كيف تجنَّب العالم «كارثة نفط» حتى الآن ؟
بعد عشرة أسابيع من بداية حرب إيران ما زال اللغز الكبير في سوق النفط يزداد غموضا؛ ففي كل يوم يظل فيه مضيق هرمز مغلقا يُفقَد ما يقارب 14 مليون برميل من النفط أو ما يساوي 14% من الإنتاج العالمي، وتعني الفجوات الزمنية بين الإنتاج والشحن أن بليوني برميل على الأقل قد تختفي من إجمالي إنتاج هذا العام حتى إذا أعيد فتح المضيق اليوم.
ولن يحدث ذلك؛ فالمفاوضات بين أمريكا وإيران لا تفضي إلى شيء، مع ذلك يظل سعر نفط برنت عند 107 دولارات للبرميل، وهذا أقل كثيرا من سعره الذي بلغ 129 دولارا للبرميل في عام 2022 بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا.
كما أنه ليس قريبا بأي حال من السعر الذي توقعه المحللون في حال استمرت حرب إيران، ويتراوح بين 150-200 دولار للبرميل.
أحد أسباب ذلك أن تجار النفط ظلوا متفائلين دائما بتحقيق اختراق دبلوماسي. فنفط برنت لأقرب شهر (وهو أقرب عقد آجل لتسليم النفط والمؤشر القياسي العالمي) يثبِّت سعرا للنفط الذي سيشحن على متن الناقلات خلال شهرين تقريبا.
وكل بضعة أيام يلمح دونالد ترامب إلى أن الحل وشيك مما يجعل السوق مترددة في «تسعير» ثمانية أسابيع أخرى لانقطاع الإمدادات.
لكن مؤخرا كان هنالك شيء آخر يحدث؛ فحتى الأسعار الفورية للنفط هدأت. وتم تداول برنت المؤرخ، الذي يتعقب تحميل النفط في الأيام القادمة، بعلاوة 25 دولارا فوق سعر العقد الآجل لأقرب شهر في أوائل أبريل.
أما الآن فالفجوة السعرية بينهما دولارات قليلة فقط؛ (برنت المؤرخ هو نفط حقيقي مقيَّد بتاريخ شحن خلال شهر أما الآجل لأقرب شهر فهو نفط ورقي في البورصة يشحن بعد شهرين ( المترجم).
يوجد عاملان يفسران تلاشي الرعب: أولهما زيادة القوى النفطية خارج الخليج صادراتها، كما شارك المنتجون الصغار في ذلك أيضا.
لقد بلغ صافي صادرات كندا 400 ألف برميل إضافي في اليوم من النفط والمنتجات البترولية خلال أربعة أسابيع حتى يوم 10 مايو مقارنة بالفترة نفسها في عام 2025.
وساهمت كل من فنزويلا والنرويج بحوالي 200 ألف برميل آخر في اليوم. وأضافت البرازيل 100 ألف برميل في اليوم.
لكن أمريكا كانت الأكثر لفتا للانتباه؛ فصافي صادراتها البترولية الذي قارب 9 ملايين برميل في اليوم خلال هذه الأسابيع الأربعة كان الأعلى في التاريخ ويزيد بحوالي 3.8 مليون برميل عن صافي صادراتها خلال الفترة نفسها في العام الماضي، حسب منصة تعقُّب السفن «فورتيكسا».
احتاجت «ماكينة» الصادرات الأمريكية إلى أسابيع قليلة لكي تبدأ عملها.
فقد كان يلزم توقيع عقود جديدة وإنتاج براميل إضافية أو سحبها من المخزون الاحتياطي وحجز خطوط الأنابيب التي تنقل النفط إلى الساحل، وتفريغ مستودعات التخزين عند محطات التحميل حتى يمكن إعداد مزيج النفط المناسب وربطه برصيف التحميل المناسب.
في مارس قفزت أسعار الشحن من ساحل الأطلسي إلى أوروبا وآسيا، وهما المقصدان الرئيسيان للنفط الأمريكي، وذلك لإغراء الناقلات الجديدة بالتحول إلى هذه الطرق البحرية.
ولتعويض المشترين حطَّم الخصمُ على نفط غرب تكساس الوسيط (مؤشر أمريكا) الرقمَ القياسي مقارنة بكل من برنت ودبي (مؤشري أوروبا وآسيا).
كل هذا ساهم في ضخ كميات كبيرة من النفط غير الخليجي للمستوردين مما قلّص فجوة الإمداد إلى 8 ملايين برميل في اليوم تقريبا.
بل ما هو أكثر احتمالا أن المناطق الكبيرة المشترية للنفط خلال فترة الأسابيع الأربعة المنتهية في 10 مايو استوردت نفطا أقل بحوالي 11 مليون برميل من وارداتها خلال الفترة نفسها في العام الماضي.
فمشتريات الصين وحدها شهدت هبوطا حادا؛ لقد تراجعت بحوالي 6.6 مليون برميل. وبدلا من ابتلاع المصافي الصينية كل النفط المتاح في الخارج اتجهت حتى إلى إعادة بيع بعض الشحنات التي تعهدت بشرائها من غرب إفريقيا إلى مشترين آسيويين.
