كفاكم بحثًا عن مخرج من إيران

16 مايو 2026
16 مايو 2026

ترجمة: أحمد شافعي 

ما كادت حرب إيران تبدأ حتى بدأ البحث عن مخرج منها. 

ففي الثامن والعشرين من فبراير، أي اليوم الذي بدأت فيه الولايات المتحدة وإسرائيل قصف الأهداف، نشرت أكسيوس عنوانا نصه «حصري: ترامب يطرح - مخارج - إثر الهجوم على إيران»، ورد مجلس تحرير صحيفة وول ستريت جورنال في اليوم التالي بافتتاحية عنوانها «الحديث عن مخارج من إيران سابق لأوانه» أشارت فيه إلى أنه ينبغي تدمير قدرات إيران العسكرية قبل أن تشرع إدارة ترامب في البحث عن علامة الخروج. 

وسرعان ما تبنت منابر إعلامية أخرى تلك الاستعارة؛ فتساءلت إذاعة أمريكا الوطنية NPR: « فيما تستمر حرب إيران، ما المخارج المحتملة لترامب؟» وذكرت إذاعة (بي بي سي) أن «استراتيجية ترامب في إيران تسعى إلى مخرجين في آن واحد» وهي استراتيجية لا أوصي بها. 

ووصفت نيويورك تايمز اتفاقية وقف إطلاق النار النهائية في مطلع أبريل بأنها «مخرج اللحظات الأخيرة». وناقش برنامج (أسبوع واشنطن مع ذي أطلنطيك) في قناة (بي بي إس) الأسبوع الماضي «معاناة ترامب للعثور على مخرج من حرب إيران). 

والصورة مغرية؛ فالمخرج يوحي بطريق جانبي آمن متفرع من طريق سريع، ويزداد ذلك الخيار جاذبية حينما يتبين أن الطريق السريع لا يمضي بك إلى حيث كنت ترجو في البداية. 

فهل كثرت الاختناقات المرورية أو الحوادث أو الحفر في هذه «الرحلة القصيرة» بحسب وصف الرئيس ترامب للصراع مع إيران؟ ليس عليك إلا أن تسلك مخرج الطريق الفرعي فترجع إلى الوضع الطبيعي ملقيا الحرب وراء ظهرك. 

الإدارة نفسها استعملت المصطلح؛ فقال ستيف ويتكوف مبعوث الولايات المتحدة الخاص إلى الشرق الأوسط موجها حديثه إلى ترامب في اجتماع وزاري في شهر مارس إن «إيران تبحث عن مخرج إثر تهديدك القوي»، في إشارة إلى تحذير الرئيس من أنه سوف «يمحو» محطات الطاقة في إيران إذا لم يفتح قادتها مضيق هرمز مرة أخرى. (ولم ينصع القادة، ولم ينفذ تهديده). وذهب ديفيد ساكس ـ المستثمر الرأسمالي ومستشار التكنولوجيا المؤثر في البيت الأبيض ـ إلى أن ترامب يجب أن يعلن النصر «ويخرج» من الصراع قائلا إن «علينا أن نعثر على مخرج». 

غير أن المخرج من الحرب نادرا ما يرجع بك إلى الطرق التي كنت تقود عليها أو العالم الذي سبق أن عرفته. فلن تعثر الولايات المتحدة على مخرج إلى الوضع الذي كان قائما في ما قبل الحرب. إذ غيَّر الصراع الخرائط، وباتت الطرق جميعا الآن تفضي إلى أماكن جديدة. 

لقد كشفت الحرب أن النظام الإيراني الحاكم أشد قوة وقدرة مما كانت تتوقع السلطات الأمريكية المفتونة بسرعة العملية التي نفذتها ضد الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. 

قد تخرج إيران ولم تزدد فقط اجتراء بوقوفها في عزة أمام قوة عظمى بل ازدادت قوة بنفوذ جديد على الاقتصاد العالمي الضعيف كدأبه أمام سلاسل التوريد الهشة ونقاط الاختناق الحيوية. 

بينما استنزفت الحرب ترسانات الأسلحة الأمريكية وجعلتنا أقل استعدادا للرد على أزمات محتملة في أماكن أخرى، وأظهرت أيضا أن تكنولوجيا الطائرات المسيرة الرخيصة تغير من طبيعة الحرب الحديثة وترفع تكلفتها. 

أدى الصراع أيضا إلى مكاسب اقتصادية للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إذ زاد عائدات البلد من النفط وخفف عليه العقوبات. وقويت يد الصين أيضا بسبب الصراع، إذ وسعت نفوذها في أسواق الطاقة الإقليمية، وعززت سطوتها العالمية، ولعلها ازدادت شهوة إلى القيام بتوسعاتها الخاصة ولنقل في تايوان. وكانت الولايات المتحدة قبل عقد من الزمن تنصح الصين بضرورة أن تكون «طرفا مسؤولا» في النظام الدولي. 

لكن الآن إذ يلتقي ترامب بالرئي شي جينبنغ في بكين، أي بلد أكثر مصداقية حين يزعم لنفسه القيام بهذا الدور؟ 

بإضعاف الروابط الواهية أصلا بين واشنطن وحلفائها التقليديين، قوضت الحرب أي مظاهر أمريكية باقية لتوليها قيادة العالم. فترامب يتخلى عن الناتو، إن لم يكن قانونيا فعمليا، و«التمزق» الذي حذر منه رئيس الوزراء الكندي هذا العام في النظام العالمي بات واضحا الآن للعيان. 

