًا من تفاصيل الحياة اليومية يشعر بها الطفل والشاب في المدرسة، وحتى في طريقة تفاعله مع مجتمعه، ومن أبرز المبادرات التي يمكن أن تُحدث أثرًا حقيقيًا تشمل تصميم منصات وتطبيقات تفاعلية تعرف الأجيال بالموروث العُماني بأسلوب رقمي قريب من اهتماماتهم، إلى جانب دعم المشاريع الطلابية التي تربط القيم العُمانية بالابتكار والعمل المجتمعي، كما أن إدماج الهوية العُمانية داخل الأنشطة التعليمية الحديثة، مثل الألعاب التعليمية والواقع المعزز وصناعة المحتوى الرقمي، يجعلها أكثر حضورًا وتأثيرًا لدى الأجيال الجديدة.
وتشير إلى أنه يمكن ربط الأبناء بالموروث العماني بطريقة عصرية وجاذبة، خاصة أن الجيل الحالي يتفاعل مع الصورة والتجربة والتقنية أكثر من الأساليب التقليدية، لذلك أعتقد أن الحفاظ على الموروث العُماني يحتاج إلى إعادة تقديمه بلغة العصر دون أن يفقد أصالته، فعندما نروي التاريخ من خلال الأفلام القصيرة، أو نحول الحكايات الشعبية إلى ألعاب وتجارب رقمية، أو نتيح للأطفال استكشاف البيئات العُمانية عبر تقنيات تفاعلية، فإننا لا نحافظ على التراث فقط، بل نجعله حيًا وقادرًا على الاستمرار، كذلك من المهم إشراك الأبناء أنفسهم في إنتاج هذا المحتوى، لأن شعورهم بأنهم جزء من حفظ الهوية وصناعتها يعزز ارتباطهم بها بصورة أعمق من مجرد تلقي المعلومات عنها.
القيم العمانية
وتؤكد ريم اليعربي، أن تنشئة جيل متمسك بهويته العُمانية تبدأ من بناء علاقة عاطفية وفكرية حقيقية بين الأبناء ووطنهم، فالطفل عندما يشعر بالفخر بثقافته، ويفهم تاريخ مجتمعه، ويرى انعكاس القيم العُمانية في حياة أسرته اليومية، فإنه ينمو بصورة أكثر توازناً ووعياً بانتمائه، موضحة أن الأبناء اليوم لا يحتاجون إلى الحماية من العالم بقدر حاجتهم إلى أساس قوي يمنحهم القدرة على الانفتاح بثقة دون أن يفقدوا هويتهم، ومن هنا يأتي دور الأسرة؛ فالطفل يلتقط تفاصيل الانتماء من طريقة حديث الأسرة عن الوطن، ومن احترامها للعادات والقيم، ومن حضور اللغة والثقافة العُمانية داخل المنزل، ذلك لأن الأبناء اليوم يعيشون في عالم سريع ومفتوح، ولذلك فهم بحاجة إلى جذور ثابتة تمنحهم التوازن.
وردا على سؤال "كيف نُخرج جيلاً يعتز بقيمه الوطنية وقادرًا في الوقت نفسه على مواكبة التطورات الحديثة" أفادت اليعربي: لا يوجد تعارض حقيقي بين الاعتزاز بالهوية ومواكبة الحداثة، بل إن المجتمعات الأكثر قدرة على التطور هي التي تنطلق من وعي واضح بذاتها وقيمها، نحن بحاجة إلى جيل يمتلك مهارات المستقبل والتقنية والتفكير النقدي، لكنه في الوقت نفسه يدرك خصوصية مجتمعه ومسؤوليته تجاه وطنه، ويتطلب ذلك نظامًا تربويًا يربط بين القيم الوطنية والتطبيق العملي، بحيث يرى الطالب أن الانتماء لا يقتصر على الشعارات، بل يظهر في جودة العمل، واحترام المجتمع، والحفاظ على البيئة، والقدرة على تمثيل سلطنة عُمان بصورة مشرفة في العالم الرقمي والعلمي والمهني، مؤكدة أن الهوية الحقيقية ليست عائقًا أمام التطور، وإنما هي الإطار الذي يمنح التطور معنى واتجاهًا.
