من المعرفة إلى الاقتصاد.. مسار لتأسيس سوق قائم على الإبداع والابتكار
العُمانية: تسعى سلطنة عُمان بكافة مؤسساتها المختلفة إلى تمكين اقتصاد المعرفة كونه أحد المرتكزات الأساسية للاقتصاد الوطني، ومن خلال الاعتماد على مشروعات البحث العلمي لبناء قاعدة معرفية راسخة، والاستناد على الاستثمار في الابتكار من خلال تأسيس شركات ناشئة صغيرة ومتوسطة تسهم في تحويل المخرجات البحثية والمعرفة العلمية إلى منتجات اقتصادية وطنية تحقق عوائد اقتصادية للمبتكرين.
وفي هذا السياق قال عادل بن إبراهيم الفزاري من هيئة البحث العلمي والابتكار لوكالة الأنباء العُمانية: إنه انطلاقًا من إدراك سلطنة عُمان لأهمية هذا النهج، فقد أولت سلطنة عُمان اهتمامًا خاصًا بالمؤشرات العالمية ذات الصلة، وفي مقدمتها مؤشر الابتكار العالمي، الذي يعد أحد المؤشرات الرئيسة لقياس تقدم مستهدفات "رؤية عُمان 2040"، وعزز هذا التوجه من خلال اللقاءات المباشرة مع المختصين في مجالات البحث العلمي والابتكار، وما نتج عنها من توصيات ومخرجات عبر الزيارات الميدانية والندوات وحلقات العمل التطويرية.
وأشار إلى أن سلطنة عُمان تنبت الابتكار كمحرك استراتيجي للتنمية المستدامة، ما عزز من مكانتها في المؤشرات التنافسية العالمية. ويرتكز هذا التوجه على مستهدفات "رؤية عُمان 2040" التي وضعت البحث العلمي والابتكار كأولوية قصوى للتحول نحو اقتصاد المعرفة. مبيّنًا أنه قد ترسخ هذا النهج تشريعياً بإنشاء "هيئة البحث العلمي والابتكار" لتوفير بيئة تمكينية ترعى المبتكرين وتنمّي الإبداع.
وأكد أن هذه المرتكزات مجتمعة قد أسهمت في بناء قاعدة صلبة للمنظومة الوطنية للابتكار، وتعزز هذا البناء بوجود عدد من البرامج التنفيذية والإشرافية والتوجيهية، وفي مقدمتها الفريق الوطني لمشروع تحسين أداء سلطنة عُمان في مؤشر الابتكار العالمي، إلى جانب حزمة من البرامج والمبادرات التي تنفذها هيئة البحث العلمي والابتكار لدعم النشر العلمي، وتمويل المشروعات البحثية، وبناء القدرات البحثية والابتكارية، وتأسيس الحاضنات والكراسي العلمية، ودعم مراكز الابتكار في المؤسسات الأكاديمية الوطنية.
وقال: تعد اختصاصات ومبادرات هيئة البحث العلمي والابتكار ركيزةً أساسية لتمكين الشباب في سلطنة عُمان، بما يعزز ثقتهم في خوض غمار المشروعات الابتكارية، ويُعزى ذلك إلى توفير الهيئة لإطار مؤسسي داعم وواضح، يتمحور حول الاستراتيجية الوطنية للابتكار، ويمنح الشباب خارطة طريق موحدة وأهدافًا استراتيجية قابلة للبناء عليها، بالتكامل مع شركاء المنظومة الوطنية للابتكار.
منوّهًا أن دور الهيئة يمتد ليشمل الجوانب التشريعية والمعرفية، من خلال توفير التوعية بحماية الملكية الفكرية، التي تعد عنصرًا حيويًّا في طمأنة المبتكرين، إلى جانب تطوير سياسات محفزة للابتكار، وتنفيذ برامج تدريبية وتعليمية مستمرة لبناء القدرات، بما يعزز ثقة الشباب بمهاراتهم، ويرفع قدراتهم على التنفيذ الفاعل، وبذلك توفر هيئة البحث العلمي والابتكار منظومة متكاملة ترسّخ أسسًا قوية لتحويل أفكار الشباب إلى مشروعات عملية مستدامة، بما يسهم في ترسيخ ثقافة الابتكار، وبناء ثقة مجتمعية راسخة في قدرات الشباب العُماني المبتكر، وهو ما يتطلب تعزيز التكامل المؤسسي، وتوسيع نطاق التعاون بين الجهات المعنيّة، وتعظيم الأثر الاقتصادي والاجتماعي لمخرجات الابتكار على مختلف المستويات والشرائح.
