غسيل وألاعيب

05 مايو 2026
05 مايو 2026

أعتقد أن كلمة «غسل» في أذهاننا باتت مرتبطة بالاستخدام الشائع، «غسل الأموال»، وهو إخفاء المصدر غير المشروع عبر تمريره في قنوات تبدو قانونية.

لكن هذا المفهوم يحضر في سياقات مختلفة، يُعاد موضعته داخل النقاش العام مع ما يحدث في العالم الآن، خصوصًا في ظل خيارات تتخذها قوى تحتاج إلى سرديات تؤثر على ناخبيها ودافعي الضرائب لها.

قرأتُ هذا المفهوم كثيرًا في التحليلات المنشورة مؤخرًا، خصوصًا من الإيرانيين خصوم الإمبريالية في المهجر، كما استخدمته الجماعات المهمشة والأقليات على نحو متزايد خلال السنوات الأخيرة.

في كل هذه الحالات، لا يتعلق الأمر فقط بإعادة تقديم الواقع، بل أحيانًا بإنتاجه بشكل انتقائي.

إن ما يُعرض ليس دائمًا ما هو موجود، بل ما يُراد له أن يُرى.

إذ قد يجري تسليط الضوء على ممارسات محددة - أو حتى صناعتها - بهدف بناء صورة تبدو أكثر شرعية أو تقدمًا من الواقع الأوسع الذي تنتمي إليه.

أي نقل الانتباه من بنية إشكالية إلى مظاهر جزئية قابلة للتسويق. كأن يقوم نظام استبدادي، يلقي بالمفكرين والكتاب في السجون، بتنظيم مسابقات وبرامج ثقافية ضخمة في الفكر والثقافة، أو أن يستخدم هذه البرامج نفسها في إخفاء واقع قهري عنيف.

ومن أمثلة ذلك أيضًا pinkwashing (الغسيل الوردي) في سياق الكيان المحتل الإسرائيلي، حيث لا يجري فقط إبراز سياسات جزئية، بل توظيفها ضمن استراتيجية أوسع لإعادة تشكيل الانطباع العام. ففي تحليل منشور في مجلة كحل، يوضح موسى الشديدي في مقاله «توظيفات المنظومة العقابية في استغلال الصهيونية للمثلية الجنسية» أن خطاب حقوق المثليين في إسرائيل يتم استخدامه كأداة لإنتاج صورة تقدمية تُسهم في صرف الانتباه عن بنى أوسع من العنف أو الإقصاء الذي تمارسه السلطة المحتلة.

لا يبدو هذا مجرد تحليل نظري. فقبل أيام، انتشر مقطع مصوّر من مظاهرة داعمة لغزة في أمريكا، تجر فيه الشرطة شابًا يهوديًا مثليًا.

في الفيديو، توجهت له فتاة في نحو الخامسة عشرة من عمرها بسؤال مباشر: «هل لو كنت بمظهرك هذا وهويتك الجندرية هذه في فلسطين، لبقيت حيًّا؟» - في إشارة إلى سردية متداولة عن «تسامح» الكيان وتقدميته في ما يتعلق بالهويات الجندرية، مقابل الخيار الآخر «المقاومة» التي ستقتلك على الفور.

عاد الشاب نفسه لاحقًا في مقطع آخر ليرد على هذا الافتراض، مذكّرًا بما بات يتكرر في خطاب للمجموعات الكويرية منذ تكثيف الإبادة الجماعية في غزة في أكتوبر 2023: أن العنف الاستعماري لا يفرّق بين الأجساد، وأن القتل يسبق أي تصنيف أو هوية. فالصواريخ لا تميّز، والآلة العسكرية تستهدف الجميع، قبل أن «تتعرف» على هويتهم.

وحتى هذا الطرح يفترض - جدلًا - وجود دعم فعلي لحقوق المثليين داخل دولة الاحتلال. إلا أن مراجعة قوانين الأحوال المدنية، وتاريخ توظيف الهويات الجنسية في سياق الاحتلال، تكشف عن صورة أكثر تعقيدًا، تشمل حالات استُخدم فيها الأفراد، خصوصًا المثليين، عبر الضغط عليهم أو ابتزازهم بالتهديد بمشاركة عائلاتهم تفاصيل عن حياتهم الشخصية، بهدف تجنيدهم في أعمال استخباراتية لصالح الكيان.

