من حرمة الزمن إلى حرمة الحياة
يدخل شهر ذي الحجة على منطقة مثقلة بأسئلة الحرب والهدن القلقة والخوف الممتد من المدن المحاصرة إلى الممرات البحرية والأسواق وحياة الناس اليومية. وفي هذا التزامن بين زمن روحي عميق وواقع سياسي مضطرب، تتجدد حاجة المنطقة إلى أن تنظر في معنى السلام من زاوية أوسع من حسابات السلاح والردع والربح والخسارة. فالأزمنة الكبرى في حياة الأمم تقاس بما توقظه في الضمير العام من قدرة على المراجعة.
ويحمل شهر ذي الحجة في الذاكرة الإسلامية معنى كبيرا؛ إنه شهر الحج والطريق والعبور والأمان، شهر يتجه فيه الإنسان إلى بيت واحد ومعنى واحد وتجربة واحدة، كأن الأمة تستعيد صورتها الأولى قبل أن تمزقها الجغرافيا السياسية والحدود الصلبة ونزاعات النفوذ. وقد عرفت الثقافة العربية والإسلامية، منذ زمن بعيد، فكرة حرمة الزمن بوصفها طريقة لتهذيب القوة وكبح العنف وحماية العابرين. كان للزمن معنى أخلاقي يحد من اندفاع السيوف ويمنح الناس فسحة آمنة للحركة والتجارة والزيارة والعبادة والحياة.
هذا المعنى القديم يحتاج اليوم إلى صياغة حديثة؛ فالمنطقة التي تؤمن بحرمة الشهر قادرة على أن توسع هذا المفهوم ليصبح حرمة للإنسان وحرمة للمدن وحرمة للمستشفيات والمدارس وحرمة للموانئ والمضائق وحرمة لحق الشعوب في التنمية والأمن والعيش الكريم. يبدأ السلام الحقيقي حين تشعر المجتمعات أن الحياة استعادت مسارها الطبيعي، وأن الناس خرجوا من أسر الخوف والريبة وانتظار الأخبار العاجلة التي تكدر صفوهم وتقلق زمنهم المقدس.
لقد استهلكت منطقتنا قدرا هائلا من طاقتها في إدارة الحروب وتأجيل الانفجارات وتدوير الأزمات. وكل مرة كانت الحرب تقدم نفسها باسم الأمن، كانت التنمية تدفع الثمن. تدمر المدن التي عمرت بأثمان من التضحيات والصبر، وتتآكل الثقة التي تراكمت عبر أزمنة طويلة، وتكبر الأجيال الجديدة على ذاكرة مكدسة بالحصار والنزوح والتهديد والكراهية والرغبة في الانتقام. لذلك يتحول الحديث عن وقف الحروب في ذي الحجة إلى دعوة جادة لإعادة ترتيب الخيال السياسي الذي حكم المنطقة خلال العقود الماضية. فالشعوب تنشد سلاما يتجاوز فكرة الهدنة بين قوتين متعبتين إلى مشروع حياة يفتح الطريق أمام العمل والتعليم والاستثمار والكرامة.
والعلاقة بين السلام والتنمية علاقة جوهرية؛ فمنطقة تعيش على حافة التصعيد يصعب أن تبني اقتصادا مستقرا أو معرفة منتجة أو ثقة طويلة الأمد في المستقبل. وحين تتقدم الحرب على السياسة تتحول التنمية إلى وعد مؤجل، وتصبح الموارد أدوات للبقاء، وتفقد قدرتها على صناعة النهوض. وقد خسرت منطقتنا فرصا كثيرة للحاق بمسارات التقدم بسبب ما أحاط بها من حروب واضطرابات طوال العقود الماضية، ثم وجدت نفسها أخيرا أمام منعطف بالغ الخطورة يهدد بتوسيع دوائر القلق والخراب.
في هذه اللحظة، ومع دخول المنطقة في نفحات شهر ذي الحجة وقدسية أيامه العشرة الأول، تبدو الحاجة ماسة إلى لغة سياسية أكثر هدوءا ورشدا، لغة تدرك أن الحوار هو الخيار العقلاني في مواجهة الصراع، وأن الدعوة المستمرة إلى خفض التصعيد، بما في ذلك التصعيد اللغوي، مدخل لحماية المصالح والناس، وبناء الجسور هو الاستثمار السياسي الأطول عمرا من كل جبهة مشتعلة. وهذه قراءة واقعية لكلفة الخراب، فقد تركت كل حرب في هذه المنطقة أثرا يتجاوز حدودها. ويكفي المنطقة ما عاشته طويلا من انسداد حضاري وسياسي وتنموي.
يدخل شهر ذي الحجة هذا العام كفرصة رمزية واسعة، فرصة كي تستعيد المنطقة شيئا من رشدها الحضاري، وكي تتذكر أن الزمن الذي تعترف له بالحرمة يمكن أن يصبح مدخلا لاحترام الحياة نفسها. والأمم تنهض حين تملك الشجاعة الكافية لتصنع سلاما يحفظ الإنسان ويصون الكرامة ويفتح باب التنمية. ذلك هو المعنى الأعمق للسلام الذي تحتاجه المنطقة اليوم؛ سلام يعيد إلى الحياة حقها في أن تبدأ من جديد.
