في معنى الجولات التفقدية لجلالة السلطان

02 مايو 2026
02 مايو 2026

تؤكد الجولات السلطانية أن بناء الداخل، والتأكد من انعكاس أثر النمو الاقتصادي، وتسخير حركة الاقتصاد وكل ما تقوم به الدولة من آليات في الداخل والخارج لخدمة الملف الاقتصادي ينعكس على حياة الأفراد، ويتجسد في تطوير الحواضر، ويترجم إلى تنمية محلية، تعزز اللحمة والانتماء 

يطوي الموكب الميمون لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم - أعزه الله - طرقات عُمان، ويطوف بين حاراتها، يلامس الحب بين أهليها، ويرى فرص المستقبل بين جنبات ولاياتها، ويتلمس أثر التنمية التي وجه مساراتها إلى غايات وأولويات متجددة. 

لم يكن المشهد عاديًا في توقيته، وتفاصيله، وإنما هو مشهد مُشبعٌ بالرسائل والحكمة والالتفاف العميق بين القيادة والشعب. ففي دلالته الأولى تأكيد على حرص الحكومة على تنويع أدوات التواصل مع المجتمع؛ فبعدما استحدثت الدولة من أدوات وممكنات لهذا الاتصال، سواء كان في صيغة تطوير لآليات المشاركة المجتمعية في صنع القرار عبر المجالس المنتخبة، أو عبر التأكيد المستمر على دور تلك المجالس في أن تكون الأداة المؤسسية للاتصال بين الدولة والمجتمع من خلال تمكينها وترسيخ الخطاب السياسي الداعم لها، أو من خلال ما تم استحداثه من منصات للاستجابة للمجتمع وإشراكه في صنع السياسات العامة، وتمكين صوته من صنع التنمية المحلية، أو من خلال التأكيد على أدوار الإدارات المركزية والإدارات المحلية على ضرورة الحضور في الميدان، والالتقاء بالمواطنين، والوصول إلى كافة بقاع وجغرافيا عُمان، والاستماع لصوت المجتمع، وتمكينه عبر أفضل الأدوات من المشاركة في التنمية المحلية - بما في ذلك ترتيب الأولويات التنموية -، كما صاحب عمل آليات الدولة الانتقال إلى نهج العمل بالمؤشرات، ومساءلة النتائج، فأدرجت مؤشرات واستطلاعات الرضا المجتمعي عن الخدمات (مركزيًا ومكانيًا) ضمن مؤشرات قياس أداء المؤسسات الحكومية، وأكدت على ضرورة القياس المستمر لها عبر عدة منافذ وآليات، لتكون الدولة صورة كاملة وحقيقة وموضوعية عن مستوى ملاءمة الجهد التنموي للتطلعات المجتمعية، ومستوى ارتقاء جودة الخدمات العامة لرضا الساكنين ومستوى معيشهم اللائق. 

ومع ذلك يؤكد جلالة السلطان من خلال هذه الجولات التفقدية أن المعاينة، والوقوف على الواقع الميداني أداة لا غنى عنها في استكمال كافة الأدوات الموضوعة، وأنها تشخص بشكل دقيق أثر كل ذلك في صورة الحياة اليومية التي يعيشها المواطن، فيمضي جلالته في هذه الجولات ليلمس عن قرب تلك التفاصيل، الشارع الرئيسي، والشوارع الخدمية، والشوارع بين القرى والحارات العمانية التي طافها جلالته، ومعاينة توافر الخدمات العامة، ورؤية مدى استثمار الفرص والمزايا النسبية في هذه المحافظات والولايات كلها إشارات تختصرها هذه الجولات. 

وحينما تقرأ هذه الجولات في سياقها التنموي - التاريخي، فعلينا أن نعود للخمسية الأولى من رؤية 2040 والتي انقضت في العام الفائت، في هذه المرحلة ركزت الدولة على تمكين منظور اللامركزية وتنمية المحافظات؛ فأوجدت الأسس التشريعية اللازمة لهذا الانتقال، وجودت منظومة إدارة التنمية المحلية، ومولت مشروعات الخدمات العامة في المحافظات بشكل أكبر، وسرعت بعض المشروعات في البنى الأساسية لتمكين المحافظات من الانتقال إلى أن تكون قواطر اقتصادية. 