ضمن هذا الامتداد، صادفت مصطلح «narrative laundering».

لا أجزم بدقة تعريبه إلى «غسل السردية»، ولا إن كان هذا هو المقابل العربي المستقر له، لكنني أتبنى هذه الصيغة قياسًا على مفاهيم مثل «غسل الأموال» و«الغسيل البيئي».

يشرح مقال «من هو أمجد طه؟ قراءة معمقة» المنشور عبر Substack، لـ Marc Owen Jones، كيف تُستخدم مؤسسات واجهة - قد لا تتجاوز مواقع إلكترونية أو كيانات شكلية - لإضفاء مظهر من الخبرة أو الإجماع، ثم تعيد وسائل الإعلام تداول هذه الصفات دون تحقق كافٍ. ومع كل إعادة نشر، لا تتراكم الحقيقة بقدر ما تتراكم المصداقية الشكلية، إذ تكتسب الادعاءات ثقلًا من مسار تداولها، لا من صلابتها.

يُعاد تداول هذه المقالة المنشورة في ديسمبر 2025 عن الناشط الحقوقي الذي يدّعي أنه خليجي ويدعم إسرائيل، والحاصل على دعم وتأييد من متطرفين يمينيين في أوروبا وأمريكا، والذي أصبح مرجعًا هامًا لمناقشة قضايا المهاجرين العرب والمسلمين في أمريكا وأوروبا، والذي يمكن ببساطة أن نتخيل موقفه منهم جميعًا، وادعاءه معرفة الواقع، بل وخفاياه أيضًا.

هذا بالضبط ما وجدته خلال الفترة الماضية وأنا أبحث في مسألة الرغبة في عودة الملكية وحكمها، خصوصًا مطلع هذا العام مع الحراك الشعبي الإيراني. لم يكن الأمر مجرد اختلاف في الأرقام، بل في مصدرها. كثير من البيانات التي استندت إليها قنوات دولية مثل BBC كانت تعود إلى مؤسسات غير واضحة من حيث التمويل أو المنهجية. بعضها يدّعي إجراء استطلاعات داخل إيران، رغم القيود المعروفة، وبعضها يعتمد على عينات غير قابلة للتحقق. ومع ذلك، كانت هذه الأرقام تنتقل من منصة إلى أخرى، وكأنها تكتسب شرعيتها مع كل إعادة تداول.

وكما تقدم، فإن هذا المفهوم لم يعد محصورًا في السياسة. في نقاشات المناخ، ظهرت الفكرة نفسها. في سلسلة منشورات لـ K. Diallo على منصة إكس، يلفت الانتباه إلى كيفية تقديم أدوات مثل أسواق الكربون أو الاستثمارات «الخضراء» كحلول تقنية، بينما تتيح في الوقت نفسه استمرار الأنماط الإنتاجية ذاتها. هنا لا يجري فقط تلميع الممارسات، بل إعادة صياغة الأزمة نفسها: من مشكلة بنيوية إلى «فرصة» قابلة للإدارة ضمن منطق السوق.

ما يهم هنا ليس الدعوة إلى الشك في كل شيء، بل الانتباه إلى أن ما يبدو بديهيًا لا يصل إلينا بريئًا. فالسرديات لا تُفرض فقط من أعلى، بل تُبنى وتُعاد صياغتها عبر وسائط متعددة، إلى أن تستقر في الوعي العام بوصفها منطقية أو حتى «طبيعية». في هذا السياق، لا يكون الخطر في تصديق رواية ما، بل في غياب القدرة على تتبع شروط إنتاجها.

وهذا لا يعني الانسحاب أو الارتياب في كل شيء، بل فهم ما يجري: أن ما يتكرر ليس بالضرورة ما هو أصدق، بل ما نجح في العبور. هنا، المسألة ليست معرفية فقط، بل سياسية. لأن السرديات التي تستقر ليست مجرد تفسيرات، بل أدوات تُستخدم لتبرير سياسات، وإنتاج موافقات، وتحديد ما يمكن التفكير فيه أصلًا.