العنف يهدد إحدى أبرز الوجهات السياحية في كولومبيا
كولومبيا"أ.ف.ب":يمتد متنزه سييرا نيفادا دي سانتا مارتا الوطني من قمم تغطيها الثلوج إلى مياه البحر الكاريبي الفيروزية، ما يجعله أحد أبرز الوجهات السياحية في كولومبيا.. غير أن هذه المشاهد الخلّابة تخفي واقعا أكثر قتامة.
تفرض جماعات مسلّحة سطوتها في المنطقة، إذ تبتز أصحاب الأعمال التجارية وتروّع السكان الأصليين.
وحوّل توقيع اتفاق سلام عام 2016 الذي أنهى نصف قرن من الحرب بين الدولة الكولومبية وحركة القوات المسلحة الثورية الكولومبية (فارك) المتمرّدة، البلد الذي عانى طويلا من نفوذ تجار المخدرات والمسلحين إلى وجهة مهمّة على خريطة السياحة العالمية.
في كل يوم، يتدفّق آلاف الزوار إلى المنطقة للسير في الأدغال نحو شواطئ رملية بيضاء، أو إلى "المدينة المفقودة" الجبلية في كولومبيا التي تسبق تاريخيا مدينة ماتشو بيتشو في بيرو.
ولا يلاحظ الكثير منهم الرجال الذين يرتدون بزّات مموّهة ويراقبون عن بعد. هؤلاء منضوون في "قوات سييرا نيفادا للدفاع عن النفس" (ACSN)، وهي مجموعة من العناصر الذين يسيطرون على طرق تهريب الكوكايين في المنطقة ويقومون بعمليات تعدين غير قانونية للذهب.
ويمثّل الابتزاز مصدر دخل غاية في الأهمية بالنسبة لـ"الكونكيستادوريس"، وهو الاسم الذي يُعرف به أعضاء قوات سييرا نيفادا للدفاع عن النفس، إذ يطالبون بنسبة من أرباح الفنادق وشركات الحافلات السياحية ومن السكان الأصليين الذين تلقى منتوجاتهم يدوية الصنع مثل الأرجوحات والحقائب رواجا كبيرا لدى الزوار.
وقال حاكم شعب كوغوي الأصلي أتاناسيو موسكوتي لفرانس برس من منطقة مرتفعة في متنزه سييرا نيفادا دي سانتا مارتا الوطني الذي يعتبره شعبه "قلب العالم": "نشعر بالخوف والقلق حيال المستقبل".
- غابات وشعاب مرجانية -
وفي فبراير، أغلقت الحكومة منتزه تايرونا الوطني، وهو موقع مدرج على قائمة اليونسكو للتراث العالمي يطل على الكاريبي، لمدة أكثر من أسبوعين بعد تهديدات تعرّض لها حرّاس المنتزه ممن يشتبه أنهم عناصر قوات سييرا نيفادا للدفاع عن النفس.
واتّهمت السلطات قوات سييرا نيفادا بالضغط على شعب واييون المقيم في المنتزه للتمرّد على حملة أمنية تستهدف أنشطة غير شرعية على غرار قطع الأشجار.
ورافقت فرانس برس أحد حرّاس المنتزه في جولة في المحمية التي تضم الغابة الجافة التي تمّت المحافظة عليها بشكل أفضل في كولومبيا وبعضا من أكثر شعابها المرجانية تنوعا.
وأوضح يينر هيرنانديز (31 عاما) أن "حضورنا في كل زاوية وكل منطقة ضروري للحفاظ على مواردنا والمحافظة عليها ومراقبتها".
واستقبل منتزها تايرونا وسييرا نيفادا معا أكثر من 873 ألف زائر العام الماضي.
اعتُبر هذا التدفق للزوار تحوّلا كبيرا عمّا كان عليه الوضع في ثمانينات القرن الماضي وتسعيناته عندما شهدت المنطقة معارك ضارية بين قوات سييرا نيفادا للدفاع عن النفس التي كانت مرتبطة بالجيش حينذاك ومتمرّدي فارك سابقا.
وبعد عشر سنوات على موافقة فارك على نزع السلاح، باتت قوات سييرا نيفادا للدفاع عن النفس التي أسسها زعيم كان من القوات المرتبطة بالجيش تم تسليمه إلى الولايات المتحدة، تسيطر على المنطقة.
وحاولت أكبر عصابة مخدرات في كولومبيا تعرف باسم "عشيرة الخليج" (Gulf Clan) في الأشهر الأخيرة اقتطاع حصّة من هذه الأنشطة، ما أدى إلى اندلاع مواجهات مع قوات سييرا نيفادا للدفاع عن النفس.
وقال حاكم شعب أرهواكو الذي يقطن سييرا نيفادا لويس سالثيدو لفرانس برس إن السكان الأصليين "الذين لا يتحدثون الإسبانية ويعيشون من محاصيلهم ويعتمدون على معارفهم التقليدية" يجدون أنفسهم عالقين في خضم هذه التطورات.
- مخاوف على سمعة المنطقة -
وشمل أول رئيس يساري لكولومبيا في العصر الحديث غوستافو بيترو قوات سييرا نيفادا للدفاع عن النفس في سياسته الساعية للتفاوض على نزع سلاح جميع الجماعات المسلحة والتي فشلت.
وبعد أربع سنوات على إطلاق حملته "السلام الشامل" (Paz Total)، ما زالت قوات سييرا نيفادا الآمرة الناهية في منطقة سانتا مارتا، بحسب ما أكدت الباحثة نورما فيرا لفرانس برس.
وباتت مسألة الابتزاز من بين أبرز القضايا في الحملة الجارية لاختيار خليفة لبيترو في الانتخابات التي تنطلق في 31 أ مايو.
وأعلنت وزارة الدفاع أنها تلّقت أكثر من 46 ألف شكوى ابتزاز منذ العام 2022.
وأعرب رئيس رابطة فنادق مدينة سانتا مارتا عمر غارسيا عن قلقه من تأثير أعمال العنف على قطاع السياحة الناشئ في كولومبيا.
وقال إن "أي أنباء تؤثر على صورة (وجهة ما) وسلامة الزوار تدفع السيّاح للتفكير مرّتين" قبل القدوم.
