No Image
عمان الثقافي

طين الحكاية الأولى.. وهواجس الكتابة في دوائر السّرد الثّلاث

30 مايو 2026
30 مايو 2026

حمود سعود 

«لا أؤمن بالحدود التي تفصل بين الأجناس الأدبيّة التي وضعها ضبّاط جمارك الأدب». إدواردو غاليانو

تجلس وحيدا تحت الشّجرة، تُراقب بصمت حركة الأوراق والظّلال، ثمة أصوات لطيور في الشّجرة، هل تبحث عن فكرة الآن؟ الفكرة لأيّ شيءٍ؟ للحياة، أم للقلق، أم للكتابة؟ وقبل السّؤال تفكّر في الطّائر الذي يتراقص بين الأغصان، وعن هجراته وتحوّلاته، وعن خفّته التي تموسق الزمن، هل يحمل هذا الطائر حكاياته؟

يرصد الطّائرُ الرجلَ الجالسَ تحت الشجرة بعين لا تربكها الحكاية والزمن.

يتسرّب صوت معزوفة من نافذة جارك، تنصت أكثر للمعزوفة، ترجعُ رأسك المزدحم بالأفكار والقلق اليوميّ إلى الجدار، أذنك تحاول أن تغوص في المعزوفة المنسابة من النافذة المفتوحة، عيناك تُراقبان حركة الظّلال، بماذا تفكّر الآن؟ وفيما يُفكّر جارك العاطل عن العمل الآن؟ أنتما لا تفكّران في الحكاية نفسها؟ فهو ربّما يرمّم حكاياته بالزّمن والخيبات، وأنت تجرح الزّمن بالحكاية، والطائر بينكما لا زمن له سوى التّرحال، وربّما نام الجار المنصت لمعزوفته المأساويّة، ليرى في الحلم ما لا يراه في واقعه.

أفكّر في الحكاية، في الدّهشة الأولى، في الشرارة الأولى للنص، كيف تتخمّر في رأسك المُثقل بالتفاصيل، كيف تشتعل الفكرة الأولى للحكاية؟ في الشهقة الأولى لولادة الحكايات من فم الساردين والجدّات المنسيّات.

لا أدري أين كان جدّنا الجاحظ يمشي أو يجلس عندما قال لنا: «المعاني مطروحة في الطّريق، يعرفها العجميّ والعربيّ، والبدويّ والقرويّ، والمدنيّ» ، وفي أيّ لحظة قال ذلك، في هدوء الفجر، أم في ضجيج النّهار، أم مع قلق اللّيل؟

ربّما كان خارجًا من سوق في بغداد، وقد انتشى بروائح التوابل القادمة من الهند، أو تدحرجتْ إلى أذنيه حكايات التّجار والمسافرين، أو أدهشته حكاية من لسان أعمى يجلس على باب السّوق، أو ربّما كان عائدًا من كتابة ملاحظاته عن قطّ جائع، أو عصفور منتشٍ بالصباح الشتويّ في البادية.

أين لاحظ جدّنا الجاحظ تناثر المعاني في الطرقات؟ هل يقصد الواقع اليوميّ المَعيش (في قاموسنا المعاصر)؟ أم الأفكار التي تتزاحم في رأس المرء؟

ما بين عصفور السّارد المُنتشي بالظّلال، وبين عصفور الجاحظ يتمدّد سؤال الحكاية، حجر السّرد الأوّل. من أين تتفجّر ينابيع الحكاية؟ من الواقعيّ اليوميّ، أم من خيال السّارد، أم من هشاشة اللّغة وتحوّلاتها، أم من هضاب التّاريخ وحكايات الأسلاف؟ ربّما تتشكّل الحكاية من كلّ هذا الخليط المتناثر من الينابيع، تظلُّ عين السّارد ومخيّلته هي التي تحدّد كيف تمضي الحكاية في دروب السرد؟

في لحظة التفكير في الحكاية وتشكّلها، لمحتُ مجسّمًا لوحيد قرن بلاستيكيّ صغير في الأرضيّة، وكان مُغطّى بالأزهار السّاقطة من الشجرة، حاولتُ الرّبطَ بين أسئلتي الخاصّة عن طين الحكاية والمشهد المتجسّد أمامي، هل يمكنني أن أنحت من مجسّم لوحيد قرن مرميّ في فناء بيت في منطقة صحراويّة حكايةً معتمدّة على مخيّلة السّارد، والواقع المتخيّل؟ ماذا لو كان وحيد القرن الذي لمحته قد أسقطته يد الجارّ الضّجر من الحياة؟ ماذا لو أفرط الخيال قليلا عن الواقع؟

لمْ ألتفتْ إلى الأسئلة الملحّة عن الحكاية، انحزتُ إلى المخيّلة الخادعة، وما بعد الشرارة الأولى للفكرة، رأيتُ وحيد القرن مرميّا بين ألعاب الطفل في الطابق الثاني من البيت، أهمل الطفل حيواناته وغاباته، أخذته السيارات وألعاب الشاشات، ظلّ وحيد القرن ورفاقه مهملين في غرفة الطفل المُختطف في متاهات السرعة ووحوش الشاشات. في الشهر الثاني رأى وحيد القرن أطراف شجرة تطلّ من نافذة الغرفة، لم تصدّق عيناه ما رأت، تذكّر غاباته وسلالاته، أطلق صوته، ارتعب الطفل النائم من الصوت، عاد إلى نومه متخيّلا أن الصوت خرج من وحوش الشاشة.

