No Image
رأي عُمان

في عُمان.. الثقافة تصنع صورة الدولة

09 مايو 2026
09 مايو 2026

لا يمكن النظر إلى عُمان خارج ثقافتها وتاريخها وامتدادها الحضاري، فقد شاركت هذه العناصر في تكوين شخصيتها العامة؛ في طريقة حضورها بين العرب وفي لغتها السياسية وفي قدرتها على بناء الثقة مع محيطها والعالم. عُمان التي عرفها البحّارة والتجار والعلماء والرحالة أدركت دائما أن الموقع الجغرافي يكتمل بالحضور، وأن البحر الذي يفتح الطرق يحتاج إلى ثقافة تعرف كيف تعبر إلى الآخرين من غير أن تفقد ذاتها.

من هذا المدخل تكتسب دلالة منح المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم «الألكسو» حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله ورعاه، وسام التميز الثقافي العربي من الفئة السامية. فالوسام يضيء مسارا عُمانيا طويلا صارت فيه الثقافة جزءا من بناء الدولة والمجتمع، وتحولت الهوية إلى قوة استقرار وانفتاح، والمعرفة إلى طريق نحو المستقبل.

حضرت الثقافة في التجربة العُمانية دائما داخل مشروع التنمية؛ في المدرسة والجامعة وفي المتحف والمخطوط وفي اللغة والفنون وفي العمارة والأسواق والحارات القديمة، وفي الذاكرة التي يحملها الناس عن أنفسهم وعن بلادهم. ومن خلال هذه العناصر يتكون الوعي الوطني وتترسخ الثقة ويجد المجتمع ما يجمعه في لحظات التحول السريع.

لقد نشأت عُمان تاريخيا عند ملتقى طرق واسعة، وامتدت علاقاتها إلى شرق إفريقيا والهند وبلاد فارس والمحيط العربي، وحملت معها إلى تلك الفضاءات سلوكا وثقافة وتجربة في العيش مع الآخر. لذلك تشكلت الهوية العُمانية عبر تفاعل طويل بين الداخل والخارج، بين الجبل والبحر، بين الخصوصية والانفتاح. وهذه الخلفية تمنح الحضور العُماني المعاصر عمقا خاصا يتصل بالتاريخ بقدر ما يتصل بطريقة الدولة في فهم دورها.

وفي عهد جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، تتأكد هذه الرؤية من خلال العناية بالثقافة بوصفها أحد مسارات بناء الإنسان؛ فالتحولات الكبرى التي يعيشها العالم تجعل المعرفة واللغة والخيال والإبداع عناصر رئيسية في قوة الدول. الاقتصاد الجديد يقوم على الأفكار بقدر ما يقوم على الموارد. والمجتمعات التي تصون ذاكرتها وتطوّر تعليمها وتفتح المجال أمام الإبداع تملك قدرة أوسع على التقدم بثقة.

وتحمل جهة التكريم دلالة خاصة؛ فـ«الألكسو» منظمة عربية نشأت لخدمة التربية والثقافة والعلوم، ولتعزيز التكامل المعرفي والثقافي بين الدول العربية. وفي لحظة تواجه فيها الثقافة العربية ضغوطا كثيرة، من ضعف القراءة إلى تراجع مكانة اللغة، ومن هشاشة المؤسسات الثقافية إلى سطوة الفضاء الرقمي، يصبح تكريم عُمان إشارة إلى قيمة نهج يربط صون الهوية بإنتاج المعرفة، ويرى في الثقافة جسرا عربيا مشتركا.

وتتصل هذه الرؤية أيضا بالقوة الناعمة العُمانية؛ فالدبلوماسية الهادئة التي عُرفت بها سلطنة عُمان تستند إلى رصيد ثقافي طويل من الإصغاء واحترام الآخر والبحث عن المشترك. وهذه القيم لا تولد في السياسة وحدها؛ إنها تنمو في المجتمع وتتغذى من التاريخ وتتحول مع الزمن إلى أسلوب دولة.

لذلك يمكن قراءة وسام التميز الثقافي العربي بوصفه اعترافا بمكانة الثقافة في المشروع العُماني الحديث. وهو في الوقت نفسه تذكير بمسؤولية عُمانية تاريخية تجاه تعزيز التعليم ودعم النشر وصون التراث وتوسيع الصناعات الإبداعية وحماية اللغة العربية. فالأمم التي تعرف كيف تحفظ ذاكرتها وتجدّد معرفتها تستطيع أن تدخل المستقبل من موقع أكثر ثباتا.

يأتي التكريم العربي لعُمان تقديرا لمسار حضاري متصل، مسار يرى في الثقافة أساسا للهوية وفي المعرفة شرطا للتنمية وفي الانفتاح الواعي طريقا لحضور إنساني أوسع. إنها صورة عُمان التي صنعتها قرون من التاريخ، وتواصل الدولة اليوم تجديدها بثقة وهدوء.