وقال الفزاري: إن هيئة البحث العلمي والابتكار اعتمدت نهجًا تشاركيًا من أجل تعزيز ثقافة الابتكار، ويتجسد هذا النهج من خلال عدد من الممارسات التنظيمية، أبرزها: التفاعل المباشر ضمن البرامج والمبادرات، وذلك من خلال إتاحة الفرصة لمشاركة أكبر قدر ممكن من الشباب في مختلف البرامج التدريبية والتأهيلية المطروحة، والمشاركة في عمليات التقييم والتطوير لبرامج ومشروعات الهيئة عبر إشراك الشباب في مختلف الفعاليات المرتبطة بها، بما يتيح رصد الاحتياجات الفعلية للمبتكرين بصورة مباشرة ودقيقة، وتنظيم حلقات عمل ولقاءات تشمل الشباب في مرحلة تصميم البرامج الجديدة أو مراجعة البرامج القائمة، لضمان تلبيتها لتوقعاتهم وتحدياتهم التي يواجهونها، وتنفيذ متابعات دورية لاستخلاص الدروس المستفادة، بما يسهم في تحسين السياسات المستقبلية وتعزيز فاعليتها.
من جهته قال المحامي الدكتور محمد بن إبراهيم الزدجالي: في إطار التوجهات الوطنية التي تنتهجها سلطنة عُمان، يأتي النظام الأساسي للدولة الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (6 /2021) ليضع الأساس الداعم للابتكار وريادة الأعمال، لا سيما ما ورد في المادة (16) المتعلقة بالمبادئ الثقافية، حيث أوضحت المادة المبادئ الثقافية والتي من ضمنها التعليم حق لكل مواطن، هدفه بناء الشخصية العُمانية، والحفاظ على الهُوية الوطنية، وتأصيل المنهج العلمي في التفكير، وتنمية المواهب، وتشجيع الابتكار، وترسيخ القيم الحضارية والروحية، وإرساء مفاهيم المواطنة والتسامح والتآلف، حيث تكفل الدولة حرية البحث العلمي، والعمل على تشجيع مؤسساته، ورعاية الباحثين، والمبتكرين، كما تكفل سبل المساهمة الفعّالة للقطاعين الخاص والأهلي في نهضة البحث العلمي، وقد انعكس هذا التوجه على السياسات العامة والتشـريعات، حيث شهدت سلطنة عُمان تقدمًا ملموسًا في مؤشر الابتكار العالمي لعام 2025، بحصولها على المرتبة 69 من بين 139 اقتصادًا عالميًّا، وهو ما يعكس فاعلية السياسات المتبعة في دعم منظومة الابتكار وتمكين الكفاءات الوطنية. وأكد أن المبادرات الحكومية قد أسهمت في تهيئة بيئة قانونية محفزة لتأهيل الكوادر العُمانية، من خلال برامج تدريبية متخصصة تنفذها مؤسسات مختلفة، وتهدف إلى تنمية المهارات، وتحفيز التفكير الابتكاري، وتطوير القدرات اللازمة لإطلاق المشروعات. وعملت القوانين على تبسيط إجراءات إنشاء المؤسسات والمشروعات، وتوفير أطر تنظيمية مرنة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة والشـركات الناشئة، إلى جانب مبادرات تستهدف رواد الأعمال الشباب بشكل مباشر. كما عززت التشـريعات المنظمة للاستثمار والأعمال ثقة الشباب بالبيئة الاقتصادية.
وأكد أن الدعم التشريعي في سلطنة عُمان شمل ترسيخ مبادئ الحوكمة لضمان استدامة المشروعات وحماية أصحابها، من خلال تعزيز الشفافية، ووضوح الإجراءات، والمسؤولية القانونية، بما يقلل من النزاعات ويعزز الثقة في بيئة الأعمال. كما أعطت التشـريعات اهتمامًا كبيرًا بحماية حقوق المبتكرين، سواء من حيث الملكية الفكرية أو الحقوق التعاقدية، بما يضمن حفظ الجهد الفكري وعدم استغلاله وذلك بتشـريع منظومة قانونية واضحة لحماية الملكية الفكرية، من بينها قانون حقوق المؤلف والحقوق المجاورة وقانون براءات الاختراع والرسوم والنماذج الصناعية، التي تكفل حماية الأفكار والمنتجات الابتكارية من التقليد أو الاستغلال غير المشـروع، بما يشجع الشباب على الاستثمار في أفكارهم بثقة وأمان قانوني، ومن هنا نخلص إلى أن السياسات الحكومية، والتشـريعات القانونية، ومبادئ الحوكمة مجتمعة، أسهمت في بناء بيئة داعمة للشباب المبتكر في سلطنة عُمان، قادرة على تحويل الأفكار إلى مشروعات ناجحة ذات أثر اقتصادي واجتماعي، ضمن إطار قانوني يؤسس لاقتصاد وطني مزدهر يقوده أبناء الوطن بكفاءة واقتدار.
