بين حرب السويس ومعركة هرمز بداية الانحدار الأمريكي

05 مايو 2026
05 مايو 2026

هناك أحداث في التاريخ لا تتشابه بالضرورة لأسباب موضوعية عديدة؛ لعل في مقدمتها الظروف الجيوسياسية والاقتصادية، وتغلغل الاستعمار في الدول النامية خاصة بعد الحرب العالمية الثانية، وانطلاق مؤامرة سايكس بيكو لتقسيم العالم العربي والسيطرة عليه وعلى مقدراته.

لكن حوادث التاريخ تتقاطع في أحيان كثيرة لأسباب وعوامل غير معروفة، خاصة على صعيد صعود وسقوط الإمبرطوريات، خاصة في العصر الحديث؛ ولعل النموذج الأبرز هنا هي الإمبراطورية البريطانية التي لا تغيب عنها الشمس، وهي في أوج قوتها العسكرية البحرية والاقتصادية، وسيطرتها على مساحات واسعة من الجغرافيا في الشرق والغرب، بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية نفسها.

ومع ذلك، وبعد قرون من تلك الهيمنة والسطوة الاستعمارية، تهاوت الإمبراطورية البريطانية بعد حرب السويس ضد مصر عام ١٩٥٦، ذلك العدوان الثلاثي الذي قادته بريطانيا وفرنسا وبتحريض من الكيان الصهيوني، وانتهى بهزيمة استراتيجية مدوية للامبراطورية البريطانية والتي تهاوت بعدها في أقل من عقدين، والانسحاب المذل من الشرق العربي.

ويبدو أن أحداث السويس عام ١٩٥٦ تتقاطع مع معركة مضيق هرمز، بصرف النظر عن الظروف التاريخية والأطراف المشاركة فيها، لكن المؤكد أن المواجهة العسكرية البحرية في مضيق هرمز بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية سوف تكون لها نتائج كارثية على الإمبراطورية الأمريكية فيما يخص تآكل تلك الإمبراطورية الأمريكية.

والسبب لا يعود إلى المواجهة العسكرية مع إيران بشكل خاص، ولكن المعاناة سوف تكون اقتصادية، وفقدان هيبة الدولة الأمريكية، والتي وصلت إلى مرحلة من القوة العسكرية والصناعية والتكنولوجية، بما لا يمكن منافستها حتى من الدول الغربية رغم الزحف المخيف من العملاق الصيني.

الولايات المتحدة الأمريكية دخلت في مغامرة عسكرية ضد إيران لم تكن بحاجة لها، كما أن تلك المواجهة أضاعت هيبة الدولة الأقوى في العالم، وهي تواجه دولة محاصرة اقتصاديا وتقنيا منذ عام ١٩٧٩، وهو العام الذي انطلقت فيه الثورة الإسلامية بقيادة الإمام الراحل الخميني.

كما ضحت إدارة ترامب التي انصاعت للوبي الصهيوني في الولايات المتحدة الأمريكية ولتحريض المتطرف نتنياهو بقيم الدستور الأمريكي وانتهاك القانون الدولي في وقت كانت الوساطة الدبلوماسية العمانية تحقق نجاحا كبيرا، وعلى مقربة من نجاح المفاوضات والتوقيع على الاتفاق النووي الجديد.

كما غامر الرئيس الأمريكي ترامب بسمعة بلاده في الدخول في حرب كارثية أضرت بمصالح بلده الاقتصادية، وأيضا بمصالح دول العالم، خاصة دول مجلس التعاون الخليجي، على صعيد تصدير الطاقة عبر مضيق هرمز الاستراتيجي.

أمام هذه المفارقة التاريخية بين حرب السويس ١٩٥٦ ومعركة هرمز عام ٢٠٢٦ فإن ثمة تداعيات حول حال الإمبراطورية الأمريكية والتي سوف تدخل بعد سنوات في مسألة الانحدار التدريجي الذي سلكته الامبراطورية البريطانية بعد حرب السويس، خاصة وأن دول المنطقة تحديدا ينبغي أن تجري تقييما موضوعيا لموضوع الحماية الأمريكية على ضوء ما كان عليه الحال مع الإمبراطورية البريطانية قبل عقود.

