كيف نقرأ المسار السياسي والاقتصادي العماني؟

02 مايو 2026
02 مايو 2026

في خِضم المستجدات الوطنية والإقليمية تواردت في ذهني مجموعة من الملامح المرتبطة بقراءتنا لمسارات السياسة العُمانية في وقتها الحالي، والمتمثلة في النهضة المتجددة، وتطورت تصورات رؤيتي لهذه المسارات بعد متابعتي الحثيثة لمستجدات الخطوات العُمانية الأخيرة، خصوصا فيما يتعلق بالصعيدين الاقتصادي والسياسي الدبلوماسي التي زاد بروزهما وتأثيرهما الإيجابي؛ فنجد في الصعيد الاقتصادي نشاطا متزنا يمضي قدما بثبات وقوة يتمثل في التوسع في الاستثمارات الداخلية والخارجية. وتشير هذه الانطلاقة الاقتصادية الاستثمارية التي يعمل عليها -في معظمها- جهاز الاستثمار العُماني إلى أنها تشق طريقها لتكون قوة اقتصادية إقليمية وعالمية، وأن ذلك آيلٌ إلى التحقق في غضون فترات قريبة بإذن الله. 

في ظل حديثنا عن الشق الاقتصادي رأينا -مؤخرا- خبرا لافتا عن تأسيس البنك الأفريقي العُماني، ومن السهل أن ينتبه كل واحد منا إلى أن هذا المشروع يتجاوز المغزى الاقتصادي، خصوصا إذا ما أدركنا تاريخ الامتدادات العُمانية وتأثيرها المرتبط بالقارة الأفريقية، وما شهدته من صولات وجولات تاريخية؛ حيث ظهرت عُمان باعتبارها إمبراطورية ممتدة من شرق أفريقيا إلى السواحل الفارسية. 

كذلك وثق التاريخ وأكد حضورها البحري، وأسطولها البحري، وقوتها العسكرية الضاربة في المحيط الهندي وبحر العرب، ونشاطها التجاري على المستوى العالمي، والذي سطّره التاريخ أن هذا الحضور العُماني أسهم في التجارة العالمية، وإرساء قواعد السلم والحرب وفق القيم الرفيعة التي ترتضيها البشرية. 

لهذا؛ فإننا اليوم في هذه المحطة أو الانطلاقة الاقتصادية المتمثلة في إطلاق مشروع البنك الأفريقي العُماني يبدو وكأننا نعيد للتاريخ بعضا من طيفه وذكراه. 

كذلك امتد هذا المعنى في الزيارة الأخيرة التي قام بها صاحب السمو السيد ذي يزن بن هيثم بن طارق -نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية- إلى كازاخستان التي ارتبطت بتعزيز الشراكة الاستثمارية العُمانية-الكازاخستانية، وتوقيع اتفاقيات تمهيدية، لتشكّل امتدادا آخر في العالم. 

امتدت تلك الزيارة أيضا إلى روسيا الاتحادية التي أكدت على لسان وزير التنمية الاقتصادية الروسي «مكسيم ريشيتنيكوف» أن سلطنة عُمان تُعد أحد الشركاء الواعدين لروسيا في منطقة الشرق الأوسط، وليست مثل هذه التصريحات التي تعكس ثقة الدول بسلطنة عُمان آتية من فراغ؛ إذ نجد أن الشق السياسي -بجانب العوامل الاقتصادية المستقرة الجاذبة- عامل جذب مهما، وخصوصا فيما أظهرته سلطنة عُمان من تفوق سياسي ودبلوماسي كبير مع أحد أكبر الاختبارات والتحديات السياسية والعسكرية في المنطقة، والمتمثلة في الحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران، والتي تُعد حربا من الطراز الكبير نظرا لتداعياتها الإقليمية والعالمية، وكون هذه الحرب أظهرت المحتوى السياسي للدول، وقدراتها الدبلوماسية والعسكرية، وكذلك مستويات الذكاء في إدارة الأزمات والاندفاع في اتخاذ القرار. 

غير أن ما يعنينا هنا هو أننا -نحن العُمانيين- تأكد لنا وجود النضج السياسي الذي يعكس إرثا حضاريا متجذرا في القدرة الدبلوماسية؛ فاستطعنا أن نثبت للعالم أننا وجهة يمكن الاعتماد عليها في ضبط النزاعات، وأننا عبر حيادنا الإيجابي نمثّل نقطة ارتكاز يمكن للجميع الوثوق بها؛ ليتضاعف توافد دول العالم ومستثمروها إليها بحثا عن الملاذ الاقتصادي الأمثل. 

