بريد القراء

جبل عرفات يتسامى في عمق التاريخ

25 مايو 2026
25 مايو 2026

ما بين بكاء ودموع وانكسار وضعف ويقين وأمل، يقف اليوم ضيوف الرحمن على صعيد عرفات الطاهر يؤدون ركن الحج الأعظم، في ثاني أيام الحج.

ومنذ الأزل، يقف جبل الرحمة بعرفات شامخًا في الأفق، صامدًا أمام تقلبات الزمن، وكأن قامته الفارعة قد تسامت في عمق التاريخ دون اكتراث بما يدور حوله من عوامل تعرية أو تقلبات مناخية يتحدث عنها العالم ويهابها البشر، فهذا الجبل يمثل رمزية عظيمة في نفوس المسلمين في كل مكان، ويتجاوز كونه مجرد مكان جغرافي؛ فهو معلم روحي وتاريخي راسخ ارتبط ببداية البشرية، ومحطة لأعظم الأحداث التي شكلت التاريخ الإسلامي ومسيرة الأنبياء، فالله تعالى هو حامي الحمى منذ أن خلق الأرض ومن عليها، فتبارك الله أحسن الخالقين.

في هذا المكان الطاهر، وبين جموع الأمة الإسلامية التي جاءت من أماكن متفرقة من أوطان الدنيا، وبين تكوينه الصخري، يقف جبل عرفات منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم كنقطة فارقة في حياة المسلم وبلوغ ذروة حجه لله تعالى، ففي عرفات الطاهر تحط ذنوب التائبين الطائعين المنيبين إليه سبحانه، فيعود الحاج إلى أهله كـ«يوم ولدته أمه»، نظيفًا من أدران الذنوب وأوساخ الخطايا وشوائب النفس الضالة، ويعود إلى أرضه وقد غفر الله له جميع ذنوبه.

يقول الله سبحانه: «الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ» البقرة: الآية 197.

وفي عرفات يقدم الحجاج عبرات التوبة والرجوع عن المعاصي، فلا تسمع من أنين أنفسهم غير النشيج والبكاء والتضرع والخوف من لقائه، ولا ترى غير الأيدي الممدودة نحو رب السماء، وكأنها تطرق أبواب الرحمة، لعل الله تعالى يستجيب لنداءات الغوث والرحمة.

أيادٍ ممتدة تجتذب حبل الغفران من الأفق البعيد، وتتعلق بأستار الغيب رغبة وطمعًا في استمطار توبة من الله تمحو ما أسلفت أيدي الغافلين المقصرين في حقوق الله تعالى والناس.

في عرفات تختلط المشاهد ما بين حاج وآخر، فآلاف من الحجيج يتسلقون قمة الجبل، وآخرون يسلكون الطرق المؤدية إليه ليقضوا ما تسنى لهم من الوقت في عرفات بالتلبية والدعاء، وأنين التضرع إلى الخالق سبحانه برجاء رحمته ومخافة عذابه وطمعًا في قبول أعمالهم الصالحة.

إن مشهد يوم عرفة مختلف عن سائر أيام العام، ففي هذا اليوم تخشع القلوب، وتنكسر الأبصار، وتمتد الأعناق شاخصة إلى رب العباد، إنه يوم عظيم من أيام السنة، ففي هذا اليوم تتنزل الرحمات، ويباهي الله ملائكته بحجيجه وهم يفدون إليه من كل فج عميق ليقفوا في مكان واحد يرجون منه العون والعفو والصفح الجميل.

الواقفون في عرفات ينظرون إلى يومهم هذا على أنه يوم يأتي من عالم آخر، ويشعرون بأنه انقطاع حقيقي عن مباهج الدنيا التي عرفوها طيلة أيام العام، فالمكان الذي يقفون عليه الآن هو الأقرب إلى الله عز وجل، كون مشاعرهم وأحاسيسهم تسمو إلى أفق الإخلاص سواء في الدعاء أو الرجاء، فما يرونه أمام أعينهم ما هو إلا مشهد تعبيري مصغر عن يوم «الحشر الأعظم» الذي أخبرنا عنه تعالى في قرآنه الكريم، وما أوردته السنة النبوية الشريفة.

من أجمل ما يقتبس من قول في هذه المناسبة الإيمانية الراسخة في عمق التاريخ الإسلامي، ما قيل: «يوم عرفة ميلاد جديد لروح المؤمن»، فبين تكفير سنة مضت وأخرى باقية، وعتق محقق من النيران، يخرج المسلم بصحيفة بيضاء وقلب ملأه التوحيد، فاغتنم أيها الإنسان المؤمن بالله، العارف بتعاليمه الإسلامية الحنيفة، هذا الميثاق الرباني، واجعل من «خير الدعاء» جسرًا تعبر به نحو رحمة الله التي وسعت كل شيء، لتتحول العبادة من عادة إلى حياة.