No Image
رأي عُمان

وعي النخب في زمن التحولات الكبرى

19 مايو 2026
19 مايو 2026

تمر منطقة الخليج والعالم العربي بمرحلة تتجاوز معنى الأحداث المتفرقة التي تتناقلها الأخبار كل يوم. ما يبدو في الظاهر أنه حرب أمريكية إسرائيلية على إيران، والخليج متأثر بتداعياتها، هو في العمق حركة أوسع تعيد ترتيب موقع المنطقة في العالم؛ ولهذا تبدو الحاجة ملحّة إلى وعي نخبوي جديد قادر على قراءة التحولات في سياقها الكبير وعلى نقل النقاش العام من ردود الفعل السريعة والانفعالية إلى الفهم الهادئ لما يتشكل أمامنا.

كشفت الأحداث أن المنطقة لم تكن على هامش النظام الدولي كما جرى تصويرها طويلا في الأدبيات السياسية، وظهرت منطقة الخليج باعتبارها الرئة التي يتنفس منها العالم ويستمد جزءا معتبرا من طاقته واستثماراته. وشهدت المنطقة في العقود الأخيرة استثمارات عابرة للقارات. منح هذا التحول المنطقة وزنا متزايدا لكنه وضعها في الوقت نفسه أمام اختبار فكري وسياسي وثقافي بالغ الدقة. فالموقع الجغرافي والقدرة المالية والاستقرار المؤسسي تمنح فرصا كبيرة، غير أن تحويل هذه الفرص إلى مشروع تاريخي يحتاج إلى وعي قادر على إدراك المعنى العميق للمرحلة.

هذا التحول حمّل النخب الثقافية والفكرية والإعلامية مسؤولية كبيرة، فإذا كانت في الأزمنة العادية تكتب وتعلّق وتحلل فإنها في الأزمنة الانتقالية تقوم بوظيفة أعمق؛ تساعد المجتمع على فهم ما يحدث وتمنحه لغة منظمة يرى من خلالها علاقته بالعالم وتربط الوقائع اليومية بسياقها التاريخي والسياسي والاقتصادي. وحين تضعف هذه الوظيفة يضيق المجال العام وتتحول القضايا الكبرى إلى سجالات عابرة وتفقد المجتمعات قدرتها على التمييز بين التحول الحقيقي والضجيج المحيط به.

تحتاج النخب الخليجية والعربية اليوم إلى مغادرة كثير من العادات القديمة في التفكير؛ فالخلافات البينية والاشتغال بالتصنيفات الصغيرة والجدل حول مسائل محدودة الأثر كلها تستهلك طاقة رمزية كان يمكن أن تتجه إلى أسئلة أوسع. من يصوغ مستقبل الأمن في المنطقة؟ كيف تنتقل اقتصاداتنا من الوفرة إلى الإنتاج المعرفي؟ ما موقع الثقافة العربية في عالم الخوارزميات والمنصات؟ وكيف نحمي دولنا من التفكك ومن الجمود في آن واحد؟ وكيف نبني علاقة صحية بين الهوية والانفتاح؟ هذه الأسئلة أحق بالنقاش من كثير من المعارك اللفظية التي تملأ الفضاء العام ثم تختفي دون أثر.

ليس المطلوب من النخب أن تتحول إلى أجهزة تبرير ودعايا سطحية. إن قيمتها الحقيقية تظهر حين تجمع بين الحس الوطني والقدرة النقدية وبين الانتماء للمجتمع والانفتاح على العالم، وبين احترام الدولة وطرح الأسئلة الصعبة حول المستقبل. فالمجتمع الذي يريد أن يتقدم يحتاج إلى نخب تفكر معه لا فوقه، وتشرح له دون وصاية، وتختلف بروح الحرص عليه، وتنتقد برغبة في الإصلاح لا في الهدم. وهذه معادلة دقيقة، لكنها جوهرية في لحظة تتغير فيها قواعد القوة والمعرفة بسرعة كبيرة.

إن بناء وعي خليجي وعربي جديد يبدأ من إدراك أن المنطقة تدخل زمنا جديدا لم يعد الأمن فيه ملفا عسكريا والثقافة لم تعد شأنا نخبويا معزولا، ولم يعد دور الإعلام نقل الأخبار. تداخلت هذه المجالات في بعضها البعض، وكل خلل في فهم أحدها ينعكس على بقية المجالات؛ لذلك فإن الوعي المطلوب اليوم وعي تركيبي يرى العلاقات بين الأشياء ويفهم أن السيادة في القرن الحادي والعشرين تصنعها المعرفة بقدر ما تصنعها الحدود وتصونها المؤسسات بقدر ما تصونها القوة. ستستمر التحولات سواء أحسنّا قراءتها أم تأخرنا عنها، غير أن الفرق بين المجتمعات يظهر في قدرتها على تحويل التحول إلى معرفة عامة ثم إلى رؤية ثم إلى سياسات وممارسات. ومن هنا تبدأ مسؤولية النخب؛ فالأمم التي تعجز عن تفسير لحظتها التاريخية تعيش داخل تفسيرات يصوغها الآخرون. أما الأمم التي تمتلك نخبا واعية ومتصلة بأسئلة عصرها فإنها تدخل المستقبل وهي أكثر قدرة على فهمه والمشاركة في صناعته.