نشر ملفات الأطباق الطائرة يخدم أجندة ترامب!
ترجمة: أحمد شافعي
أفرجت وزارة الدفاع الأمريكية عن الدفعة الأولى من ملفاتها الخاصة بالأطباق الطائرة في الأسبوع الماضي بتوجيه من الرئيس دونالد ترامب الذي وعد بنشرها «بناء على ما ظهر من اهتمام هائل بها».
وترامب محق بالطبع؛ إذ يؤمن قرابة نصف الأمريكيين بأن كائنات فضائية قد زارت الأرض، ويؤمن كثيرون بأن الحكومة الأمريكية تحشد الأدلة على ذلك في مختبر خفي ما، أو في قاعدة عسكرية سرية.
وقد بدأت نظرية المؤامرة هذه سنة 1947 في روزويل بولاية نيومكسيكو عندما أصدر مطار روزويل العسكري بيانا صحفيا بشأن تحطم «قرص طائر»، ثم لم تختف هذه النظرية قط اختفاء حقيقيا.
لكن لماذا الآن؟ يرجع نشر هذه الملفات جزئيا إلى سنين من الضغط المستمر الذي مارسته فئة مريبة من جماعات الضغط في مسألة الأطباق الطائرة من قبيل «المُخبر» لويس إليزوندو وجيريمي كوربيل وتوم ديلونج من فرقة (بلينك-182) الموسيقية؛ إذ استغل هؤلاء جميعا ركيزة الإيمان بالوهم في الولايات المتحدة وحققوا ثروات طائلة من ومحاضرات وصفقات كتب وأفلام «وثائقية» في قناة (التاريخ).
ويتصادف أيضا أن نظرية المؤامرة الخاصة بالأطباق الطائرة مثالية بالنسبة لترامب؛ ولذلك فإن نشر ملفاتها يتلاءم تماما مع قواعده في اللعب. فمنذ نزوله على السلم المتحرك في برج ترامب سنة 2015 -استهلالا لرئاسته- جعل الرئيس نفسه دخيلا على عالم السياسة يعتزم الكشف عن الدولة العميقة ويدها الخفية التي تحرك الخيوط من وراء ستار.
تمثل نظريات المؤامرة حلقات تغذية مغلقة، وتوفر حلولا يسيرة؛ فلو أن الملفات تحوي دليلا على أن رجالا من أورك - والإشارة هنا إلى كائنات وحشية خيالية من أعمال الكاتب تولكين-J. R. R. Tolkien ـ المترجم - مقيمون بيننا فسيكون ترامب بطلا. أما إذا لم تقدم الملفات دليلا قاطعا فله أن يزعم أن الدولة العميقة شديدة العمق بحيث تستطيع أن تخفي المعلومات عن الرئيس!
كما أن نظرية المؤامرة الخاصة بالأطباق الطائرة تسر خلصاء ترامب؛ إذ قال نائب الرئيس جيه دي فانس إن لديه «هاجسا» يتعلق بها، لكنه لا يعتقد أن الطيارين منهم رجال صغار خضر، لكنه يتصور أنهم شياطين.
وأشار وزير الخارجية ماركو روبيو في فيلم وثائقي عن الأطباق الطائرة إلى أنه قد تكون لدى الحكومة تكنولوجيا فضائية.
وتوفر الأطباق الطائرة أيضا ملاذا لطيفا لترامب الذي لا يحظى بالشعبية على مستوى المجرة كلها فضلا عما يعاني منه من فضائح وكوارث؛ فهذه الملفات تمثل إلهاء كبيرا عن أفعاله غير القانونية في فنزويلا وإيران.
ولو أننا حكمنا على أول نشر حكومي في هذا الصدد لحق لخبراء الأجسام الطائرة في العالم كله أن يخيب رجاؤهم خيبة كبيرة.
فالملفات حتى الآن لم تكشف إلا عن مجموعة محبطة من اللقاءات القريبة والصور ومقاطع الفيديو غير الموثقة لبقع وأشكال ضبابية لا تصح دليلا على غزو فضائي.
بل لقد فند بعض المحققين ذوي العيون الصقرية تلك المقاطع فور نشرها تقريبا؛ فمنها واحد لطبق طائر نجمي الشكل أغلب الظن أنه لهب يتدلى من مظلة، وثمة تسجيل آخر يبدو أنه يعرض جسما كرويا أحمر يتحرك حركة غريبة وسط التوربينات في محطة لتوليد طاقة الرياح، لكنه قد لا يعدو بالونة حمراء.
