No Image
بريد القراء

عندما يكون الفرح "إصرارا على الحياة"

26 مايو 2026
26 مايو 2026

في هذا اليوم العظيم يحتفل عالمنا العربي والإسلامي بعيد الأضحى المبارك الذي جاء هذا العام وسط اهتزازات وأحداث دولية غطت على الكثير من الأنباء، وفتحت أمامنا سجلات قديمة لم نكن ندرك مدى صعوبتها إلا عندما احسسنا أن الشعوب قد تقلق بما يحيط بها من أحداث، ووسط هذا التوجس العالمي من اضطراب الغير مسبوق الذي يعيشه العالم في جميع قاراته ودوله، هذا التزاحم في التحالفات والمصالح يخبرنا بأن الأمل ربما تنقطع حباله إذا ما لم يحكّم الساسة عقولهم ويغلبوا مصالح شعوبهم باتخاذهم السلام راية للتعايش بين الأمم والشعوب.

العيد دائما بالنسبة لنا عبارة عن وجه آخر للفرح، فنحن نكافح من خلاله جميع مخاوفنا، ونتحدى به كل الظلام الذي تريده الأرواح الشريرة زرعه في نفوس الناس، لذا يظل هذا العيد هو ظل الطائر الذي يحلق في السماء، ونرقب حركاته بعيون يملأها الشوق والحنين لنيل جزء من أسس السعادة.

إن مثل هذه المناسبة الدينية، لنا فيها الكثير من المواقف والتفاصيل التي نذكرها من فترة إلى أخرى، نتذكر أن أبواب الفرح لا تغلق مهما كان الواقع حزينا ومؤلما، فقد فطرنا منذ الأزل على حب الحياة والعيش بسلام وطمأنينة.

منذ زمن طويل وأنا معجب جدا بمن قال:" الفرح ليس إنكارا للمعاناة البشرية، بل هو إصرارٌ على الحياة"، أي أن السعادة ليست مجرد رفاهية مصطنعة أو شعورا عابرا في الوجود، بل هي مقاومة واعية لكل ما يحيط بالإنسان من أحداث جسام وصعوبات وأحزان، فالبشر في تحد مستمر في وجه اليأس.

والقول السابق هو تأكيد على أن قدرة الإنسان على صناعة الفرح من خلال ما ينعكس على ذاته ورغبته في الخروج من مستنقع الأزمات، والعمل على تجاوزها أو البعد عنها نهائيا، عندها يصبح الفرح هو المرادف الأصيل لمعنى استمرارية الحياة والإنسان معا، وهما بذلك "وجهان لعملة واحدة " من خلال تداخل هذه العلاقة وتوازنها الدائم.

ليس بعيدا عن ذلك، تبدأ حكاية العيد بزمن الطفولة، ونظرتنا إليه لا تتعدى كونه حدثا استثنائيا ننتظر قدومه بشغف، فكل تفاصيله وان بدت غامضة بعض الشيء وبسيطة لدى البعض، وغير مهمة بالنسبة للآخرين، يظل صدى صوته يتردد بين ثنايا الأماكن عبر الزمن، فالفرح بقدوم العيد ليس مجدر وقت هامشي يأتي ثم ينفض سريعا.

ففرحتنا بالعيد كان لها بريق لامع، ورداء مزركش بألوان زاهية، ورائحة عبقه لا تنفد من أرواحنا مهما داهمنا الكبر وتغيرت نظرتنا لهذا الحدث السنوي، لأن للعيد مكانة راسخة كرسوخ الجبال على الأرض.

العيد في الأدب الإنساني قد يكون رواية عشق أزلية، لا علاقة لها بمن يمضي من حولنا أو بمن فقد من بيننا، فالحياة لا تتوقف عند منعطف الغياب، وإنما تتشعب الطرقات وتنفصل الأرواح وهذه سنة الحياة في هذا الوجود، ولكن يبقى العيد ذلك الرفيق الودود، والملتقى الذي يلم شمل العائلات ويجمعها في مكان واحد وزمان واحد، وأيضا يمثل للبعض النقطة الفاصلة ما بين ذكريات "الأمس واليوم" حتى وإن لم تعد الصورة أقل بكثير عن جمال ما قد مضى!.

في فرحة العيد، يرى بعض الناس شيئا لا نراه نحن العامة، فثقافة الفرح بقدوم العيد في نظرهم لا تكون بين ليلة وضحاها، وإنما هي امتداد زمني ومكاني يترسخ في عمق الذاكرة، وتصبح طقوسه نوعا من الإرث الوطني والإنساني معا، حتى وان اختلفت طرق التعبير عن الفرح أو درجات الشعور به، لكنه في النهاية يدور في فلك القيم المجتمعية، والمشاعر الإنسانية التي يحتفل بها الناس عبر مناسباتهم، وتجعلهم ينتظرون قدومها بفارغ الصبر سواء كانوا "صغارا أو كبارا".

العيد هو استشفاف إنساني لبواعث الفرح وأماكن تواجده، وبالتالي هو أيضا ذلك التعبير الصادق عن ما تختزله النفس من مشاعر في صور عدة، فالعيد ليس يوما عاديا، بل هو تعبير عن منهج الحياة، وكيفية التعايش مع صعوباتها وأحوالها خاصة إذا أدركنا أن منهج الحياة يقوم على منظومة التوازن "الإنساني" مع كل شيء.

في مفهومنا البسيط، يبقى العيد ناقصا عندما نتفقد من كان معنا بالأمس واصبح اليوم غائبا عن المشهد، لهذا نرى أن الذاكرةَ نفسها تصبح جرحا نازف بالآلام، فالكثيرون ممن فقدوا أحباءهم في الأعياد السابقة، وصارت "تهنئة العيد" تعني لهم زيارة المقابر والترحم على من ينام بها، وهذا ليس أمرا مذموما أو محرما إنما هو تذكير بحتمية الموت.