من التأهيل إلى التأثير.. ماذا تقول تجربة خريجي "مكين"؟
في خمسة أعوام، انتقلت مبادرة «مكين» من كونها برنامجًا تدريبيًّا لتأهيل الشباب في المهارات الرقمية، إلى مساحة أوسع لاختبار العلاقة بين التدريب وسوق العمل، وبين الكفاءة الفردية وحاجة القطاعات التقنية الناشئة إلى كوادر قادرة على العمل والإنتاج. فالأرقام التي أعلنتها وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات، من تدريب أكثر من 11 ألف متدرب، وتنفيذ 139 برنامجًا في أكثر من 30 مجالًا تقنيًّا، وتحقيق نسبة توظيف بلغت 50% في مسار المعسكرات التقنية، تقودنا لقراءة أثر المبادرة من زاوية طبيعة التحول الذي أحدثته في مسارات حياة بعض خريجيها.
مواكبة التحولات التقنية
وفي هذا السياق، قال أحمد بن ناصر بن سليمان الناعبي، مدير مساعد بدائرة تطوير مهارات المستقبل بوزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات إن مبادرة «مكين» تحتفي بمرور خمس سنوات على انطلاقها بوصفها مبادرة وطنية لتأهيل الكفاءات الرقمية، موضحًا أن الوزارة سعت من خلالها إلى إيجاد كفاءات عُمانية متخصصة في مجال تقنية المعلومات، قادرة على تلبية احتياجات السوق ومواكبة التحولات التقنية.
رفد سوق العمل
وأوضح أن المبادرة قامت منذ تأسيسها على ثلاثة أهداف رئيسية؛ أولها رفد سوق العمل بمهارات متقدمة تتناسب مع احتياجاته، وثانيها سد الفجوة بين مخرجات التعليم العالي ومتطلبات السوق، وثالثها بناء شراكات فاعلة مع المؤسسات والجامعات والشركات التقنية، بحيث تكون هذه الجهات شريكة في تنفيذ المبادرة وتحقيق أثرها.
مسارات البرنامج
وبيّن الناعبي أن «مكين» تضم خمسة مسارات رئيسية، يتمثل أولها في مسار المعسكرات التقنية، وهي معسكرات مكثفة تمتد لمدة ستة أشهر، يجري خلالها تدريب المشاركين على مهارات عملية ومشاريع حقيقية، ثم ربطهم بتدريب عملي في شركات متخصصة في القطاع. أما المسار الثاني فهو مسار الشهادات المتقدمة، ويعتمد على برامج تدريب إلكترونية مرتبطة بمنصات عالمية، بهدف الوصول إلى أكبر شريحة ممكنة من المستفيدين داخل محافظة مسقط وخارجها.
وأضاف أن المسار الثالث يتمثل في التأهيل الاحترافي، من خلال برامج تدريبية قصيرة وطويلة تركز على تقنيات وشهادات عالمية يحتاجها السوق، فيما يختص المسار الرابع بدعم الشهادات المهنية، عبر تحفيز الشباب للحصول على شهادات احترافية وتكفل الوزارة بقيمة هذه الشهادات بعد الحصول عليها. أما المسار الخامس فهو مسار المنافسات التقنية، الذي يدعم المسابقات المحلية والعالمية والفعاليات والهاكاثونات، باعتبارها أدوات لاكتشاف المواهب وتحويل الأفكار إلى نماذج أولية قابلة للتطوير والتسويق.
قياس الأثر
وأكد الناعبي أن قياس أثر «مكين» يتم عبر أكثر من أداة، من بينها نسب التوظيف، ونوعية المخرجات، والقطاعات التي استطاعت المبادرة التأثير فيها. ولفت إلى أن مسار المعسكرات التقنية حقق في نسخته الأولى نسبة توظيف بلغت 83%، فيما بلغت نسبة التوظيف في المعسكرات التقنية عمومًا نحو 50%، مشيرًا إلى أن الأثر لا يقاس بالأرقام وحدها، بل كذلك بقدرة المبادرة على تأسيس كفاءات في مجالات لم تكن حاضرة سابقًا في السوق المحلي.