كما شكلت موازنات تنمية المحافظات فرصة لها لاختبار مقاربات تنموية مختلفة، عززت مزاياها النسبية، ومكنت نشاط الفاعلين الاقتصاديين فيها - بما في ذلك المؤسسات الصغيرة والمتوسطة - وفعلت الحراك المجتمعي للتنمية فيها. 

وتزامنًا مع ذلك كان الخطاب السياسي داعمًا ومؤكدًا على محورية هذا الانتقال في مواضع شتى، سواء في الخطابات الرسمية المباشرة لجلالة السلطان، أو في لقاءاته مع قيادات التنمية المحلية في مختلف محافظات سلطنة عُمان. اليوم تدشن هذه الجولات التفقدية مرحلة جديدة في هذا الإطار؛ 

وهي مرحلة رؤية وتتبع الأثر، الذي يفترض أن يكون انعكس خلال الخمس سنوات الماضية في صيغة تجويد مستويات البنى الأساسية، وتمكين وتصحيح مسارات التخطيط الحضري في هذه المحافظات، بالإضافة إلى النشاط الاقتصادي فيها. 

وفي دلالة أخرى لهذه الجولات فهي تؤكد أن بناء الداخل، والتأكد من انعكاس أثر النمو الاقتصادي، وتسخير حركة الاقتصاد وكل ما تقوم به الدولة من آليات في الداخل والخارج لخدمة الملف الاقتصادي ينعكس في حياة الأفراد، ويتجسد في تطوير الحواضر، ويترجم إلى تنمية محلية، تعزز اللحمة والانتماء في المجتمع، وتكسب الأفراد عمق الارتباط بهذه الأرض الكريمة. 

وفي قت تشتد فيه الصراعات والاستقطابات في المحيط، وتتغير فيه نماذج التنمية، لتكون نماذج عابرة للحدود، وبانية لولاءاتها بغير فوارق أو حواجز جغرافية، ومرسخة صورًا ذهنية لفكرة «التنمية الفارقة»، و«التنمية التنافسية»، و«النموذج التنموي الأنجح»، ترى سلطنة عُمان عبر قيادتها أن التنمية الحقيقية تقوم على معادلة من ثلاثة أركان: نمو متوازن ومستوى لائق من البنى والخدمات العامة تنعم به كل بقعة جغرافية، وكل ساكن على أرض عُمان بذات الكفاءة والجودة والقدرة على الوصول، واقتصاد تقوده الميز النسيبية والاستثمار في الخصائص الممكنة لبناء استدامة ولبنات حقيقية تستقر عليها حياة الأجيال القادمة، وانخراط دولي يتجسد في فكرة حماية المكتسبات الوطنية أولًا، وتعظيم المصالح الاقتصادية ثانيًا، وتعميق التفاهم الدولي والانسجام الإقليمي والعالمي. وهو أصل وجزء لا يتجزأ من منظومة التنمية في انعكاساته المباشرة وغير المباشرة. 

يتوشح الموكب السامي بالورد، وتنسجم حركته مع هتافات صادقة يرددها الصغار والكبار، تحيي الأم بكفٍ نحتها الزمن قائدا يرفع كفه ملوحًا للمستقبل، وتلمع عين طالب المدرسة برؤية المقدم الميمون لأنه يرى في ذلك المسير خط الزمن الذي يحفه بالأمان، ويكسوه بالانتماء والتوحد مع أرض ألفت هذا المشهد جيدًا.. مشهد تنتصر فيه القيادة للشعب، ويؤمن فيه الشعب بحكمة القيادة على المدى. 

مبارك الحمداني مهتم بقضايا علم الاجتماع والتحولات المجتمعية فـي سلطنة عمان