لقد كنت أظن أن رجالا صغارا خضرا هم الذين قد يكونون وراء كل تلك المشاهدات.
واقتنعت في أول الأمر بموجة الأطباق الطائرة الحديثة حينما نشرت نيويورك تايمز سنة 2017 أن لدى البنتاجون برنامجا سريا للأطباق الطائرة.
وقد أعقبت ذلك جلسات استماع خاصة بالأطباق الطائرة تناولت مزاعم غريبة من أشخاص أبلغوا عن سفن فضائية مخبأة لها طيارون «غير بشريين»، فأقنعني ذلك كله بأن أسافر في أرجاء الولايات المتحدة متعقبا الفضائيين.
ولكن ما ازددت معرفة بشأنه بعدما بلغت نهاية رحلتي هم البشر، وبخاصة بشر الولايات المتحدة، لا الكائنات غير الأرضية.
ليس ما يعرف بالكائنات غير الأرضية زوارا كونيين، لكنها تمثل شريحة هائلة من الثقافة الأمريكية بدأت في أعقاب الحرب العالمية الثانية التي خرجت الولايات المتحدة منها وهي قوة عظمى في العالم. وهذا الوضع يمثل مفارقة؛ إذ تكون في ذروة قوتك وضعفك في آن واحد. واسألوا عن ذلك كبير قطيع الأسود في (السافانا).
لقد كانت الولايات المتحدة في ما بعد الحرب مكانا للخوف، وصيد الساحرات، والقوائم السوداء والفزع الأحمر، ثم جاءت من بعد ذلك كله عقود من الفضائح، وتذكروا اغتيال جون كينيدي، وفيتنام، ووترجيت. وجاءت طفرة الخيال العلمي الهوليودية، فنشرت ذلك الرعب من الآخر ومن الدمى الخفية. وهذا التاريخ كله يفسر لماذا استولت الكائنات الفضائية على العقل الأمريكي.
حتى أرقى المتحمسين للأطباق الطائرة عقولا وأرفعهم مؤهلات يبدون متأثرين بخيالهم وعواطفهم لا بالأدلة؛ فحينما تكلمت مع عالم الفلك آفي لويب ـ وهو خريج هارفرد الذي تكهن مرة أن نيزكا عابرا بالنظام الشمسي قد يكون حطام مركبة فضائية- وجدت أنه يتخيل الكائنات الفضائية شيوخا حكماء يهبطون علينا بحكمة كلية، ويهدوننا إلى المدينة الفاضلة!
وتبدو لي هذه الرؤية أقرب إلى رؤية مادية للإله، أو هي دين في معطف المختبر الأبيض.
ولا أقول بهذا إنه لا وجود للمؤامرات؛ فهي موجودة، لكنها غالبا ما تكون حاضرة في العلن.
وصدقوا أو لا تصدقوا: حكومة الولايات المتحدة ليست بحاجة إلى التلاعب بكم من وراء ظهوركم؛ فهي تفعل ذلك وأعينها في أعينكم.
في عام 2008 لجأ المصرفيون في وول ستريت عامدين إلى إفلاس الاقتصاد، وأنقذتهم الحكومة، ودفع الشعب ثمن الإنقاذ.
وقضت الحكومة أغلب العقدين الماضيين في تمزيق العقد الاجتماعي، وتوجيه إصبع الاتهام إلى الأقليات والمهاجرين.
ويصعب علي كثيرا أن يقول أولئك الجناة الظالمون ما أتفق معه؛ فنادرا ما أتفق ـ على سبيل المثال ـ مع أي كلمة تخرج من بين شفتي مارجوري تيلور جرين، لكن بعد نشر الدفعة الأولى من الملفات يوم الجمعة نشرت شيئا كان يراودني منذ عشر سنوات: «لقد ضجرت من هذه الدعاية الإلهائية».
وهي محقة: على الأمريكيين أن يكفوا عن التفكير في ما لعل حكومتهم تخفيه، وأن يغضبوا بدلا من ذلك مما تبديه وتفعله جهارا؛ فالحقيقة حاضرة ماثلة أمام أعينكم.
دانيال لافيل صحفي مستقل ومؤلف كتاب «مطاردة الفضائيين» الصادر منذ أسابيع قليلة.
الترجمة عن ذي جارديان