وأوضح في هذا السياق أن سلطنة عُمان لم تكن تمتلك قبل خمس سنوات كفاءات متخصصة في مجال أشباه الموصلات، بينما يوجد اليوم أكثر من 150 مهندسًا عُمانيًّا في هذا المجال. كما أشار إلى أن المبادرة أسهمت في تأهيل أكثر من 800 خريج ومتدرب في مجالات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، إضافة إلى مجالات الأمن السيبراني والطائرات المسيّرة وغيرها من التخصصات التقنية.
معايير اختيار المجالات التقنية
وحول معايير اختيار المجالات التقنية التي تدخل ضمن مسارات «مكين»، قال الناعبي إن حاجة سوق العمل تمثل مؤشرًا رئيسيًّا في تحديد هذه المجالات، حيث تعتمد الوزارة على قربها من القطاع ومتابعتها المستمرة للشركات التقنية لرصد الاحتياجات الفعلية. وأضاف أن التوجهات العالمية نحو بعض التقنيات تدفع الوزارة إلى التحرك بشكل استباقي، ولو عبر أعداد محدودة في البداية، حتى تكون هناك مخرجات وطنية جاهزة عند دخول هذه التقنيات إلى السوق المحلي.
وأشار إلى أن نوعية الشركات الأجنبية التي تدخل السوق العُماني تعد أيضًا من المؤشرات المهمة، إذ تسهم احتياجات هذه الشركات إلى كفاءات محددة في تصميم مجالات تدريبية متخصصة ضمن المبادرة.
المواءمة مع سوق العمل
وفيما يتعلق بضمان ارتباط البرامج التدريبية باحتياجات سوق العمل، أوضح الناعبي أن الوزارة تحرص على ألا تطلق المسارات التدريبية بأعداد كبيرة، بل بأعداد مدروسة وعلى شكل دفعات، بحيث يتم تقييم قدرة السوق على استيعاب الدفعة الأولى قبل طرح دفعات جديدة. وقال إن الهدف لا يتمثل في تخريج أكبر عدد ممكن من الشباب في مجال معين، وإنما في اختبار الحاجة الفعلية، ثم مضاعفة الأعداد متى ما ظهر إقبال واضح من السوق على تخصص معين.
وحول متابعة الخريجين الذين لم يحصلوا على فرص مباشرة بعد انتهاء البرامج، بيّن الناعبي أن الوزارة تقيس عادة مخرجات البرنامج بعد ستة أشهر من انتهائه، وتواصل متابعة الخريجين وتسويق مخرجاتهم لدى الشركات والمؤسسات التي تحتاج إلى هذه المهارات، إلى جانب المشاركة في معارض التوظيف والالتقاء بالشركات لتسريع عملية استيعابهم في سوق العمل.
الخطة المستقبلية
وأشار إلى أن المرحلة المقبلة من «مكين» تستهدف تأهيل 10 آلاف باحث عن عمل خلال خمس سنوات، عبر مسارين رئيسيين؛ الأول هو مسار الجاهزية لسوق العمل، ويستهدف تأهيل 5 آلاف باحث عن عمل عبر برامج مكثفة في تقنيات جديدة قد تطرح في السلطنة لأول مرة، مثل وكلاء الذكاء الاصطناعي، والطائرات المسيّرة، والحوسبة الكمية، وغيرها من التقنيات التي تشهد توجهًا عالميًّا متقدمًا. أما المسار الثاني فهو مسار بناء القدرات، ويهدف إلى تطوير معارف ومهارات الشباب والباحثين عن عمل وتحديث قدراتهم التقنية.
