No Image
العرب والعالم

هل تملك إيران كل الأوراق في مضيق هرمز؟

18 مايو 2026
تحليل
18 مايو 2026

واشنطن "د. ب. أ": يثير مضيق هرمز، بوصفه أحد أهم الممرات البحرية للطاقة في العالم، تساؤلات متزايدة حول مدى قدرة إيران على استخدامه كورقة ضغط في صراعاتها الإقليمية والدولية، وما إذا كانت تمتلك فعلا كل أدوات التأثير فيه أم أن ميزان القوى أكثر تعقيدا مما يبدو. هذا ما حاول بول سوندرز، الخبير الأمريكي في السياسة الخارجية وأمن الطاقة والعلاقات الدولية، ورئيس مركز ناشونال انتريست وناشر مجلة "ناشونال إنتريست"، الإجابة عليه في تقرير نشرته المجلة.

ويقول سوندرز إنه في أعقاب تقارير تفيد بأن الصين تخطط لإرسال شحنات أسلحة سرية إلى إيران، يدعي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنه حصل على التزام من نظيره الصيني شي جين بينج بالامتناع عن تسليح "عدو أمريكا في وقت الحرب".

وفي الوقت نفسه، تواصل الولايات المتحدة وإيران تطبيق وقف إطلاق نار "يفتقر للجدية" إلى جانب محادثات تفتقر للجدية أيضا. ويرى القادة من كل جانب أن عامل الوقت المتسارع هو حليف قوي، ويأملون أن تتزايد أوراق الضغط لديهم مع تآكل الإرادة السياسية لدى خصومهم تحت ضغط اقتصادي.

ولا يملك ترامب عددا من "الأوراق" كما كان يأمل لإجبار القادة الإيرانيين، أيا كانوا، على قبول شروطه لإنهاء الحرب، وإغلاق إيران لمضيق هرمز، وإنهاء الولايات المتحدة للحصار البحري على إيران. لكن في المقابل، لا يملك القادة الإيرانيون جميع الأوراق أيضا. والأهم من ذلك أن لعب الأوراق أكثر تعقيدا من مجرد امتلاكها. ويفهم ترامب، الذي شبه العالم مؤخرا بكازينو، على الأرجح ذلك.

لكن هل يفهمه نظراؤه الإيرانيون؟ لا يمكنك أن تمتلك أوراقك وتلعب بها في الوقت نفسه يقول سوندرز إن الشيء المتعلق بلعب الأوراق هو أنه بمجرد أن تلعب ورقة، فإنك لم تعد تملكها.

وقد تعلم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هذا الدرس بتكلفة باهظة على روسيا، أثناء محاولته استخدام صادرات بلاده الضخمة من الغاز عبر الأنابيب إلى أوروبا كأداة ضغط سياسي بعد غزو روسيا لأوكرانيا عام .2022 فقبل أن تقطع روسيا إلى حد كبير إمدادات الغاز عبر الأنابيب في وقت لاحق من ذلك العام، كان لدى بوتين نفوذ كبير على أوروبا. وبعد أن فعل ذلك، تكيف القادة الأوروبيون مع الواقع الجديد، وتلاشى جزء كبير من نفوذ بوتين.

كان ذلك التحرك الروسي مؤلما لأوروبا، لكنه أجبرها على إنشاء نظام طاقة جديد، وهي تفعل ذلك حاليا. كما خسرت روسيا أكبر وأكثر أسواقها ربحية للغاز الطبيعي، ولم تتمكن من تعويض حجم الخسائر أو العثور على عملاء آخرين يدفعون نفس الأسعار. ورغم أن الأوروبيين يدفعون أسعارا أعلى للطاقة، فإنهم يواصلون التكيف دون الغاز الروسي، ومن غير المرجح أن يعودوا لشراء نفس الكميات التي كانوا يشترونها في عام .2021 وخسر بعض القادة الأوروبيين مناصبهم، لكن أوروبا تواصل تسليح وتمويل أوكرانيا بعد أربع سنوات.

ويقول سوندرز إنه من هذا المنظور، سيكون من المفيد لقادة إيران، وكثير منهم يؤكدون براعتهم في "شطرنج" الدبلوماسية الدولية، إعادة التفكير في لعب الورق. ويضيف سوندرز أن النفط والغاز سلعتان مختلفتان، وأسواقهما تعمل بطرق مختلفة. فالنفط أسهل بكثير من الغاز (وخاصة الغاز عبر الأنابيب) في نقله إلى أسواق متعددة، رغم أن خصائصه ومتطلبات المصافي المصممة له تفرض بعض القيود.