منظومة وطنية
وفي السياق ذاته، تقول سمراء بنت رمضان الزدجالي، متخصصة في فلسفة التربية في مناهج وتدريس الدراسات الاجتماعية: لتعزيز السمت العماني بين الأطفال والشباب أقترح إطلاق منظومة وطنية متكاملة ترتكز على ثلاثة مسارات تتضمن تجربة المحاكاة السلوكية المبكرة للأطفال من خلال تحويل الآداب العمانية المتعلقة بالسمت العماني إلى تطبيقات ذكية أو تنظيم مخيمات عملية افتراضية لمحاكاة بعض الآداب مثل آداب التحية والسلام، وآداب المجالس والضيافة، أما المسار الثاني فيشمل على التأصيل الرقمي للشباب عبر مختبرات صناعة المحتوى القيمي في مراكز الشباب لتمكينهم من إنتاج مقاطع مرئية تعكس الوقار والهوية العُمانية، بالتوازي مع برامج السمت الرقمي لتعزيز رصانة الحوار الإلكتروني والترفع عن الفتن.
كما يشمل المسار الثالث إعداد دليل استرشادي موحد، أو توفير حقائب تربوية تدعم الأسرة باعتبارها النواة الأساسية لحماية الهوية الوطنية من المؤثرات الخارجية، مع قياس أثر هذه المبادرات دوريًا عبر مؤشرات أداء علمية ترصد التغير السلوكي والمعرفي للأجيال.
واقترحت سمراء "لربط الأبناء بالموروث العُماني بطريقة عصرية وجاذبة، يجب تحويل التراث من مادة تاريخية جامدة إلى تجربة تفاعلية يومية تواكب اهتمامات الجيل الحالي، وذلك من خلال اعتماد مجموعة من الخطط تتمثل في تحويل الألعاب العُمانية القديمة إلى ألعاب إلكترونية ثلاثية الأبعاد للهواتف الذكية، إضافة إلى دمج تقنيات الواقع الافتراضي في المتاحف كمتحف عُمان عبر الزمان، لتمكين الطفل من معايشة المعارك البحرية أو بناء الأفلاج افتراضيا، وإطلاق مسابقات شبابية لصناعة محتوى مرئي من أجل إبراز جماليات الزي العُماني، أو السمت، أو الفنون الشعبية بأسلوب "الترند" العصري.
القصص التراثية
وذكرت أن تصميم غرف ترفيهية للأطفال يعتمد على حل الألغاز المستوحاة من التاريخ العُماني والقصص التراثية للوصول إلى الكنز، وإنتاج سلاسل قصص مصورة وشخصيات كرتونية لأبطال خارقين يستمدون قوتهم وقيمهم من التراث والهوية العُمانية، إضافة إلى تنظيم رحلات تخييم ومغامرات للشباب لاستكشاف المحميات الطبيعية، والأفلاج، والحصون، وربطها بمهارات البقاء والاعتماد على النفس، وتشجيع الناشئة على تطوير مشاريع ريادية مصغرة، كإعادة تصميم المندوس أو الفخاريات بهوية بصرية، أو استخدام النفايات السمكية بطريقة حديثة تناسب الجيل الحالي.
وأردفت قائلة: إن الهوية لا تُورث بالتلقين والأوامر، بل تُكتسب بالقدوة والمعايشة الحية، والبيت هو الحصن الأول لأبنائنا، ولحماية أبنائنا وغرس الهوية العُمانية والسمت الأصيل في نفوسهم وسط أمواج العولمة الرقمية، يجب أن يكون الآباء القدوة، فالأبناء يراقبون سلوككم؛ فالتزام بالسمت العُماني، والوقار في الحديث، واحترام المجالس، والترفع عن صغائر الأمور رقميا وواقعيا، هو أقوى درس يتعلمونه دون كلام، إلى جانب تحويل البيت إلى بيئة تفاعلية، فلا يجعل التراث مادة جافة؛ موضحة ضرورة مشاركة الأبناء القصص التاريخية كحكايات شيقة، واصطحاب الأطفال للمجالس والملتقيات، وزيارة الحصون والمتاحف وجعلهم كرحلات ترفيهية ممتعة ومكافأة لهم.
وأكدت على ضرورة عدم تنفير الأبناء من التكنولوجيا، بل مواجهة شغفهم الرقمي لخدمة هويتهم؛ وتشجيعهم على استخدام الأجهزة الذكية لإنتاج محتوى يبرز جمال سلطنة عُمان، أو برمجة ألعاب مستوحاة من تاريخهم، وضرورة منحهم الثقة والأمان النفسي ليعتزوا بهويتهم وبزيهم العُماني وبقيمهم أينما ذهبوا، ليكون لديهم حصانة ذاتية تمنعهم من التأثر بالعادات الدخيلة عبر الإنترنت.
