عُمان وكندا.. الدبلوماسية بوصفها فلسفة ترابط
13 مايو 2026
13 مايو 2026
تواصل سلطنة عُمان بناء علاقاتها الدولية وفق رؤية هادئة وعميقة ترى العالم شبكة مترابطة من المصالح والمسؤوليات والفرص. فالعلاقات بين الدول في التصور العُماني تنتمي إلى إدراك أوسع لمعنى الترابط بين الشعوب والاقتصادات والثقافات والمعارف. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة زيارة أنيتا أناند وزيرة خارجية كندا إلى سلطنة عُمان، وهي أول زيارة رسمية لوزير خارجية كندي إلى مسقط منذ أكثر من عشر سنوات.
تأتي هذه الزيارة في سياق علاقات تمتد إلى خمسة عقود، وتحمل في لحظتها الراهنة بعدا يتجاوز استعادة المسار الدبلوماسي بين بلدين صديقين. إنها تؤكد أن عُمان تمضي في ترسيخ شبكة واسعة من الشراكات المتوازنة مع مختلف دول العالم؛ انطلاقا من إيمان ثابت بأن كل علاقة جادة تضيف إلى الطرفين معا. وبهذه الشراكة توسع عُمان مجالات المصالح المشتركة، وتمنح الاقتصاد والثقافة والتعليم والسياسة فرصة جديدة للحركة والتفاعل.
في جوهر هذه الرؤية تبدو الدبلوماسية العُمانية فعلا متراكما في بناء الجسور. والجسر هنا طريقة في التفكير السياسي قبل أن يكون استعارة لغوية. فالعالم الذي تتشابك فيه الأزمات يحتاج إلى علاقات أكثر رسوخا، وإلى دول تؤمن بأن الازدهار يتحقق عبر الانفتاح والتعاون، وتوسيع مساحات الفهم المتبادل. والثقافة والتعليم والتجارة والطاقة والمعرفة كلها مسارات مختلفة لفكرة عبقرية تقول: إن العلاقات بين الدول عندما تبنى على الثقة فإنها تتحول إلى قوة بناءة للطرفين.
ومن هنا تكتسب مذكرة التفاهم في مجال المشاورات السياسية أهميتها الخاصة؛ فهي تنقل العلاقة العُمانية الكندية إلى مستوى أكثر انتظاما، وتمنح الحوار بين البلدين إطارا مؤسسيا متجددا. والحوار المنتظم في الفكر السياسي تعبير عن رغبة مشتركة في فهم التحولات وتقريب وجهات النظر، وبناء قراءة مشتركة لعالم تتسارع فيه الأزمات.
وتكشف مجالات التعاون التي ناقشها الجانبان طبيعة الشراكة التي تريد عُمان بناءها. التجارة والطاقة والمعادن الحيوية والتعليم العالي والسياحة ملفات متصلة ببعضها، وتشكل معا صورة من صور المستقبل. وهذه الفلسفة في بناء العلاقات تنسجم مع المسار الوطني لعُمان وهي تتقدم في تحقيق مستهدفات «رؤية عُمان 2040». فالتنويع الاقتصادي يحتاج إلى شركاء واقتصاد المعرفة يحتاج إلى جامعات ومراكز بحث وشبكات خبرة وتمثل كندا شريكا مهما بما تمتلكه من خبرات في التعليم والطاقة والموارد والتقنيات والمعرفة المؤسسية.
وتحمل هذه العلاقة إلى جانب بعدها الاقتصادي معنى سياسيا يرتبط بالمنطقة وبالعالم؛ فقد شدد الجانبان على حماية أرواح المدنيين، ودعم جهود خفض التصعيد، وضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، واحترام القانون الدولي وسيادة الدول ووحدة أراضيها. وهذه مبادئ تقع في صميم النظرة العُمانية للعلاقات الدولية. فسلطنة عُمان بحكم موقعها وخبرتها وذاكرتها الدبلوماسية تدرك أن أمن المنطقة يبنى بخفض التوتر، وأن حماية الاستقرار مسؤولية مشتركة تتداخل فيها السياسة بالاقتصاد وحياة الناس.
ولذلك جاء تقدير وزيرة الخارجية الكندية للدور العُماني الراسخ في الدبلوماسية الإقليمية معبرا عن إدراك دولي متزايد لقيمة النهج الذي اختارته سلطنة عُمان منذ عقود. هذا النهج يقوم على الإصغاء وخفض التوتر واحترام السيادة، وفتح قنوات الحوار حين تضيق الخيارات أمام الآخرين.
إن الشراكة العُمانية الكندية في معناها الأوسع تعكس وجها من وجوه السياسة الخارجية العُمانية القائمة على الترابط؛ فكل علاقة تبنيها عُمان مع دولة أخرى تضيف خيطا جديدا إلى نسيج أوسع من المصالح والثقافات والمعارف. وكل تعاون اقتصادي يفتح مجالا للتنمية، وكل حوار سياسي يقلل مساحة سوء الفهم، وكل تبادل ثقافي أو تعليمي يمنح الشعوب قدرة أكبر على الاقتراب من بعضها.
بهذا المعنى تواصل سلطنة عُمان بناء علاقاتها مع العالم بمنطق الدولة التي تعرف قيمة الثقة، وتدرك أن المستقبل تصنعه الشراكات الهادئة بقدر ما تصنعه المشاريع الكبرى. وستبقى فلسفة الترابط التي تنتهجها عُمان واحدة من أكثر الطرق حكمة لبناء المصالح، وصون الاستقرار، وفتح أبواب المستقبل أمام الجميع.
