كابوس بوتين الذي تحقق
10 مايو 2026
10 مايو 2026
ترجمة: أحمد شافعي
بينما كانت موسكو تنتظر على أحر من الجمر حلول التاسع من مايو ـ وهو التاريخ المختار عشوائيا لذكرى الانتصار السوفييتي في «الحرب الوطنية العظمى» بحسب تسمية الحرب العالمية الثانية في روسيا ـ لم ينتبه الكثيرون إلى أن السابع من مايو هو الحدث الأكثر أهمية لفلاديمير بوتين على المستوى الشخصي.
فقد تم تنصيبه رئيسا للاتحاد الروسي في السابع من مايو سنة 2000، وظل في موقعه حتى السابع من مايو سنة 2008، ثم عاد إلى الرئاسة في السابع من مايو سنة 2012.
ويمثل السابع من مايو لعامنا هذا العام الخامس والعشرين له في الحكم، والذكرى السنوية الفضية لزواجه بروسيا.
ومن بين القياصرة الثمانية عشر، والسبعة الذين احتلوا منصب السكرتير العام، الذين حكموا روسيا، لم يتجاوز إلا أربعة المدة التي تولى فيها بوتين الحكم. أربعة حكام ارتبطت أسماؤهم إما بتغيير عظيم أو بإرهاب منهجي، أو بكليهما في العادة.
وخلافا لأولئك التاريخيين لم ينته بعد حكم بوتين، ومن بين اهتماماته الشخصية أبحاث الخلود التي تشرف عليها ابنته حاليا.
وثمة نظرية ترى أن الرجل القائم في الكرملين ليس بوتين على الإطلاق وإنما أحد أشباهه، وهي نظرية ذات شأن في روسيا إلى حد أنها استوجبت نفيا رسميا. وهي تعبير عن الخوف من أن يظل بوتين بين ظهرانينا إلى الأبد، أو الأمل في ذلك.
لم تقم قبضة بوتين الحاكمة قط على القمع وحده؛ إنما تقوم، بصورة أشد جوهرية، على النفط. ذلك أن عوائد الوقود الأحفوري الروسية هي التي تمول كل شيء تحتاج إليه البوتينية، من الهيمنة الغالبة للأجهزة الأمنية، وشبكات المحسوبية التي تربط النخبة بالكرملين إلى التدفقات العالمية للمعلومات المضللة وهي أمر أساسي في السياسة الخارجية الروسية.
فحينما كانت البيوت الأوروبية تدفع فواتير الغاز في العقدين الأول والثاني من القرن الحالي، كان نصيب من كل فاتورة يجد طريقه إلى عمليات غايتها النيل من مؤسساتهم الديمقراطية؛ فالأمر -بأثر رجعي- أشبه بمباراة سياسية في الجودو؛ إذ كان الغرب يمول زعزعة استقراره بنفسه.
ليست المعلومات المضللة الروسية حملة دعائية من حملات الحرب الباردة تقوم على نشر بديل أيديولوجي ولكنها أمر أشد تعقيدا، وأكثر انتماء إلى ما بعد الحداثة، أعني صناعة الشك، وتسميم الآبار الثقافية.
فلم يكن «علماء اللاهوت السياسي» المستأجرون بحاجة إلى إقناع الشعوب الغربية بأي شيء على وجه التعيين. وما كان لهم أن ينجحوا في ذلك إن هم حاولوا، ذلك لأن الإقناع يستوجب التماسك، ولم يكن التماسك هو الغاية مطلقا. ولكن ما نجحوا فيه بدلا من ذلك هو ضمان ألا تستطيع هذه الشعوب الاتفاق على الحقيقة. وهذا هو المنطق الاستراتيجي الكامن وراء مزارع اللجان الإلكترونية وشبكات الروبوتات والتسريبات الاستراتيجية.