أدوات العصر
وبينت سمراء الزدجالي أنه لإخراج جيل يجمع بين الأصالة والمواطنة الصالحة وبين المعاصرة والتمكين الرقمي، يجب تبني استراتيجية التكامل الذكي حيث لا يرى الشاب تعارضا بين زيه العُماني وقيمه، وبين إتقانه للذكاء الاصطناعي وعلوم المستقبل، وذلك من خلال عدة خطوات أهمها غرس القيم عوضا عن سياسة المنع والحجب الرقمي، كما يجب تدريب الأبناء على مهارات التفكير النقدي، ليميزوا بين ما ينفعهم من التطور العالمي وما يتنافى مع هويتهم وعقيدتهم، وتشجيعهم على استخدام أدوات العصر مثل البرمجة، والذكاء الاصطناعي، وصناعة المحتوى لخدمة وطنهم، كأن يقوم الشاب ببرمجة تطبيق لتعليم السمت العُماني، أو تصميم مجسمات ثلاثية الأبعاد للحصون الأفلاج، إضافة إلى دعم الريادة الاجتماعية القائمة على القيم من خلال توجيه الشباب لحل مشكلات مجتمعاتهم المحلية مثل قضايا البيئة، أو المياه، أو الطاقة المتجددة باستخدام التكنولوجيا الحديثة، مما يعزز لديهم شعور المسؤولية الوطنية كـمواطنين عالميين بهوية عُمانية، وتقديم نماذج قدوة معاصرة من خلال تسليط الضوء على العلماء، والمبتكرين، ورواد الأعمال العُمانيين الشباب الذين حققوا إنجازات عالمية مع تمسكهم التام بوقارهم، وهويتهم، وسمتهم العُماني الأصيل.
بيئة مناسبة
يقول يونس الصابري، مدرب في السمت: إن السمت العماني يتمثل في الأخلاق والقيم والآداب العُمانية الأصيلة التي يغرسها الأجداد والآباء جيلا بعد جيل، ومن أبرز القيم التي تميز الشخصية العمانية ويجب غرسها في الأجيال الجديدة هي عدم التدخل في شؤون الآخرين، والتي تعد من القيم الإسلامية الثابتة لما توفر من قدر كبير لاحترام الآخرين ولتحقيق الأمن المجتمعي بين جميع شرائح المجتمع، وأن الأسرة هي نواة هذه القيم والعادات ولا يمكن أن يعوض دورها أي جهة.
وأوضح أن المدرسة تسهم في تعزيز السلوكيات والقيم العمانية الأصيلة لدى الطلبة، وذلك من خلال توفير بيئة مناسبة للتدرب على السمت بصورة مستمرة وتقديم برامج ومسابقات بالتعاون مع مجلس الآباء وجهات مختصة أخرى، مشيرا إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي كانت سببا مباشرا في تغيير بعض سلوكيات الشباب وهويتهم الثقافية، وحث على ضرورة خلق توازن بين الانفتاح على العالم والمحافظة على السمت العماني، وذلك من خلال التوعية بضوابط التواصل الصحيح في العالم المفتوح وغرس القيم الأصيلة، وتفعيل دور الأسرة وتثقيفها في كل ما يستجد في العالم المفتوح.
وتطرق الصابري إلى أن القدوة الحسنة هي الباب الذي يحفظ الهوية والأخلاق لأن عدم وجودها يعني اتجاه الشباب للتقليد الأعمى، مما يؤدي إلى إصابتهم بالتخبط والتشتت وضياع الهوية، موضحا أن الأعمال التطوعية تساعد على تعزيز الانتماء، فحين تضع الشباب في عمل تطوعي لخدمة المجتمع والتفاعل معه، وإحساسهم بالمسؤولية المطلوبة منهم تجاه المجتمع، مما يولد لديهم حب العطاء والتسمك بالعادات والقيم.
وحول دور المؤسسات الدينية والثقافية والإعلامية في ترسيخ السمت، أفاد يونس الصابري: لوزارة الأوقاف والشؤون الدينية دور أصيل وأساسي، ولابد من الاستفادة من خطبة الجمعة وبيئة المسجد التي يلتقي فيها الناس، ويتكامل الدور مع المؤسسة الإعلامية التي هي وعاء كل الجهود الأخرى في النشر والتوعية، مشيرا إلى أن بعض العادات والقيم العمانية بدأت تتراجع لدى الجيل الحالي مثل قيمة الجار والتعاون في الأحوال اليومية، وأكد على ضرورة تعزيز قيم الاحترام والتسامح والتعاون لدى الأطفال والشباب، من خلال تثقيف الوالدين أولاً في هذا الشأن وإدراكهم لمسؤوليتهم، ومن ثم ربط ذلك بالمسؤولية المجتمعية، كما أن البيئة المحيطة والأصدقاء تلعب دورا مهما في تشكيل سلوكيات النشء؛ فالبيئة لابد أن تكون صحية لأنها أن لم تكن كذاك مع وجود الأصدقاء غير الصالحين تؤثر وتشتت جهد بقية المؤسسات.
