التكنولوجيا المالية والتنويع الاقتصادي
18 مايو 2026
18 مايو 2026
تبذل سلطنة عُمان جهودا في تحقيق تقدم أكبر في البرنامج الوطني للتنويع الاقتصادي «تنويع»، أثمرت هذه الجهود قدرة الاقتصاد العُماني خلال السنوات الماضية على خفض نسبة الاعتماد كليا على موارد النفط والغاز إلى أقل من 70 دولارا أمريكيا في الميزانية العامة للدولة.
ورغم ذلك ما زالت نسبة الاعتماد على الطاقة مرتفعة في ظل التوجه العالمي نحو توظيف أدوات الطاقة النظيفة في الاقتصاد العالمي، وتقليل الاعتماد على طاقة الكربون.
وفي ظل الأهمية الكبرى للتكنولوجيا المالية «Fintech» ودورها في تسريع برامج ومبادرات التنويع الاقتصادي، فإن سلطنة عُمان تتميز عن غيرها من البلدان بعدة مقومات وفرص تجعلها قادرة على قيادة الاستثمارات في التكنولوجيا المالية من خلال التمكين والتسهيلات الاستثمارية التي تقدمها الحكومة للمستثمرين سواءً في المناطق الاقتصادية والحرة أو في المركز المالي العالمي الذي يتم الاشتغال عليه حاليا في مسقط، ما يؤهل سلطنة عُمان لإحراز تقدم أكبر في التنويع الاقتصادي مقارنة ببلدان كثيرة عبر الاشتغال على استقطاب الاستثمارات في التكنولوجيا المالية التي تقدم حلولا مبتكرة تسهّل الوصول إلى المستخدمين.
إن التكنولوجيا المالية بمفهومها الواسع هي توظيف التقنية والابتكار بهدف تطوير وتحسين العمليات المالية وتبسيطها وأتمتتها، مما يسهّل وصولها للمستهلكين بكفاءة عالية؛ حيث تشمل مجموعة من التطبيقات، مثل الخدمات المصرفية عبر الهاتف النقال، والدفع الإلكتروني، وإجراء العمليات البنكية والمصرفية مثل: الاقتراض والتحويلات البنكية، إضافة إلى تداول العملات المشفرة والـ block chain، وبالتالي فإن التكنولوجيا المالية مفيدة وذات جدوى للوصول إلى الأفراد والمؤسسات والشركات بتكلفة أقل وبطريقة أسرع، خاصة في المناطق التي تواجه تحديات في الاستفادة من الخدمات المصرفية بالطرق التقليدية؛ لعدم توفرها ربما أو لأسباب أخرى.
فالتكنولوجيا المالية باتت ضرورة لدورها في تحسين وتطوير العمليات المصرفية، وتقليل المخاطر الناجمة عن العمليات البنكية والمصرفية بالطرق التقليدية، وتعزيز الأمان، مما يسهم في جعل العمليات المصرفية أكثر شفافية ومرونة.
أرى أن التوجه للتكنولوجيا المالية، سيسهم في تحقيق الشمولية داخل النظام المالي لتقديم الخدمات المالية إلى المستفيدين منها وسرعة الوصول إليهم، لذلك أرى ضرورة دراسة مقترح إطلاق صندوق وطني يعنى بتمويل استثمارات التكنولوجيا المالية في سلطنة عُمان تحت مظلة جهاز الاستثمار العُماني بالتعاون مع وزارة الاقتصاد، ما يجعل سلطنة عُمان ليست فقط متلقية ومستوردة للحلول المالية بل مصدرا لهذه الحلول، وبالتالي يتحول الاقتصاد العُماني من اقتصاد يعتمد على السلع إلى اقتصاد معرفي، قادر على استخدام التكنولوجيا المالية وتوظيفها من خلال التفاعل معها.
وأتوقع أن تعيد التكنولوجيا المالية واستثماراتها، تشكيل المشهد المالي في سلطنة عُمان؛ فالتكنولوجيا المالية «Fintech» ليست فقط منظومة دفع كما يتصورها البعض أو تطبيقا للدفع الإلكتروني، بل هي فلسفة في هندسة تدفق الأموال في الاقتصاد؛ ومع جاهزية التشريعات، واعتماد اللوائح والنظم، واكتمال البنى الأساسية الرقمية المرتبطة بالتكنولوجيا المالية، سنكون قادرين على تعظيم الاستفادة من الاستثمارات في الأموال إلى قدرة إنتاجية في القطاعات الاقتصادية ومساهمة أكبر في الناتج المحلي الإجمالي، وبالتالي إحراز تقدم أكبر في التوجه الوطني للتنويع الاقتصادي والبرامج والمبادرات المرتبطة به.
فالتكنولوجيا المالية هي بوابة التنويع الاقتصادي، ومن خلال الدعم المستمر الذي ستقدمه للقطاعات الاقتصادية عبر توظيف الابتكار تسهم في النمو الاقتصادي، وجذب استثمارات رأس المال إلى سلطنة عُمان، إضافة إلى توفير فرص وظيفية للباحثين عن عمل. التطور الذي تشهده سلطنة عُمان في المشهد المالي تحديدا من خلال إنشاء المركز المالي العالمي في مسقط وتطور النظام المصرفي والمدفوعات، يتطلب توسيع نطاق التمويل الإسلامي الرقمي في سلطنة عُمان من خلال تقديم منتجات مالية تتوافق مع الشريعة الإسلامية، بحيث يتم تقديمها بكفاءة رقمية عالية؛ لأن العالم يبحث عن ذلك وسيتفاعل مع هذا التوجه بالترحيب والإشادة.
أيضا من المهم الاشتغال على بناء كوادر وطنية قادرة على التعامل مع البيانات المالية والامتثال والأمن السيبراني بكفاءة وجودة عالية بالاستفادة من أدوات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي؛ وذلك لأن الثقة لا تكتسب بالتقنية وحدها بل تتطلب وجود كوادر بشرية وطنية قادرة على فهم إدارة المخاطر والتعامل معها، وكذلك ضرورة ربط منظومة الدفع في سلطنة عُمان بالمنظومات الخليجية والإقليمية والدولية والتكامل معها أيضا، مما يجعل سلطنة عُمان مركز عبور مالي عالمي. إن التطور الذي يشهده القطاع المالي حول العالم، سيسهم في نمو قطاع المال والأعمال وصولا إلى رفع مساهمتها في الاقتصاد والناتج المحلي الإجمالي وبالتالي المساهمة بفاعلية في التنويع الاقتصادي، خاصة مع قيام الذكاء الاصطناعي بدور فاعل في تحسين الخدمات المالية عبر تطوير أدوات التحليل ورفع كفاءة التنبؤ المالي. وأرى أنّ المؤسسات الصغيرة والمتوسطة القادرة على مواكبة التطور في القطاع المالي، ستكون الأكثر استدامة في نموها بسبب انخفاض التكاليف التشغيلية وتحقيق معدلات رضا للعملاء، بالاستفادة من المنتجات والخدمات المالية المبتكرة التي ستقدمها شركات التكنولوجيا المالية لا سيما في أنظمة المدفوعات وإدارة الأصول بالتكامل مع الحلول الرقمية الأخرى.