إذن الولايات المتحدة الأمريكية خسرت استراتيجيا الكثير بصرف النظر عن نتائج الحرب والتي تحولت إلى حرب استنزاف، كما تمت الإشارة في مقالات عديدة، ونجحت إيران، كما حدث في حروب مشابهة، في جر الولايات المتحدة الأمريكية إلى حرب استنزاف. ومن هنا، فإنَّ المشهد العسكري في مضيق هرمز هو استرجاع لظاهرة حرب السويس والتي أنهت أكبر الامبراطوريات قوة وهيمنة في التاريخ الحديث.

ومن هنا، فإن الإمبراطورية الأمريكية توفر لها رئيس لا يفقه الكثير من أحداث التاريخ وتقاطع أحداثه. ولعل المؤشر الخطير اقتصاديا فيما يخص الدين العام الأمريكي أنه أصبح مسأويا لكل الناتج المحلي الإجمالي؛ وهي مسألة مقلقة كما يرى ذلك عدد من كبار الشخصيات الاقتصادية والفكرية ودارسي العلوم السياسية، كما أن الحرب الأمريكية الإيرانية أظهرت نقصا في السلاح الأمريكي الذي ذهب الكثير منه إلى الكيان الصهيوني، كما فشلت القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة في الدفاع عن نفسها، وتعرضت لأضرار كبيرة، وهي في حدود ١٧ قاعدة كلف بناؤها عشرات المليارات من الدولارات.

وكما صعدت الإمبراطورية الأمريكية على انقاض القوى التقليدية الغربية خاصة الإمبراطورية البريطانية في عقد الخمسينيات، خاصة بعد حرب السويس، فإن ثمة عالما جديدا يتشكل بعد الهزيمة الاستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية أمام إيران وقوى المقاومة في لبنان والعراق، وحتى تهديد الحوثيين في غلق باب المندب في حال تطورت المعركة بين الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني من جانب والجمهورية الإسلامية الإيرانية وحلفائها من جانب.

الحروب لا تكون نتيجتها نصرا أو هزيمة أو ما بينهما؛ ولكن تداعياتها الاستراتيجية تكون أعمق على هيبة الدول، خاصة الكبرى، كما هو الحال مع الولايات المتحدة الأمريكية. ويبدو لي بأن العصر الأمريكي الأوحد قوة ونفوذا سوف يبدأ بالانحدار، ولعل موضوع الدولار سوف يظل السلاح الأخير، وإذا ما استطاعت القوى الأخرى الصاعدة كالصين وروسيا ودول مجموعة بريكس أن تفرض عملاتها المحلية من خلال التبادل التجاري فإن عصر الإمبراطورية الأمريكية سوف يتلاشى تدريجيا خلال عقود قليلة، كما حدث للامبراطورية البريطانية التي تلاشت بسبب العجز عن إدارة المستعمرات في الشرق والغرب، علاوة على نتائج حرب السويس التي أفقدت بريطانيا العظمى هيبتها وسمعتها الدولية، كدولة هادنت الكيان الصهيوني، وهو الأمر الذي يحدث الآن مع الرئيس الأمريكي ترامب على حساب مصالح الشعب الأمريكي الذي أصبح منتقدا ترامب، حيث سجل هذا الأخير في استطلاعات الرأي العام أدنى شعبية يحققها رئيس أمريكي وهي نسبة ٣٥ في المائة، علاوة على الصدام اليومي بين الرئيس الأمريكي ترامب والصحافة والإعلام الأمريكي، ومع عدد من أعضاء الكونجرس وجنرالات الجيش وعدد من مسؤولي حكومته.

إنَّ المشهد العسكري في مضيق هرمز يشكل خطورة على الأمن والاستقرار في المنطقة والعالم، كما تأثر الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد وارتفاع سعر الطاقة والتأمين والشحن. ومن هنا، فإنَّ الدبلوماسية أصبحت هي الخيار الأوحد. وعلى الرئيس الأمريكي ترامب أن يخفف من التهديدات، وأن يفاوض إيران بشكل واقعي، ويبتعد عن الأوهام× حيث إن مغامرته العسكرية فشلت بشكل كبير، كما أن حصاره البحري غير قانوني.

ومن هنا، فإنَّ الحرب سوف تنتهي في النهاية، في ظل تحولها إلى حرب استنزاف، ولكن سوف تظل التحولات الاستراتيجية أكثر أهمية في السنوات القليلة القادمة، فهل تتقاطع أحداث التاريخ وتتهاوى الإمبراطورية الأمريكية كما تهاوت الإمبراطورية البريطانية قبل سبعة عقود؟ سؤال مهم سوف تتضح ملامح إجابته في السنوات القليلة القادمة.