أثناء نوم الطفل وأحلامه التقنيّة، قفزت كائنات الغابة من نافذة الغرفة المُطلّة على حديقة البيت، لم تجد غاباتها، لكنّها وجدت أشجارا تشبه بلادها، تمدّد وحيد القرن تحت الشجرة، متخيّلا غاباته البعيدة، أسقط الطائر من الشجرة بعض الأزهار البيضاء، غطّتْ الأزهار جسد وحيد القرن، ونام، ولم يلتفت إلى الرجل الجالس بالقرب منه، الذي أشغلته أسئلة الحكاية، ومتاهات السّرد.

تأمّل السارد ما سرده الآن، لاحظ أنّ الخيالات المتكررة أفسدت النصّ. السّارد هنا تخيّل حكاياته، ووحيد القرن تخيّل غاباته، والطفل تخيّل وحوش شاشاته؛ فالأوّل أشغلته أسئلة السرد، والثاني دفعه الخيال ليكسر ضجر المكان وإهمال الطفل، والثالث -الذي لا نعلم عنه شيئا- قد أفسدته لعبة الخيّال، ورعب وحوش الشاشة.

قد تفسد هذه الحكاية لأنّ وحيد القرن لم يسرد حكاياته، وكيف تحول في مخيّل سارد كسول إلى لعبة لطفل نائم ومحرّك لنهر السرد، وتفسد لأنّ الطفل الوحيد لم يسرد قصّته هو الآخر، ولماذا سلبته وحوش الشاشات من لعبة الحياة والطفولة؟

لم تجب حكاية وحيد القرن المتخيّل عن أسئلة طين الحكاية، أغلقت الشاشة الخالية من وحوش الشاشات ولعبة الخيال، سأحاول مرّة أخرى لعلّ فشل السرد لا يعني فشل الأسئلة.

قبل أن أدخل في متاهات الحياة والواقع في الصباح، تذكّرتُ سؤال السرد، ومحاولتي الفاشلة في الربط بين الواقعيّ والمتخيّل. قبل أن أرتدي عمامة الوظيفة، رأيت السؤال في المرايا، يُحدق في عيني: كيف تشتعل الشرارة الأولى للحكاية؟

حاولت تجاهل السؤال، لن أحمله معي إلى المكتب، فالمكاتب أصبحت فخاخا للنميمة والكراهية، تركتُ السؤال تائها في المرايا. في الطريق رأيت رجلا بجلّابيّة بيضاء، قال لي إنّه يريد أن يذهب إلى المدينة، مقرّ النادي الاجتماعيّ للجالية السودانيّة. وبعد كسر جليد البدايات بدأ الرجل السودانيّ سرد حكايته، دون مقدّمات ولا أسئلة، قال ونظراته إلى الأمام:

«أنا عثمان علي محمود، محامي. عشت عمري كلو في السودان. فجأة جات الحرب دي وقلبت بينا الدنيا. عندي أولاد وأحفاد، اتنين من ولادي قتلتهم قوّات الدعم –ربّنا يرحمهم– والبنات بقن في مصر وتشاد وليبيا. جيت أنا هنا مع الحاجّة (مراتي) وأمّي وولدي الصغير. والله يا ولدي، الليالي إللي عشناها كانت صعبة شديد. كنّا ساكنين في ولاية جنوب كردفان، وما كنت أتخيّل أبدا أنّي أخرج من السودان، لكن الحرب هي الحرب.

كانت رحلة طويلة، تشرّد وجوع، لكن الحاجة إللي كسرتني بالحقيقة دموع أمي، وقسوة الرصاص والقتلة. الزول ما عارف كيف الشر دخل في عروقهم وانصهر في جلودهم، كأنّهم ما بشر».

صمت، وصمتُّ.

عند الإشارات المروريّة توقّف عن الحديث، نزلت دمعة من عينيه، همس لنفسه: اللون الأحمر صار يرعبنا. حتى لو كان مجرّد إشارة مرور بعيدة عن بلادنا. تذكرنا بنقاط التفتيش.