نحن الآن في الشهر الثالث من الحرب التي تعهد ترامب بألا تدوم إلا أسابيع قليلة والقتال الذي كثيرا ما تباهى بأنه «سابق لجدوله الزمني». وقد أشار ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في حوارات أجريت معهما حديثا إلى أن المعركة لم تنته بعد، ويتبين من مطالب إيران القصوى ـ أي التعويضات من واشنطن، والسيادة على مضيق هرمز، وإنهاء العقوبات ـ أن المخرج منها شديد البعد في واقع الأمر. 

وحسبكم أن تسألوا نائب الرئيس جيه دي فانس، الذي تردد أنه كان من أوائل المشككين في الحرب مع إيران؛، فقد اضطر أخيرا خلال خطبة له في أيوا إلى وصف الصراع بـ«العثرة البسيطة». ولعل التظاهر بأن الحرب غير ذات شأن كبير هو النسخة الأشد حماقة من استعارة المخرج، وقد عمد ترامب أيضا إلى الاستهانة بالصراع قائلا إنه «حرب صغيرة». 

طالما توهم القادة الأمريكيون مخارج الحروب، حتى لو استعملوا تعبيرات مختلفة؛ إذ وعد ريتشارد نيكسون بـ«السلام الكريم» طريقا للخروج من فييتنام، وتعهد باراك أوباما بـ«النقل المسؤول» للقوات الأمريكية خروجا من أفغانستان. 

وأدرجت إدارة كلينتون «استراتيجية الخروج» باعتبارها مكونا جوهريا لتخطيط أي انتشار عسكري في استراتيجية الأمن الوطني التي طرحتها في عام 1994 إذ تساءلت الاستراتيجية: «هل لدينا جداول زمنية ومعالم تكشف مدى النجاح أو الفشل، وفي كلتا الحالتين، هل لدينا استراتيجية للخروج؟» 

وفي مقالة نشرت سنة 1998 بمجلة ذي فورين أفيرز، رفض جدعون روز «وهم» استراتيجية الخروج قائلا إن «فكرة استراتيجية الخروج تسهم في نظرية زائفة مفادها أن التدخلات العسكرية مهام ميكانية شبيهة بإنشاء مطبخ جديد وليست صراعات استراتيجية تتسم بالاحتكاك وعدم اليقين». 

وقد يكون التركيز على استراتيجية الخروج مؤشرا للعدو إلى غياب العزيمة، فلو أن تركيز الإدارة الأمريكية منصب على الخروج، فيمكن لخصومنا أن يتشبثوا بمواقفهم مكتفين بانتظار خروجنا. 

كما أن ضرورة استراتيجية الخروج تجعل من رحيل القوات الأمريكية هدفا ـ بدلا من أن يكون نتيجة ـ لعملية عسكرية ناجحة، فتخلط بين الغايات والوسائل. 

وقد ذهب روز إلى أن «المسألة المحورية لا تتمثل في كيفية الخروج وإنما في السبب الذي جعلنا ندخل في المقام الأول». 

وهذا هو السؤال الذي لم تجبه إدارة ترامب بوضوح في ما يتعلق بإيران برغم كثيرة التفسيرات والتبريرات وتنازعها. 

والمخرج نسخة أوهى من استراتيجية الخروج. فاستراتيجية الخروج تنطوي في أقل تقدير على تظاهر بالحسابات الاستراتيجية، والموازنة بين هدف معين وأهداف أخرى. أما الرغبة في الخروج من الطريق السريع وحسب وبأسرع ما يمكن فيحققه أي طريق فرعي. 

فليس من الغريب، ولكن من المرعب، أن تكون إدارة ترامب قد طلبت من أجهزة المخابرات ـ بحسب ما أوردت وكالة رويترز ـ تقييم رد الفعل المحتمل من إيران إذا ما أعلن ترامب النصر وانصرف عن الحرب التي يتردد أنه بات يراها مضجرة. 

لقد وعد ترامب بأنه لا مزيد من الحروب الأبدية، في حين أن إيران قد تكون هذه الحرب بالنسبة له. 

فما من مخرج اليوم إلا ويبدو بعيد المنال. لقد وصف الرئيس قائمة المطالب الإيرانية الأخيرة بأنها «محض قمامة»، وأهان القادة الإيرانيين إذ وصفهم بـ«الأغبياء»، وأعلن أن وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في مطلع أبريل بات الآن على «جهاز التنفس الصناعي». 

وفي الشهر القادم سيكون عام قد مر منذ تأكيد ترامب أن برنامج إيران النووي تدمر بالكامل في عملية (مطرقة منتصف الليل)، في حين أنه لا يزال عالقا في حرب لم تحقق فعلا أيا من أهدافها المعلنة ويخاطر بخروج إيران منها في موقف جيوسياسي أقوى وبقدر من الأضرار العسكرية أقل من الذي وعدت به الإدارة. 

بل إن الضرر الذي تسبب فيه الصراع وما فضحه من ضعف لن ينتفي باتفاقية لحفظ ماء الوجه تتيح لترامب القول بأنه انتصر وتضمن للأمريكيين أن صفقته أفضل مما توصلت إليه إدارة أوباما سابقا بالتفاوض وأنهاه ترامب في ولايته الأولى. 

ففي الحروب، نادرا ما تكون مخارج الطرق الفرعية واضحة المعالم أو ممهدة التمهيد الجيد. 

كارلوس لوزادا من كتاب مقالات الرأي في نيويورك تايمز.