جهاز الاستثمار العُماني واختبار إدارة القيمة
18 مايو 2026
18 مايو 2026
تبدو نتائج جهاز الاستثمار العُماني لعام 2025، للوهلة الأولى، قصة أرقام كبيرة. أعلن الجهاز عن أرباح تقترب من 3 مليارات ريال عُماني وعائد على الاستثمار بلغ 14.6 في المائة وأصول وصلت إلى 23 مليار ريال. وهي أرقام تاريخية دون شك، غير أن الزاوية الأهم في قراءة هذه النتائج تتصل بما تقوله عن طريقة إدارة الدولة لثروتها العامة وعن التحول الجاري في وظيفة الاستثمار السيادي داخل الاقتصاد العُماني.
يتحرك جهاز الاستثمار العُماني، خلال خمس سنوات، من موقع مالك الأصول إلى موقع مدير القيمة؛ فكل ريال كان في حوزته عام 2020 أصبح 1.73 ريال بنهاية 2025، فيما بلغ متوسط العائد خلال خمس سنوات 10.4 في المائة. وهذه مؤشرات تتجاوز أداء سنة استثنائية؛ فهي تكشف قدرة مؤسسية على تحويل المال العام إلى قاعدة تراكم، وعلى بناء محفظة أكثر قدرة على مواجهة تقلبات الأسواق والدورات الاقتصادية.
تكتسب هذه النتيجة أهميتها من طبيعة الاقتصاد العُماني نفسه؛ فالدولة التي تسعى إلى تنويع اقتصادها تحتاج إلى صندوق سيادي يحقق عائدا قويا في الأسواق العالمية، ويعيد في الوقت نفسه تشكيل الاقتصاد المحلي. والتحدي هنا دقيق؛ فالانكفاء على الداخل يرفع المخاطر ويضعف التنويع، والانفصال الكامل عن الداخل يحول الصندوق إلى كيان مالي ناجح محدود الأثر الوطني. وما تعرضه نتائج 2025 هو محاولة لبناء توازن بين العائد والاستثمار المحلي، وبين حماية الثروة وتنشيط الاقتصاد.
يظهر التحول الأعمق في الشركات المملوكة للدولة، فقد كانت هذه الشركات، في كثير من التجارب، عبئا على المالية العامة أو منطقة رمادية بين الخدمة والكفاءة، لكن حين تحقق محفظة التنمية الوطنية أرباحا بنحو 1.8 مليار ريال وبعائد يتجاوز 15 في المائة، فإن الأمر يعكس تغيرا في منطق الإدارة. تستطيع الأصول العامة أن تصبح منتجة حين تخضع لحوكمة صارمة، ومؤشرات أداء واضحة، ومساءلة مؤسسية. وهنا تتحول الملكية العامة من وضع قانوني إلى قدرة اقتصادية.
ويقدم برنامج التخارج، الذي كشف جهاز الاستثمار تفاصيله في لقائه الإعلامي، وجها آخر للتحول؛ فقد نفذ الجهاز 24 عملية تخارج بعوائد تجاوزت 2.8 مليار ريال عُماني أعيد ضخها في استثمارات جديدة. وفي القراءة الاقتصادية، يمثل التخارج الناجح إعادة تدوير لرأس المال، وتقاس قيمته الحقيقية بجودة التوقيت، وعدالة التقييم، وقدرته على توسيع قاعدة المستثمرين وفتح المجال أمام القطاع الخاص. وفي اقتصاد مثل الاقتصاد العُماني، تمثل هذه النقطة شرطا أساسيا للانتقال من اقتصاد تقوده الدولة إلى اقتصاد تشارك الدولة في هندسته وتترك مساحة أوسع للمبادرة الخاصة.
ولا يمكن فصل الأداء المالي عن أثره المحلي؛ لذلك فإن ضخ 2.4 مليار ريال في مشروعات داخلية، وتوجيه مئات الملايين إلى المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، واستحداث وظائف جديدة، كلها مؤشرات على أن الجهاز يسعى إلى ربط العائد بالاقتصاد الحقيقي. فالقيمة الاستثمارية تصبح أكثر أهمية حين تتحول إلى إنتاجية، وسلاسل توريد محلية، وفرص عمل، وقدرات وطنية قادرة على الاستمرار.
وثمّة بعد استراتيجي آخر؛ فمشاركة الجهاز في الزيارات والاتفاقيات الاقتصادية الخارجية تجعل منه أداة للدبلوماسية الاقتصادية العُمانية. وهذا تحول مهم في وظيفة الاستثمار السيادي في لحظة أصبحت فيها الطاقة والغذاء والمعادن والتقنية وسلاسل الإمداد جزءا من مفهوم الأمن الاقتصادي. لذلك يصبح عمل الصناديق السيادية جزءا من سياسة الدولة الخارجية، ومن قدرتها على بناء شراكات طويلة الأمد.
مع ذلك، فإن الأرقام القوية ترفع سقف التوقعات؛ وستقاس المرحلة المقبلة بقدرة الجهاز على استدامة العائد وتعميق الشفافية وضمان أن تتحول التخارجات إلى أسواق أكثر حيوية، وأن تصير الشركات التابعة نماذج للحوكمة الحديثة. إنجاز 2025 مهم لأنه يثبت أن الثروة العامة يمكن أن تُدار بمنطق المستقبل والأهم الآن أن يتحول هذا الإنجاز إلى قاعدة دائمة لاقتصاد أكثر تنوعا، وأكثر إنتاجية، وأكثر قدرة على حماية حق الأجيال القادمة.