لهذا نلحظ منذ بداية الحرب الموقف المتزن للسياسة الخارجية العُمانية، وسعيها الحثيث نحو وقف الحرب ومنع تصعيدها، وعلى الرغم من أننا لم نكن من المتأثرين بشكل كبير بهذه الحرب مقارنة بدول أخرى؛ نظرا لموقعنا الجغرافي والبحري، فإننا -على العكس- نجد أن هناك منافع اقتصادية تحققت لسلطنة عُمان نتيجة للضغوط التي تمر بها بعض دول المنطقة؛ وبالتالي باتت عُمان قبلة اقتصادية بديلة في بعض المسارات التجارية، خصوصا في مجالات اللوجستيات والطاقة وغيرها. 

وفي الزيارة الأخيرة التي قام بها وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التي التقى فيها بجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه-، ثم توجه مرة أخرى مباشرة بعدها إلى إسلام آباد، ثم إلى روسيا دلالة واضحة على أن عُمان تمثل مركزا سياسيا ثقيلا وموثوقا، ولهذا جاء الإعلان الإيراني بأن الزيارة إلى سلطنة عُمان في إطار التشاور، وهذا ما يعكس بوضوح مكانة عُمان باعتبارها مركزا للسلام. لهذا اتضح للجميع أن موقف سلطنة عُمان من الحرب الدائرة في إيران ثابت وواضح ومعلن، وأن موقفها من علاقتها مع إيران واضح أيضا، ولا يشوبه إخفاء أو غموض، وأنها تقف مع الجانب مع الجانب الصحيح في سياق هذه الحرب. 

من السهل أن ندرك أن الموقف العُماني لا يأتي من باب المجاملة أو التزلف الدبلوماسي، وإنما ينبع من يقين راسخ بالمسارات السياسية الجادة والصحيحة يعكس مستوى النضج في السياسة العُمانية، وتجربتها الطويلة التي تمثل تراكمات تاريخية متجذرة تتوارثها الأجيال جيلا بعد جيل، حتى ترسخت في العقل الجمعي السياسي العُماني. 

هذا أيضا ما يمكن أن نقيسه عبر الزيارات الرسمية إلى سلطنة عُمان، ومنها مؤخرا زيارة وزير الخارجية الصومالي؛ لكونها جاءت في وقت حساس تزامن مع إعلان إسرائيل تعيين ممثل دبلوماسي لها في إقليم أرض الصومال، وهو ما اعتُبر بمثابة تحد وتصعيد في المنطقة بأكملها، ونوعا من التوسع غير المشروع للكيان الصهيوني. وعليه يمكن قراءة زيارة وزير الخارجية الصومالي إلى سلطنة عُمان أن عُمان تمثل طرفا مهما فيما يتعلق بالوضع الأفريقي، وكذلك الوضع الإقليمي بشكل عام، وأنها -كما أشرنا سابقا- تُعد نقطة ارتكاز يمكن الاعتماد عليها في صياغة المقاربات الدبلوماسية والبحث عن المخارج، فضلا عن كونها وجهة يُلجأ إليها لتعزيز الأمن والاستقرار. 

بجانب كل ما استعرضناه من مظاهر ونتائج مشرّفة تتعلق بالمسار العُماني على الصعيدين السياسي والاقتصادي نصل إلى قناعة واضحة بأننا نسير في مسار صحيح لا يشوبه غبار، ويكفي ما تعكسه لنا الأحداث من استقرار، وما ننعم به من أمن وأمان. كذلك يكفي -وفق أبجديات هذه التجربة العُمانية- أننا رغم كل ما يدور من صراعات في المنطقة، ورغم وطأتها وشدتها نجد أن المواطن العُماني أبعد ما يكون عن الشعور بالقلق أو الخوف؛ فنجده يثق دائما وبقوة في قرارات قيادته السياسية. 

واليوم نحن أيضا أمام قرارات اقتصادية جريئة تحمل في طياتها مستقبلا مشرقا ستجني البلاد ثمارها قريبا بإذن الله. 

د. معمر بن علي التوبي أكاديمي وباحث عُماني