تذكّرتُ أسئلة السّرد، هل يمكنك أن تحوّل هذا الحديث لرجل ستينيّ مغترب نازح إلى طين الحكاية؟

لا يمكن أن تبدأ الحكاية من ولاية كردفان؛ حيث طفولة السيّد عثمان طه محمود، فالحكاية ليست مضجرة لنبدأ من الطفولة، بل جارحة ومزلزلة؛ لأنّ الواقع أكثر رعبا من مخيّلة سارد لا يدرك ويلات الحروب وقبحها.

لنبدأ الحكاية من رجل منتحرٍ على بوّابة النادي الاجتماعيّ للجالية السودانيّة في مسقط، وفي المشرحة، الشرطة تبدأ الشخصيّة بسرد حكاياته، معتمّدة على مذكراتها وأحلامها، ومن خلال ذلك كلّه تظهر ظلال الحرب وأنيابها.

الحرب والتشرّد، كيف يمكنهما أن تدفعا رجلا مغتربا إلى الانتحار تاركا خلفه امرأتين وابنا؟

نزل الرجل حاملا معه حقيبة بيضاء، وشكرني دون أن يسألني بماذا كنت أفكّر، بابتسامته قال: «يا ولدي، القتلة بقوا محاصرين العالم كلّه. ما في مكان آمن».

يا إلهي! كم عانى هذا الرجل ليصل إلى العامرات، كيف تكدّسَ التعب والحزن في عينيه وصوته.

في الطريق إلى مقرّ العمل، حاولتُ تجاهل فكرة وحيد القرن الساقط من غرفة الطفل، والرجل السودانيّ الناجي من جنون الحرب.

لعلها تكون أفكارا ضبابيّة لجوهر الحكاية، وإذا كانت المعاني مطروحة على قارعة الطريق، فمن يحكم على هذه الأفكار، أو النواة الأولى للحكايات بأنها ليست جيدة؟

قبل أن أجيب عن هذا السؤال القلق، وأنا على طاولة العمل، دحرج الرجل المجاور لطاولة مكتبي دون أيّ مقدمات -وكأنه في فيلم سينمائيّ- حكايتَه، وهو يشخبط بقلم على ورقة بيضاء:

«أنت تعرف أنّ حبّوتي أصلها من الجبل الأخضر، وقصّتها تنفع تكون فيلم، أبوها نزل من الجبل في الستينيات بعد الحرب، يريد يترزّق ويعيش، كان الوضع في الجبل صعب جدا، قالوا له، ما تحصل شغل غير في مطرح أو تسافر خارج عمان، ولما وصل مطرح اشتغل في الميناء، وجلس فترة طويلة، يمكن خمس سنوات، وتزوّج من مطرح، بنت معلمة القرآن، وبعدها قال لهم أروح أزور حيّاني، ولما راح ما رجع، وماتت زوجته في مطرح، بقيت بنتها، وخذتها خالتها، وعاشت في روي، وبعدها بسنوات رجع أبوها يبحث عنها وعن أمها، وحصل بنته كبرت، وأمها ميتة، خذ بنته ورجع إلى الجبل، بس ما سكن في الجبل، بنى بيت في بركة الموز، واشتغل حارس مدرسة، وكنا نزورهم، بس حبّوتي اللي انولدت في مطرح، ماتت أيام كورونا».

لم أسأله عن خيوط الحكاية، وماذا عمل الرجل في مطرح، ولماذا لم يرجع بعد زيارته أهله، وعن فجوات الأمكنة والأزمنة؛ لأنّني أدركت أنّ الأسئلة تفسد لذة الحكاية، وجمال الحكايات بفجواتها وخيالها الجامح. ولم أسأل عن اسم الحبوة وأبيها، وعن حنينها إلى مطرح وطفولتها.

دخلت في دوّامة العمل والأوراق والاجتماعات، وتناسيت الجاحظ والسودانيّ ووحيد القرن و«الحبوة» المدفونة في بركة الموز.

الدوائر الثلاث والأسئلة الحرجة عن الحكاية، ظلّت تلح عليّ في المساء. من أيّ طين تتشكّل حكايتنا؟ أين تكمن الشرارة الأولى للنصّ؟ أفي الخيال أم الواقع؟ في الغرائبيّة أم الواقعيّ؟ في المعيش أم التاريخيّ الماضي؟

عدتُ إلى البيت متناسيا أسئلة السرد وطين الحكايات، وضعتُ رأسي على وسادة النوم، وفي الحلم رأيتُ الطفل الذي رحل قبل عامين، قبل أن تستحضره مخيّلة السارد ليرمم لها أسئلتها، وبعدها رأيت الرجل السودانيّ عائدا إلى بلاده التي لا تشبه جراحه ويتمه، وقبل أن أخرج من الحلم رأيتُ المرأة المدفونة في بركة الموز تعود إلى طفولتها في روي.

نهضت مرتعبا من الوجوه التي رأيتها، وانسابت المعزوفة من نافذة جاري المفتوحة، هنا همست لنفسي: طين الحكاية وفضاءاتها تندسّ في حياة جاري العاطل عن العمل.

حمود سعود قاص عماني