والتمويل الروسي لكل من اليسار المتطرف واليمين المتطرف هو الذي سهل بأموال طائلة سياسات التطرف بعامة، ولم يكن الإقناع غاية تلك العمليات الكثيرة وإنما الشلل.
ولم تصادف هذه العملية من النجاح في مكان ـ حتى في أوروبا المجاورة التي طالت معاناتها منها ـ مثلما نجحت في الولايات المتحدة.
وتبقى العلاقة بين بوتين وترامب غامضة برغم أنني على يقين من أننا سوف نعرف الحقيقة عما قريب. لكن الواضح حتى الآن هو التشابه الجيني بين مشروعيهما.
فكلاهما يقيم سياساته على العناصر الجوهرية نفسها: الأمة الذليلة المخدوعة في نخبها الكوزموبوليتانية، والزعيم القوي القادر دون غيره على استرداد العظمة، والمعاداة للسياسات التي تركز على المستقبل ـ سواء اتخذ المستقبل شكل الالتزامات المناخية أم التغير الاجتماعي أم القانون الدولي.
ولم يكن بوتين هو الذي اخترع الترامبية؛ إذ اكتشف ترامب بنفسه الكثير من الخطوات نفسها. لكن بوتين سبقه إليها، وكان لدى مكتبه أسباب وجيهة لتشجيع وتعظيم النسخة الأمريكية.
ولسبب ماـ لم يبدِ ترامب أي أثر للقلق من النفوذ، ولا زعم بوتين لنفسه حق الملكية الفكرية، وهذا في واقع الأمر هو اللغز الوحيد الذي لا يزال بانتظار الحل.
ثمة تفصيلة في ملف بوتين بالكيه جي بي تفسر سياساته أكثر من أي وثيقة سياسية؛ فقد أشار رؤساؤه إلى أن نقطة ضعفه الوحيدة هي «نقص إحساسه بالخطر».
ولعل هذا هو الذي ساعده على النجاة في مهنة خطيرة في أجهزة الأمن. ومن شبه المؤكد أنها تفسر لماذا شن حربًا أدهشت حتى خاصته، أولئك الذين يشتركون معه في المزاج التدميري القيامي لكنهم لم يتخيلوا أنه حقا قد يجذب الزناد. ولقد قال بوتين مرة :«ما نفع العالم لو أنه بلا روسيا؟» وقال في موقف آخر: «إنما يحلو الموت حينما يحل علينا جميعا».
ولم تكن تلك محض بلاغة؛ إنما كانت تعبيرات رجل لا يقدر حسابات الخطر على النحو الطبيعي، رجل يمكن أن يهدد بحرب نووية؛ لأنه لا يؤمن حقا بفنائه أما الآخرون فهو أقل اكتراثا بهم.
وهذا تحديدا ما يجعل النسخة الترامبية من هذه السياسات نفسها أقل مخاطرة، لكنها أشد خطورة؛ فترامب لم يرث إحساس بوتين المتساهل بالخطر، لكنه استعراضي انتهازي وهو في المقام الأول حريص على نفسه.
فحيثما يستطيع بوتين أن يحدق في الهاوية هادئ النفس، وأن يختفي عن الشاشات في اللحظات العصيبة، يجفل ترامب ويفاوض وينسحب إلى مارالاجو ويعقد مؤتمرا صحفيا آخر.
ويعني هذا أنه ليس من المرجح للترامبية ـ على تدميرها ـ أن تنتهي إلى الانتحار شأن منطق بوتين. إنما ستنتهي بصفقة، صفقة سيئة كالعادة، يحتفى بها بوصفها نصرا مؤزرا غير مسبوق.
ثمة مفهوم في التراجيديا الإغريقية يقتنص ورطة بوتين خيرا من أي إطار سياسي، ذلك هو مفهوم العدالة الانتقامية.
وهي ليست الانتقام الذي يستوجب عنصرا خارجيا، ولا العدالة التي توجب مؤسسات، ولكنها التدمير الذاتي للشر، الدورة التي تحدث الأفعال فيها آثارًا غير مقصودة.
