توسيع اللقاءات الإعلامية بداية التغيير في نمط العمل الحكومي
20 مايو 2026
20 مايو 2026
حتى وقت قريب هناك من الوحدات الحكومية منذ إنشائها لم تعقد أي لقاء إعلامي تستعرض فيه خططها السنوية، ومؤشرات قياس الأداء، والجانب الأهم معرفة مستوى الرضا والتقدم في الخدمات المقدمة للجمهور.
ولكن ذلك قد لا يستمر طويلا؛ فهناك توجيهات عليا لجميع الوحدات الحكومية بعقد لقاءات إعلامية - قد تكون سنوية -، وهذا لُوحظ بشكل مكثف خلال هذه الفترة.
من شأن تلك التوجيهات إيجاد تغيير في نمط العمل الحكومي عن طريق زيادة المساحة الإعلامية بين الوحدات الحكومية وأفراد المجتمع؛ لفتح المجال لهم في معرفة أداء تلك الوحدات، ومدى تقدمها في تنفيذ اختصاصاتها والأعمال المكلفة بها. كما أنها تفتح بابا أوسع من تدفق المعلومات والبيانات والأرقام عن أداء الوحدات الحكومية، ومعرفة أوجه الخلل والانحرافات التي قد تعترض التنفيذ حسب الخطط والبرامج التنموية المعتمدة.
اللقاءات الإعلامية السنوية التي تعقدها الوحدات والأجهزة الحكومية التي تشرف على القطاعات الإنتاجية والاقتصادية والتجارية والعمل والتشغيل أداة فاعلة لمتابعة المسار الزمني لتنفيذ البرامج المحددة بالخطة الخمسية الحادية عشرة؛ بحيث لا تكون وسائل الإعلام فقط التي تعلم بتلك الخطط، بل أيضا تكون لدى المواطنين الدراية بتلك البرامج ما يظهر جانبا أفضل من الشفافية في أعمال الوحدات والأجهزة الحكومية.
على سبيل المثال؛ في اللقاء الإعلامي لجهاز الاستثمار العماني الذي عقد مؤخرا تصريح من مسؤولي الجهاز نحو زيادة مشاركة إحدى محافظ الجهاز مستقبلا في المشاريع التنموية بالمحافظات؛ بحيث لا يكون هناك مشروع تنموي يتعرقل أو يتأخر في التنفيذ.
مثل هذه المبادرات تبعث على الطمأنينة بين أفراد المجتمع، وتعطي انطباعا بأن استثمارات جهاز الاستثمار العماني ليست في الشركات الحكومية والاستثمارات الخارجية فقط، وإنما هي قريبة من المواطنين. خلال الفترة الماضية لوحظ وجود حراك إعلامي من الوحدات الحكومية بقيامها بتنفيذ لقاءات إعلامية للحديث عن أعمالها وإنجازاتها ومشاريعها المستقبلية. الوحدات الحكومية قامت بالتوسع في دعوة الإعلاميين والصحفيين والكتاب ووسائل الإعلام المختلفة، وهذا يتناسب مع مسمى اللقاء، ولكن لا يمكن تحويله لينقل اللقاء الإعلامي نفس الصورة التقليدية في استعراض ومقارنة المنجز مع المخطط؛ وبالتالي يعطي إيماء غير مباشر لبعض المؤثرين بوسائل التواصل الاجتماعي وقيامهم بإضفاء عبارات المدح والثناء للمسؤولين، فهذه جوانب ينبغي تجنبها؛ حيث إن أولئك المؤثرين لا يمثلون المجتمع. اللقاء الإعلامي يفترض أن يكون بابا مفتوحا، والهدف والغاية منه التركيز على دعوة فئات تمثيل المستفيدين من الخدمات التي تقدمها الوحدات الحكومية؛ لأن تلك الفئات هي التي تحكم على كفاءة الأداء ومدى تحسن جودة الخدمات.
لإضفاء مزيد من فاعلية اللقاءات الإعلامية؛ فإن الوحدات الحكومية بحاجة إلى إعادة نظر في توسيع قاعدة الحضور والمشاركة وتنوع الفئات التي تُستضاف. على سبيل المثال؛ خلال حضوري لبعض اللقاءات الإعلامية لاحظت تكرار نفس الوجوه من الإعلاميين والصحفيين مع غياب لافت لمن يسمون أصحاب المصلحة (Stakeholders).
لنقرب الفكرة؛ في القطاع التعليمي ينبغي أن يكون اللقاء الإعلامي يشمل مجموعات مختلفة من الطلبة والمعلمين، وأولياء الأمور ومؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات التعليمية والأكاديميين ورؤساء الجامعات وهيئات الاعتماد، ومن لهم علاقة بقطاع التعليم العالي والمدرسي. وهذه ينطبق على القطاع الصحي، وقطاع العمل والتشغيل وقطاع التنمية الاجتماعية فأصحاب المصلحة ينبغي أن يكونوا حاضرين وفاعلين في اللقاءات الإعلامية التي ترتبط بقطاعاتهم.