الهبوط الضخم في الواردات ليس خبرا سعيدا؛ فجزء منه يعكس تدمير الطلب. والنقص في إمدادات النفط أجبر بعض المصافي في آسيا وأوروبا على خفض الكميات المكررة بما يقارب 4 ملايين برميل في اليوم. كما فقدت السوق أيضا 4.4 مليون برميل في اليوم من صادرات المنتجات المكررة من الخليج مما رفع أسعار الديزل والبنزين ووقود الطائرات بنسبة 60% إلى 120% في الأسواق الكبيرة. وهذا أعلى من الارتفاع الذي شهده خام النفط بنسبة 40% في الفترة بين يناير وأبريل.
قلّل المستهلكون مشترياتهم تحت ضغط ارتفاع تكاليف الوقود.
كما خفضت بعض مصانع البتروكيماويات إنتاجها لعدم كفاية حاجتها من النافتا، وهي منتج نفطي آخر ومادة خام أساسية في صناعة البلاستيك.
مع ذلك، تدمير الطلب في معظم التقديرات أقل من 5 ملايين برميل في اليوم مما يشير إلى أن جزءا كبيرا من تراجعه يعكس الحذر وليس الحرمان.
أيضا ربما يعتقد بعض المشترين أن مضيق هرمز سيعاد فتحه قريبا. وهذا يدفعهم إلى تأجيل مشترياتهم إلى أن تنخفض الأسعار.
النتيجة المفاجئة لذلك تشكُّل «تخمة صغيرة» في النفط؛ فكمية النفط العائم على متن السفن ارتفعت في أبريل بعد هبوطها في مارس فيما تراجعت كميات الديزل والبنزين ووقود الطائرات إلى أقل من متوسِّطات خمس سنوات. وهذا يحول دون ارتفاع سعر نفط برنت.
إلى متى يمكن أن يستمر ذلك؟ تشير صور الأقمار الصناعية للأسقف العائمة في المستودعات الصينية إلى أن مخزونات النفط في البر بالكاد تغيرت؛ ويعني هذا ضمنا أن المصافي قلصت الكميات المكررة.
لكن الواردات النفطية هبطت بشدة؛ وهذا يشير إلى أن شيئا ما يحدث أيضا.
يشك مارتين راتس المحلل ببنك مورجان ستانلي في أن نفطا كان محفوظا في تجاويف غير قابلة للمراقبة تحت الأرض نُقِل إلى مستودعات فوق الأرض وغطى النقص في هدوء ودون إعلان عن ذلك.
في الغالب ستتسارع مثل هذه السحوبات من المخزون النفطي. فخلال أسابيع سينتهي موسم الصيانة للمصافي الصينية. وربما ستزيد قريبا صادراتها من المنتجات المكررة مع تخفيف الحكومة الحظر الذي فرضته عليها في أوائل مارس.
تحتفظ الصين بمخزون من النفط يقدر بحوالي 1.2 بليون برميل. وهو كافٍ حتى إذا سحبت ملايين عديدة من البراميل يوميا للإبقاء على الواردات عند معدل منخفض خلال معظم العام.
لكن من المستبعد أن ترغب الصين في الذهاب إلى ذلك الحد. يقول نيل كروسبي المحلل بشركة البيانات سبارتا للسلع «استراتيجيا، لا يريد الصينيون سحب كل مخزونهم في هذا العام». ذلك يعني أن الصين ستستورد نفطا أكثر وباقي العالم نفطا أقل.
المشكلة الأكبر قد تأتي من أمريكا. ففي مارس وافقت الولايات المتحدة على سحب 172 مليون برميل من احتياطيها النفطي الاستراتيجي وذلك كجزء من خطة للإفراج عن النفط المخزون أعدتها الوكالة الدولية للطاقة. سمح لها ذلك بتعزيز صادراتها النفطية بأكثر من 600 ألف برميل في اليوم مع الحفاظ على مخزونات تجارية كافية على الرغم من عدم إنتاجها كميات إضافية كبيرة منذ بداية الحرب.
من المرجح الآن أن تنخفض الصادرات الأمريكية لا أن ترتفع.
وكما هي الحال مع الصين، سينتهي موسم صيانة المصافي قريبا. ومع زيادتها للكميات المكررة قد يُعاد توجيه أكثر من 500 ألف برميل في اليوم مخصصة حاليا للتصدير، حسب تقديرات شركة البيانات «كيبلر».
ما هو أكثر إثارة للقلق أن مخزونات وقود السيارات تهبط بسرعة قياسية. وإذا استمر ذلك قد يدفع الارتفاع في أسعار النفط، حتى إذا كان بسيطا، بسعر جالون البنزين إلى 5 دولارات.
وهذه عتبة سعرية تجاوزها آخر مرة في عام 2022 وتضرر منها سائقو السيارات وأيضا شعبية الرئيس جو بايدن.
في الأسابيع الأخيرة كانت إدارة ترامب تدرس حظرا على تصدير المنتجات المكررة تجنبا لضرر مماثل. وعندما تراوح سعر برنت عند حوالي 100 دولار للبرميل قدَّر أحد المسؤولين نسبة احتمال فرض مثل هذا الحظر بحوالي 35%. هذا الاحتمال أقوى الآن وقد تتجاوز نسبته 50% إذا قفز السعر عند مضخة الوقود في يوم الذكرى الذي يصادف 25 مايو، حسب عدد من المصادر. وسيهز ذلك أسواق الطاقة حول العالم.
حتى إذا لم يجعل ترامب الأمور أكثر سوءا سيستمر تناقص المخزونات النفطية في كل مكان. لقد اشترت أمريكا والصين وقتا للعالم. لكنه مع ذلك سيواجه كارثة نفط إذا استمر إغلاق مضيق هرمز.
