الحمائية تعني مزيدا من الإفقار في الصدمات العالمية

10 مايو 2026
10 مايو 2026

ترجمة: قاسم مكي

الحرب في إيران سبَّبت ضغوطا في توفر الطاقة والغذاء والأسمدة مما أثار السؤال حول ردّ العالم على ذلك، وما إذا كان سيكرر الخطوات الخاطئة التي اتُّخِذت أثناء جائحة كوفيد- 19.

وقتها انكفأت الحكومات على نفسها وفرضت حظرا وقيودا على التصدير لتأمين اللقاحات في الداخل حتى عندما يتجاوز الإمداد احتياجاتها.

وعلى الرغم من تخفيف مثل هذه الإجراءات لاحقا إلا أن الاستجابة الأولية للأزمة تركت البلدان الأكثر فقرا عند آخر الصف (صف الحصول على اللقاحات) مع ما ترتب عن ذلك من عواقب قاسية.

هنالك نمط مماثل أعقب اندلاع الحرب في أوكرانيا والتي أثارت اضطرابا في أسواق الأسمدة والغذاء. في أول شهرين من الحرب أظهرت مراقبة سكرتارية منظمة التجارة العالمية أن أعضاءها طبقوا 53 من التدابير التجارية، كان ما يقارب ثلاثة أرباعها مقيدا للتجارة.

أدى حظر صادرات سلع أساسية أو الحد منها، خصوصا الغذاء والأسمدة والوقود، إلى تقليص الإمدادات العالمية المتاحة ورفع الأسعار.

كما أسهم عدد أقل من التدابير، من بينها تخفيضات في رسوم الواردات، في التلطيف من الضغوط لكن عند الهامش (بقدر طفيف).

فعندما تعمل البلدان على عزل أسواقها المحلية ستكون النتيجة غالبا ارتفاع الأسعار وازدياد التقلّب عالميا.

تبدو استجابة العالم للاضطراب الحالي في مضيق هرمز أقل تقييدا للتجارة. وهذا تحول لافت.

وطبقت البلدان الأعضاء في منظمة التجارة العالمية مرة أخرى عددا كبيرا من التدابير لمعالجة العقبات التي تحدّ من إمداد الطاقة والمنتجات المرتبطة بها وأيضا الأسمدة والغذاء.

ومن جملة إجراءات بلغ عددها 78 إجراء حتى الآن قُصِد بما يزيد عن 70% منها تيسير التجارة، وتشمل جهودا لتعزيز الإمداد العالمي، خصوصا إمدادات النفط والغاز والمنتجات البترولية المكررة إلى جانب رفع قيود معينة على الصادرات وتبسيط الإجراءات الجمركية.

تشير هذه المقاربة الأكثر توازنا إلى أن الدروس المستفادة من الصدمات السابقة يجري استيعابها.

وفي حالات عديدة جمعت الحكومات بين التدابير التجارية وسياسات من شاكلة دعومات الوقود والتعديلات الضريبية والتحويلات (المساعدات) المستهدفة لحماية العائلات من الضغوط التضخمية.ويمكن لمثل هذه السياسات التلطيف من الآثار المحلية دون أن يكون هنالك داعٍ لتقييد الإمداد العالمي، لكن نسبة الإجراءات المقيدة للتجارة عند حوالي 30% كانت كبيرة.

فهذه الإجراءات -حتى عندما تكون النوايا وراء اتخاذها حسنة- تخاطر بزيادة ضغوط الأسعار وتعزيز المخاوف من الندرة.

من المشجِّع تحوُّل أعضاء منظمة التجارة العالمية نحو التدابير البناءة بقدر أكبر. لكن يجب ألا يقود ذلك إلى الإحساس بالرضى؛ فاتخاذ المزيد من الإجراءات التقييدية للتجارة يخاطر بمفاقمة التضخم وزيادة عدم اليقين.

وكشفت سلاسل التوريد العالمية عن قدرة على التكيف في وجه الصدمات والاضطرابات المتكررة. ففي أثناء جائحة كوفيد-19 والهجمات على السفن في البحر الأحمر وقبل ذلك الاضطرابات في البحر الأسود تكيفت سلاسل القيمة بإيجاد مسارات ومصادر توريد بديلة.

وتشير الاستجابات المبكرة للوضع في مضيق هرمز إلى احتمال ظهور نمط مماثل مع تغيير الشركات لمسارات الشحنات وتنويع المصادر للحفاظ على تدفق الإمدادات.

ويجب أن تدعم السياسة التجارية هذا التكيف لا أن تعرقله، لكن هنالك تحدٍ هيكلي أكثر عمقا وهو بالتحديد تركُّز التدفقات التجارية بالغة الأهمية عبر مجموعة محدودة من البلدان والممرات البحرية.

وما كان قد قدَّم يوما الكفاءة يمكن أن يتحول في ظل التوتر إلى مصدر للضعف والهشاشة؛ فالإفراط في الاعتماد على مجموعة محدودة من الموردين وطرق الإمداد يعرِّض الأسواق العالمية للأخطار ويقلل المرونة في أوقات الأزمة.

لا تقتصر المخاطر على مضيق هرمز؛ فنقاط الاختناق الاستراتيجية الأخرى كقناة السويس وقناة بنما ومضيق ملقا ومضيق جبل طارق، إذا ذكرنا قلة منها، تؤكد على قابلية سلاسل التوريد للتأثر بالاضطرابات.

وفي مثل هذا النظام المترابط للتجارة يمكن أن تنتقل خيارات السياسات في منطقة ما بسرعة عبر الأسواق واشتداد التقلّب بعيدا عن نقطة بدايتها.

وسيتطلب التعامل مع هذه المخاطر مقاربات أكثر استشرافا للتنويع والمرونة في التجارة الدولية.

هذا يجعل التعاون بين الحكومات والمنظمات الدولية والقطاع الخاص ضروريا. لقد أظهرت الجائحة أن التعاون بين منتجي اللقاحات وشركات اللوجستيات والمؤسسات مثل منظمة التجارة العالمية وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة الصحة العالمية يمكنه تحسين الشفافية وفك نقاط الاختناق ودعم الإزالة التدريجية للقيود. لم تقضِ هذه الجهود على الضغوط لكنها أسهمت في استقرار الأسواق وتوسعها بمرور الوقت.

ستتطلب الصدمات في المستقبل هذا التعاون نفسه، من ذلك اقتسام المعلومات في الوقت المناسب، وضبط النفس في استخدام القيود التجارية والتعامل الوثيق مع الشركات التي تحرِّك وتموِّل وتؤمِّن التجارة العالمية.

في النظام التجاري المترابط لا يمكن تأمين المرونة عبر التدابير الوطنية وحدها. وسيكون البديل للتكيف المنسَّق حلقةٌ من القيود التجارية التي تترك كل البلدان في وضع أسوأ من السابق.

نجوزي أوكونجو إيويالا المديرة العامة لمنظمة التجارة العالمية

الترجمة عن ذي فاينانشال تايمز