بدوره قال المبتكر محمود بن محمد الهنائي من جامعة التقنية والعلوم التطبيقية: "انطلاقًا من تجربتي كمشارك في معرض جنيف الدولي للاختراعات، أرى أن سلطنة عُمان وفّرت خلال السنوات الأخيرة منظومة دعم مهمة للمبتكرين، سواء على المستوى الحكومي أو القانوني، وأصبح الوصول إلى هذا الدعم أسهل بكثير بفضل وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية، التي قرّبت الشباب من الجهات المعنيّة وقدّمت لهم قنوات تواصل مباشرة وسريعة. مع التأكيد على إيجاد قنوات للتثقيف، في ظل وجود شريحة من الشباب لا تفكر في الابتكار من الأساس، أو تعتبره مسارًا معقدًا وصعب المنال". وأضاف: "أرى أن على الشباب الإلمام بالجوانب القانونية، وخصوصًا ما يتعلق بتسجيل براءات الاختراع وحماية الملكية الفكرية، لتكون أكثر وضوحًا لديهم بحيث لا تشكّل عائقًا نفسيًّا وعمليًّا أمام خوض التجربة. وهنا تبرز الأهمية في أن تقوم المؤسسات المعنيّة بتنظيم لقاءات تعريفية مبسطة توضح المسار القانوني، والتحديات المتوقعة للشباب، وكيفية تجاوزها، بأسلوب تدريجي يناسب مختلف المستويات. وأكد أنه وفي ظل التطور التقني، يمكن الاستفادة من وكلاء الذكاء الاصطناعي كأداة فعّالة لتلقي استفسارات الشباب المبتكرين والرد عليها بشكل فوري، ثم توجيههم وإرشادهم إلى أفضل برامج الدعم المناسبة لهم، سواء كانت قانونية أو فنية أو تمويلية، مما يسهم في تسهيل الوصول إلى المعلومة وتقليل الفجوة المعرفية. أما على مستوى بناء ثقافة الابتكار، فمن الضروري البدء من المراحل الدراسية المبكرة عبر برامج تعريفية مبسطة تظل راسخة في أذهان الطلبة.
وأشار إلى أن الابتكار في جوهره ليس سوى فكرة أو شرارة، تحتاج إلى من يوجّهها ويرعاها حتى تكبر ويتضح نورها، فيستفيد منها الفرد والمجتمع. موضحًا أن الدعم بكافة توجهاته وسياقاته باعتباره وقود الإبداع؛ كونه يرسخ الشعور بالفخر والتقدير ولتعظيم هذه القيمة، يرى أن تكون هناك فرصة لبناء منظومة تكاملية شاملة تجمع بين طموح المؤسسات الرسمية المعنيّة وخبرة القطاع الخاص، ورؤية أصحاب الأعمال، مؤكدًا على دور الإعلام في تسليط الضوء على الابتكارات الشبابية ليكون داعمًا للاستثمار غير التقليدي، من خلال تسليط الضوء على المردود التجاري الواعد لتلك الابتكارات الشبابية، مبيّنا أن الاستدامة الحقيقية هي قصة نجاح تبدأ من نقطة الصفر وتكتمل في خطوط الإنتاج، حيث العمل على تحويل كل ابتكار إلى منتج ملموس يتغلب على التحديات الواقعية التي قد تقف في وجه كل مشروع حقيقي.
من جانبها أكدت براءة بنت يوسف العوفي الرئيسة التنفيذية لشركة "علمِفاي" أن قصص نجاح الشباب المبتكرين في سلطنة عُمان تعكس مدى تطور البيئة التنظيمية والقانونية الداعمة لريادة الأعمال والابتكار، حيث وفّرت التشريعات المرنة، وبرامج الدعم الحكومي، وحاضنات ومسرّعات الأعمال مساحة آمنة لتجربة الأفكار وتحويلها إلى مشروعات حقيقية، وهذه البيئة شجّعت الشباب على المخاطرة المحسوبة، وحمت حقوقهم الفكرية، وسهّلت تأسيس الشركات، مما مكّنهم من التركيز على الابتكار وبناء حلول تخدم المجتمع والاقتصاد الوطني. وأضافت أن هذه القصص تلهم جيل الشباب الجديد لأنها تقدّم نماذج واقعية قريبة منهم، تثبت أن النجاح ليس حكرًا على فئة معينة، بل نتيجة اجتهاد، ودعم، وبيئة حاضنة، وعندما يرى الشباب أقرانهم يحققون إنجازات حقيقية من داخل سلطنة عُمان، يزداد إيمانهم بقدراتهم وبقيمة أفكارهم، ويتحول الطموح إلى دافع للمبادرة والابتكار، والمشاركة الفاعلة في بناء مستقبل قائم على المعرفة والتقنية.
