منوعات

"عبير نعمة" تحفر صدى صوتها في جدران المسرح.. وتختتم موسم دار الأوبرا السلطانية

16 مايو 2026
غناء يمتزج بين الكلاسيكي والمعاصر بإحساس متفرد
16 مايو 2026

قبيل إسدال الستار على موسم دار الأوبرا السلطانية مسقط 2025/2026م، كان صوت الفنانة اللبنانية عبير نعمة يتسلل بين أصوات الآلات الموسيقية، ويملأ صداه أركان مسرح دار الفنون، ويطرب جمهورًا شهد على أن الأمسيتين الموسيقيتين كانتا من الأكثر نجاحًا في الموسم، لتختتم الدار هذا العام بما يرضي الجمهور ويعبّر عن ذائقته الفنية.

دخلت عبير نعمة إلى المسرح وهي تتساءل: "وينك؟"، وهو سؤال أعمق من مجرد استفهام ينتظر الإجابة، بل لحظة افتقاد واشتياق تعبّر عنها الكلمات بكثير من الشعور الصادق، الذي تكلل بإحساسٍ عالٍ بصوت الفنانة الشجي، وألحان الفنان والملحن مروان خوري.

كانت أغنية البداية لحظة تحفيز للجمهور للتفاعل، فالقادم لم يكن أقل عمقًا فنيًا ولا أهون شعورًا عاطفيًا، ورغم أن الحفل في مسقط، إلا أن غناءها "لبيروت" كان يصوّر كل شارع وطريق في بيروت، وينقل الجمهور بالخيال إلى مدينة ممزقة لكنها محمّلة بصورة ربانية للجمال، فالأغنية، التي هي للفنانة فيروز، تُعد رمزًا من رموز الثقافة اللبنانية، عبرت كل حدود الوطن العربي واشتهرت منذ إطلاقها في ثمانينيات القرن الماضي خلال فترة الحرب الأهلية اللبنانية، ورغم ارتباطها بالحزن وصورة التمزق والجرح لهذه المدينة، إلا أنها تثير لدى المستمع حنينًا وعمقًا موسيقيًا لما لها من حضور في ذاكرة الأغنية العربية.

وقدمت عبير نعمة، التي اشتهرت بأدائها لأغاني الفنانة العظيمة فيروز، في أمسيتيها بدار الأوبرا السلطانية أغنية "كيفك إنت؟"، ويبدو أن الجمهور كان متعطشًا لتلك الأغنية كما هو الحال مع غيرها، فبمجرد سماع النغمة الأولى كان التفاعل الجماهيري عاليًا جدًا، ولم يتوقف عند ذلك، بل امتد إلى ترديد الأغنية بكلماتها الآسرة، حتى بدا وكأن الغناء لم يكن للفنانة وحدها، بل كان متاحًا لكل شخص شغل مقعدًا في مسرح دار الفنون الذي امتلأ في الحفلين المباعين بالكامل.

وتُعد أغنية "كيفك إنت؟"، التي لحنها زياد الرحباني، من أشهر أعمال التعاون بين فيروز وزياد الرحباني، حيث تقدم أغنيةً ببساطة كلماتها ولحنها الحديث، لتشكل صورة لحوار هادئ مفعم بالحنين، ورغم استخدام الكلمات العامية اللبنانية، إلا أنها حملت معانيها إلى مختلف الشعوب العربية، ومع بساطة اللحن وهدوئه يترك مساحة للفنان ليكون هو الموسيقى قبل الأداء الصوتي الغنائي.

وفي منتصف الحفل، اتكأت عبير نعمة بجسدها على البيانو، ودخلت في مجاراة صوتية بين صوتها ومفاتيح البيانو، لتغني "يا عاشقة الورد"، وهي من الأغاني العربية الشهيرة من كلمات زكي ناصيف، أدتها في الحفل بكل دفء وهدوء، وحلّقت بالجمهور إلى فضاءات بعيدة، لا سيما مع خفوت الإضاءة على المسرح والاكتفاء بالإضاءة المسلطة على الفنانة والبيانو، في مشهد جمع بين بساطة الأداء وعمقه وانسجامه البصري.

وكان الجمهور في انتظار أغنية "فراشة وزهرة"، التي اشتهرت بها عبير نعمة وعبرت كل بيت عربي بلحنها التراثي الغنائي اللبناني، ورغم أن زكي ناصيف قدّمها بأسلوب بسيط، إلا أن صوت عبير نعمة أضاف بُعدًا جماليًا للأغنية، لتصبح متداولة بكثرة في الوقت الحالي، لا سيما عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وقد ارتبطت بصوت الفرح وجمال الطبيعة، رغم طابعها الفلكلوري الشعبي، وقد تفاعلت معها نعمة برقص شعبي على المسرح، ما أثار تفاعل الجمهور وإعجابهم.

كما تركت مساحة للجمهور للغناء والتفاعل، لا سيما مع أغنية "بلا ما نحس"، التي تُعد من أشهر الأغاني اللبنانية الشاعرية الهادئة، بلحنها الرومانسي المرتبط بالنعومة والانسيابية الذي قدّمه الملحن نبيل خوري، حيث تترك مساحة واسعة للإحساس والكلمة دون زخرفة موسيقية مبالغ فيها، وتُظهر الأغنية قدرة عبير نعمة على الأداء الكلاسيكي بروح معاصرة دون فقدان هوية الأغنية اللبنانية.

ولعل عبير نعمة اشتهرت بحفلاتها الغنائية، وهو ما صنع لها قاعدتها الجماهيرية، ويمكن تفسير ذلك من خلال حفليها بدار الأوبرا السلطانية، فهي على المسرح تمتلك ملكة الأداء والحضور وكيمياء التفاعل مع الجمهور، حيث حرّكت مسرحًا كاملًا بعفويتها المطلقة وصورتها الأدائية، كما كان لصوتها الساحر قدرة على التحليق في فضاءات الصوت والكلمة والإحساس معًا، وتمكنت من خلال صوتها الأوبرالي المتدرج بين الارتفاع والانخفاض بإتقان شديد، وطبقات صوت ملائكية، من امتلاك المسرح.

ودّعت عبير نعمة جمهورها بأغنية "قهوة"، وقالت قبيل غنائها إن القهوة تُشرب عادة عند وصول الضيف، لكنها أرادت شربها برفقة الجمهور وهي تودعهم، وتُعد أغنية "قهوة" من الأغاني الحديثة التي تجمع بين دفء الأداء وبساطة اللحن الذي قدّمه شربل روحانا، ورغم بساطة عنوانها، إلا أن كلماتها تحمل بعدًا عاطفيًا مليئًا بالحنين وشعور الانتظار، مع جمالية موسيقية تعتمد على ألحان ذات روح شرقية وجمل هادئة، لتغادر عبير نعمة مسرح الدار، وتُختتم بذلك موسم العروض الفنية والأمسيات الموسيقية، وسط تصفيق وهتاف الجمهور تعبيرًا عن نجاح حفل موسيقي عربي ساحر.