مثل ذلك التنوع الذي أشرنا إليه يكون أكثر فاعلية في التفاعل بين مسؤولي الوحدات الحكومية والحضور، ومن ضمنهم الفئات الإعلامية والصحفيون الذين وظيفتهم التغطية الإعلامية لتلك اللقاءات. أيضا من المناسب لتوسيع قاعدة المشاركة التي أشرنا إليها قيام الوحدات الحكومية استحداث نظام إلكتروني يتيح دعوة أصحاب المصلحة تسجيل رغباتهم حضور تلك اللقاءات الإعلامية بنظام مبسط شبيه بالمعمول به عند اختيار المشاركين في الملتقى السنوي «معا نتقدم». ولتفعيل اللقاءات الإعلامية، وإيجاد علاقة مباشرة بين المواطنين والوحدات الحكومية يكون هدفها رفع مستوى جودة الخدمات، فإن رفع صفة «السيادية» عن بعض الوزارات ومنها -على سبيل المثال- وزارة الأوقاف والشؤون الدينية يعتبر دليلا على توسيع قاعدة المشاركة، وتفعيل آليات المتابعة والمساءلة.
ولعل المقصد من ذلك أن تلك الوزارة منحت تلك الصفة في العقود الماضية لجوانب تقدرها الدولة؛ وبالتالي انسجاما مع تكاملية الخدمات المقدمة للمواطنين، فإن تحويلها إلى فئة «وزارات الخدمات» أكثر ملاءمة؛ لأن أغلب الأعمال والاختصاصات التي تقوم بها الوزارة هي جوانب خدمية يحتاج لها المواطن والمقيم.
كما يستطيع في مراحل لاحقة مجلس الشورى إلزام الوزارة - كسائر الوزارات الخدمية - بتقديم التقارير السنوية التي توضح المشاريع التي تنفذها، ويستطيع أيضا مجلس الشورى دعوة وزيرها لتقديم بيان للمجلس عن اختصاصات وزارته. هذا التغيير في صفة السيادية يفتح بابا أوسع للوزارة لتوسيع قاعدة اللقاءات الإعلامية لشريحة أوسع لأصحاب المصلحة المستفيدين من خدماتها.
اللقاءات الإعلامية التي أصبحت أغلبها سنوية تفتح المجال واسعا ليس فقط للنمط التقليدي في قيام الإعلاميين والصحفيين والمدعوين بطرح الأسئلة والحصول على إجابات عليها، ولكن تمثل نقلة نوعية في توسيع قاعدة الإفصاح المعلوماتي المتعلقة بأعمال وخطط ومبادرات وبرامج الوحدات الحكومية من حيث استعراض ما وصلت إليه من مراحل تنفيذية لمشاريعها التشغيلية والتنموية. وفي ذات الوقت الوحدات الحكومية تستمع مباشرة من شرائح أكثر من الجمهور، وتتوسع دائرة الملاحظات والمداخلات من الحضور الذين هم من خارج الوحدة الحكومية. وبالتالي تستطيع الوحدات الحكومية معرفة آراء المجتمع مباشرة دون وسيط من وسائل التواصل الاجتماعي التي في مجملها تأخذ الأسلوب النقدي الهجومي دون معرفة الأسباب والتحديات ومسارات العمل المنجزة.
في اللقاءات السنوية تتمكن الوحدات الحكومية الحصول على تغذية راجعة (Feedback) من المجتمع تقوم بعد ذلك بمواءمة تلك التغذية مع مؤشراتها وإنجازاتها. ففي أحيان كثيرة ترى الوحدات الحكومية بأنها حققت إنجازات عالية من خلال تقاريرها السنوية، ونسب الوصول للمستهدفات مقارنة بالخطط التشغيلية، ولكن من خلال التغذية الراجعة أثناء اللقاءات الإعلامية تكتشف بأن هناك جوانب بحاجة إلى تكثيف، وبأن هناك جوانب يرى أفراد المجتمع بأنها من الأولويات بينما تراها الوحدات الحكومية من الجوانب غير الأساسية، أو ليس لها تأثير بمستوى الخدمات التي تقدمها للمجتمع، وهي في الحقيقة غير ذلك.
اللقاءات الإعلامية التي تعقدها الوحدات الحكومية هي مرحلة تغيير في نمط العمل الحكومي تساعد في بناء علاقة تشاركية بين مسؤولي الوحدات الحكومية والمواطنين. فعندما يشعر المواطن بأن صوته مسموع، وبأنه قريب من المسؤول الحكومي يستطيع التفاعل معه، وطرح همومه وأفكاره، ويتعرف على التحديات التي قد تواجه الوحدات الحكومية في مراحل التطوير والتنفيذ والمتابعة؛ فإن ذلك يولد علاقة إيجابية بين أفراد المجتمع ومسؤولي الوحدات الحكومية، وتقل مساحة التذمر والسخط من بعض فئات أفراد المجتمع عن مستوى الخدمات المقدمة لهم.
توسيع اللقاءات الإعلامية التي تعقدها الوحدات الحكومية تغييرا في نمط العمل الحكومي بحيث لا تعمل بمنعزل عن أفراد المجتمع المتلقي لخدماتها. فمن خلال تلك اللقاءات تتمكن الوحدات من عمل التقييم الذاتي، ومعرفة نقاط القوة والضعف والفرص المتاحة لزيادة فاعلية أنشطتها وبرامجها بحيث تكون الصورة أكثر وضوحا للحضور، ولأفراد المجتمع الذين يتلقون ما يدور في اللقاءات الإعلامية عبر وسائل الإعلام المختلفة. أيضا ما يتم في اللقاءات الإعلامية من تصريحات المسؤولين والمتحدثين الرسميين يصبح تصريحا رسميا يعلم به الكافة من الداخل والخارج؛ وبالتالي مخرجات تلك اللقاءات سواء في شكل مشاريع أو مبادرات أو برامج مجتمعية وتنموية ينبغي أن تكون ميثاق عمل تجتهد الوحدات الحكومية في تنفيذه، وليس تطلعات مستقبلية تحدث، أو قد لا تحدث على أرض الواقع.