لقد كان بوتين يخشى توسع الناتو، فجاء به إلى أبواب سان بطرسبرج. وكان يخشى القومية الأوكرانية، فجعل منها قوة وجودية. وكان يخشى الوحدة الأوروبية، فصاغها. وكان يخشى تفكك النفوذ الروسي، فبدأ الإنهاك العسكري وتشرذم النخبة والاستياء الإقليمي، فجعل التفكك أرجح من ذي قبل. وفي العدالة الانتقامية يخلق فاعل الشر ما يخشاه بالضبط، ويكون أكبر وأبشع مما كان يمكن أن يتخيل.
ولا يتضح هذا المنطق أجلى مما يتضح في شخص ترامب. فعلى مدى عقدين عملت عناصر الدولة الروسية على إنماء اليمين الشعبوي الأمريكي ليكون أداة لزعزعة استقرار الغرب، وبدأ الاستثمار في ذلك يؤتي ثماره بشدة في عام 2016. وما لم يحسب بوتين حسابه هو أن القوى التي ساعد في إطلاقها من إسارها غير خاضعة لسيطرة موسكو، أو غيرها؛ فترامب ليس من رجال روسيا، لكنه شيء غير قابل للسيطرة. هو نسخة من بوتين مستقلة تعمل على مسرح أكبر وأضخم كثيرا، وبموارد أقوى دولة في العالم، وهي مفتقرة إلى كل ما يتحلى به بوتين من الصبر الاستراتيجي. وفي اللغة الروسية ثمة كلمة واحدة تعني القيم على معرض وضابط المخابرات القيم على عميل. وقد جمع بوتين في شخصه بين الدورين مصداقا للغته، وفشل في كلا الدورين: فقيم المعرض فقد السيطرة على معرضه، وضابط المخابرات فقد السيطرة على رجله.
وها هنا تكتمل دورة العدالة الانتقامية. لقد أقام بوتين سلطته على افتراض أن الديمقراطية الغربية منحدرة منقسمة غرة. فلم توفر رئاسة ترامب أمريكا خاضعة مدجنة كالتي تخيلها المخططون الاستراتيجيون الروس. إنما قدمت ما هو أسوأ بكثير: أمريكا عدوانية لا يمكن التنبؤ بتصرفاتها، متخلية عن حلفائها لا لحسابات استراتيجية وإنما بفعل الفوضى، ومهددة للنظام الدولي الذي تعتمد عليه في نهاية المطاف مصالح روسيا في أسواق الطاقة وفي إدارة أطراف امبراطوريتها. أراد بوتين غربا ضعيفا، فكان له غرب مختل.
في السابع من مايو، ومع احتفال بوتين بالذكرى السنوية الفضية لزواجه بروسيا، بقي السؤال قائما لا عما لو أن العدالة الانتقامية قائمة، وإنما عن المدى الزمني اللازم لها كي تكمل دورتها.
أوكرانيا تنزف، ولكنها لم تنكسر، وأوروبا تعيد تسليح نفسها. وعائدات الوقود الأحفوري التي مولت المشروع برمته مهددة لا بالتعهدات البيئية التي أمضى بوتين سنين في محاولة عرقلتها، وإنما بحروب ترامب التي يسرت الانتقال إلى الطاقات الخضراء.
وفي واشنطن تتحول الشخصية التي أسهم بوتين في تكوينها إلى وحش لا شبه بينه وبين سيده؛ فالتاريخ ـ مثلما أدرك مخترعوه اليونانيون في لحظات يأسهم ـ له طرقه الخاصة في تسوية الحسابات.
ألكسندر إتكند مؤرخ وأستاذ في قسم العلاقات الدولية بجامعة وسط أوروبا، ومؤلف كتاب «روسيا ضد الحداثة»
الترجمة عن ذي نيوستيتسمان
