اللاجئون الفلسطينيون .. حلم مسكون بالعودة منذ الخيمة الأولى !
رام الله - محمـد الرنتيسي
يشعر الطفل رضا حمّاد (13) عامًا، بحنين جارف إلى قريته سلمة قضاء يافا، التي هُجّرت منها عائلته إبّان النكبة الفلسطينية عام 1948، ويحلم باللعب واللهو في حاراتها، ورغم أنه لم يرها، إلا أنه يصفها بأنها من أجمل قرى فلسطين، طبقًا لما سمعه من جدّة.
بحسب رضا، ففي ربوع قرية سلمة الجميلة والبديعة، نبع ماء، وأشجار كثيفة تُضفي عليها مناظر خلابة، وما يعرفه أن أجواءها كانت رائعة، ولم يعكر صفوها سوى الاحتلال البغيض، الذي حوّل القرية إلى مجرد أطلال، بفعل تشريد أهلها.
ورغم صغر سنه، إلا أن كلمات رضا تنطوي على بُعد نظر؛ فهو صاحب ذاكرة حالمة بالعودة إلى موطن الآباء والأجداد، ويتحدث عن قريته كما لو أنه يتفيّأ ظلال أشجارها الوارفة، ويشرب من نبعها الصافي، غير أن في ثنايا الكلام، رسائل فيها من الوجاهة والدلالات الكثير، فهو يُجزم أن وجوده حاليًا في مخيم الأمعري القريب من مدينة رام الله، ما هو إلا محطة مؤقتة، إلى حين العودة الحتمية.
يمّني رضا النفس، بأن ينتهي الاحتلال الذي تسبب بتهجير عائلته، ونَهَبَ خيراتها، وألقى ظلًا ثقيلًا على قساوة العيش في المخيم، حيث المنازل البدائية المتلاصقة، والشوارع والأزقة الضيقة، والمياه العادمة التي تنساب بينها، ما يوفّر بيئة خصبة ومرتعًا للأمراض.
يصحو رضا في كل يوم على حياة قاسية، وفي الذكرى الـ78 للنكبة الفلسطينية، بات مشحونًا ومتشوقًا للعودة إلى قريته، لقد كبر قبل الأوان، وأصبح لديه إيمان عميق بأن هذه اللوحات الجدارية المطبوعة على جدران المخيم، والتي تجسّد حلم العودة، ستصحو يومًا على الحقيقة.
وما بين الخيمة الأولى، التي أقامتها عائلته، وخيمة "الطوارئ" المنصوبة على مدخل المخيم؛ لإسعاف الجرحى بفعل اقتحامات الاحتلال المستمرة، يقضي رضا أوقاته متنقلًا، يساعد شبان المخيم في توزيع المساعدات على السكان، هو في الأمعري، لكن قلبه هناك في سلمة، يحلم ببيت له "عليّة" وحديقة، ولسان حاله يقول: "سنرجع يومًا إلى حيّنا.. سنرجع مهما يمرّ الزمان، وتنأى المسافات ما بيننا".
غزة .. محاكاة النكبة الأم
أمام مراكز النزوح في قطاع غزة، يستوقفك طفل كبر قبل الأوان، يحمل كيسًا من الطحين، حمله ثقيل لكن همه أثقل، وثمة جداريات ترتسم على الخيام تجسد معاناة اللاجئين، وحنينهم الجارف إلى الديار، ولوحات علقت على صفحة الزمن، لعلها تصحو يومًا على نبوءة العودة.
ولم يدع كيان الاحتلال ضحيته وشأنها، بل واصل مطاردتها بعد 78 عامًا، مسكونًا بعقدة الرعب والخوف من لعنتها الحتمية، وهذا ما يثبته واقع اليوم في قطاع غزة، الذي يكابد فصول نكبة جديدة، وويلات حرب ضروس، أتت على الأخضر واليابس، وأهلكت الحرث والنسل.
في مخيمات غزة اليوم، التي تحاكي النكبة الأم، يقاوم اللاجئون الحصار والجوع، ويواجهون الاقتلاع، إلى جانب مقاومة محو الذاكرة، التي تُبقي على حلم الاحتلال الأول، بمحو الذاكرة الحالمة بالعودة إلى وطنها الأول، لتعيد ترتيب أوراقه من جديد.
تظهر تناقضات الحياة اليومية في مخيمات غزة، فتجد عجوزًا يجلس على الأرض، وقد شردته نكبة اليوم، هو هنا والقلب هناك.. 78 عامًا وقلبه معلق هناك، قريب من المجدل وحيفا ويافا وعكا وعسقلان، يجلس ليستريح بعد أن هده تعب الخيمة، فهو "من هناك" وله ذكريات وطفولة، ولسان حاله يقول: سأقطع هذا الطريق الطويل.. إلى آخر عمري وإلى آخره.
عودة للمنزل أم القرية؟
يقول أحمد السكني (15) عامًا، المنحدر من المجدل قرب عسقلان: أشعر بمدى الشوق والحنين إلى بلدي، وطالما حلمت بأن ألعب وألهو في حاراتها، فهي كما أخبرني جدي من أجمل قرى فلسطين، وكنت كلما سمعت عن رحلة إلى الداخل الفلسطيني المحتل، أبادر للتسجيل كي أشارك بها، لكن حتى الآن لم أحظ بزيارتها.
وكغيره من أبناء جيله، أدرك أحمد مبكرًا مدى بؤس وشقاوة الحياة التي يعيشها اللاجئون، ولا بد أن لديه مشاعر مختلطة ما بين الأسى والحزن على تهجير عائلته من المجدل، والشوق والحنين الجارف لرؤيتها.
وغير بعيد، بدا أيمن جابر (17) عامًا، أكبر بكثير من سنه، يتصور اللقاء مع قريته (يبنا) قرب الرملة المحتلة، مشحونًا بشوق عظيم لمشاهدتها، فهو يتخيل نفسه دومًا بين أحضان طبيعتها الخلابة، وبين أشجارها الوارفة، وينابيعها التي ارتوى أجداده منها، لكنه يصحو كل مرة على حياة قاسية، فيعيش اليوم في خيمة النزوح دون طعام أو شراب، وسماء مكشوفة للطائرات الحربية وقذائف الدبابات، لكن الأقسى والأصعب أنه يعيش بعيدًا عن وطنه الأم، وفق قوله.
وإذ مرت الذكرى الـ78 للنكبة الفلسطينية، على وقع الحرب الاقتلاعية التي شنتها قوات الاحتلال على قطاع غزة، أصبح للاجئين في غزة رؤية مختلفة في التعامل مع قضيتهم، فهم اليوم يريدون العودة إلى منازلهم، لكن دون الاكتفاء بذلك، إذ يبقى الحلم الأهم، العودة بالوثائق وكواشين الطابور والمفاتيح الحديدية، إلى أرضهم وقراهم، التي أقلعوا منها نحو الخيمة الأولى.