والأهم أن نظام الطاقة العالمي قادر على التكيف مع فقدان صادرات النفط عبر مضيق هرمز، لكنه لم يتكيف بعد مع ذلك. وهذا تمييز مهم. وقد ناقش كثيرون بالفعل ما قد يحدث في الأسواق الأمريكية والعالمية عندما تصبح آليات "التكيف المؤقت"، مثل استخدام الاحتياطيات التشغيلية في المصافي وإطلاق المخزونات الاستراتيجية لسد فجوة الإمدادات النفطية، غير مستدامة. وبينما تختلف التقديرات، إلا أن الجميع يتفق على أن أسعار النفط سترتفع بشكل حاد، وأن المنتجات النفطية ستصبح غير متاحة لبعض الاستخدامات الحالية.

وسيؤثر ذلك على إمدادات البنزين والديزل ووقود الطيران، وكذلك على مدخلات تصنيع البلاستيك وأشباه الموصلات وغيرها من المنتجات الأساسية. ويبدو أن القادة الإيرانيين يعتقدون أن خوف ترامب من هذا السيناريو وتداعياته السياسية الداخلية المحتملة سيدفعه نحو التسوية التي يريدونها. وإذا استخدموا هذه الورقة، أي إذا تسببوا في أزمة نفط عالمية تفرض تكاليف مرتفعة بما يكفي لإجبار العالم ليس فقط على التكيف بل على إعادة التكيف، فإن إيران ستفقد نفوذها كما فقدته موسكو.

إنها مقامرة هائلة

أزمة نفط طويلة قد تكون كارثية على إيران ويقول سوندرز إن الأسوأ بالنسبة لطهران أن استخدام هذه الورقة في مجال الطاقة قد يؤدي إلى نتائج سياسية داخل الولايات المتحدة مشابهة لتلك التي أحدثتها أفعال روسيا في أوروبا، بما يتمثل في تصلب المواقف وتزايد الإصرار على الحسم بدلا من التفاوض. والاختلاف هنا أن الولايات المتحدة لديها رئيس واحد، وليس 27 رئيسا ووزيرا، وأنها في حالة حرب بالفعل وليست مجرد متفرج، وأن الأمريكيين الذين يرون الحرب الآن اختيارية قد يعتبرونها ضرورية إذا استمر التعنت الإيراني، وأن القدرات العسكرية الأمريكية تفوق بكثير مجمل القدرات العسكرية الأوروبية (بينما تعد إيران خصما أقل قوة من روسيا).

ولا ينبغي لأحد أن يرغب في تجاوز العتبة التي تؤدي إلى أزمة نفط عالمية حقيقية. فمثل هذه الأزمة ستكون مكلفة لأمريكا وللعالم، لكنها ستكون أسوأ بكثير على إيران وقيادتها وشعبها مقارنة بأي طرف آخر. وبغض النظر عن الوضع الاقتصادي الصعب أصلا في إيران، وإذا كان رئيس الولايات المتحدة أقل تقييدا سياسيا مما هو عليه اليوم، وهو وضع قد يحدث إذا أدت أزمة نفط كبرى إلى مطالبته بـ"فعل شيء ما"، فإن الولايات المتحدة ستتمتع بقدرة تصعيد مهيمنة في كل خطوة على السلم التصعيدي.

وقد تصبح بعض تهديدات ترامب غير المنفذة أكثر واقعية، وقد يجد دعما دوليا جديدا لاتخاذ إجراءات حاسمة. والخلاصة أن إغلاق مضيق هرمز لفترة طويلة هو "ورقة ضغط"، لكنه ليس خطوة حاسمة تنهي اللعبة. وهذا لا يعني أن مسؤولي الإدارة الأمريكية يمكنهم الحصول على كل ما يريدونه من طهران، فإذا نجحوا في التفاوض، فإن النتيجة ستكون بالضرورة تسوية. لكنه يعني أن قادة إيران قد يواجهون مخاطر جسيمة إذا فشلوا في التوصل إلى اتفاق مع واشنطن قبل أن يتسببوا في أضرار طويلة الأمد للاقتصادين الأمريكي والعالمي.