الطائرات المسيرة
من جانبه، قال حمزة بن ناصر الحسيني، أحد خريجي برنامج «مكين» إن تجربته مع البرنامج كانت نقطة تحول في مساره المهني، خصوصًا في مجال الطائرات المسيّرة، موضحًا أنه يعمل حاليا في مسارين رئيسيين؛ الأول تقديم ورش توعوية مجانية في مجال الطائرات المسيّرة للجامعات والكليات والمدارس، والثاني تنفيذ أعمال تصوير باستخدام طائرات مسيّرة احترافية من نوع FPV قام بتطويرها والعمل عليها.
وأوضح أن بدايته الحقيقية مع الطائرات المسيّرة جاءت من خلال «مكين»، حيث تعلم أساسيات هذا المجال وتطبيقاته المتقدمة، سواء من حيث أنواع الطائرات، أو طرق استخدامها، أو التطبيقات العملية المرتبطة بها.
وأضاف أن البرنامج أسهم في صقل شخصيته على أكثر من مستوى، إذ منحه ثقة أكبر في التقديم والتواصل، وعزز ثقته بمهاراته التقنية، كما اختصر عليه وقتًا طويلًا في اكتساب معرفة كان سيحتاج إلى فترة ممتدة للحصول عليها لو تعلمها بمفرده.
مرحلة التدريب
وأكد الحسيني أن التدريب لم يكن نظريًّا، بل كان قريبًا جدًا من واقع العمل في الشركات والمؤسسات، مشيرًا إلى أن البرنامج ركز على الجانب العملي بدرجة كبيرة، من خلال التدريب على التعامل مع الطائرات المسيّرة، وتجميعها، وبنائها، وبرمجتها، وهي مهارات يحتاجها المتخصص في تعامله اليومي مع هذا المجال.
وأشار إلى أن أكثر مهارة صنعت فرقًا في مساره كانت القدرة على التحكم بالطائرات المسيّرة الاحترافية، لا الطائرات التجارية الشائعة التي يمكن لأي مستخدم التعامل معها بسهولة. وقال إن البرنامج درّبه على نوعية من الطائرات تستخدم في الشركات والواقع العملي، وتحتاج إلى أشخاص مختصين في التحكم والتشغيل.
وبيّن أن البرنامج أسهم بصورة مباشرة في فتح فرص وظيفية أمامه بعد التخرج، حيث دخل عددًا من المقابلات الوظيفية، وتمكن من الحصول على أول وظيفة له في إحدى الشركات مشغلًا للطائرات المسيّرة.
الربط مع الشركات
وحول الجوانب التي يرى إمكانية تطويرها في البرنامج، قال الحسيني إن الربط مع الشركات في قطاع الطائرات المسيّرة كان ممتازًا، لافتًا إلى أن الشركات متعطشة لمخرجات البرنامج. لكنه رأى أن زيادة مدة التدريب قد تمنح المشاركين فرصة أكبر للتطبيق والتعمق، لأن هذا المجال يعتمد على الممارسة المستمرة، وكلما زاد التطبيق زادت المهارة.
تطوير الألعاب
في حين قالت سارة بنت حمد المحرزي، خريجة برنامج «مكين» ومطورة ألعاب إن البرنامج مثّل لها بوابة مهمة لبناء شبكة علاقات مهنية مع جهات حكومية ومؤسسات وشركات عالمية، موضحة أنها تخرجت من الجامعة التقنية في تخصص البرمجيات عام 2018، ثم التحقت بمسار تطوير الألعاب ضمن «مكين» بعد أن شاهدت إعلان البرنامج عبر منصة إنستجرام عام 2025.
وبيّنت سارة المحرزي أن «مكين» ساعدها على تطوير مهارات التواصل المهني مع الجهات والمؤسسات، ومنحها ثقة أكبر للتواصل مع شركات عالمية، من بينها شركة Sony PlayStation. وأضافت أنها تفخر بكونها أول عُمانية تتواصل مع PlayStation Sony لتقديم مشروع لعبة، موضحة أن الأمر بدأ عبر تقديم مقترح للمشروع، ثم الدخول في إجراءات مرتبطة بفكرة اللعبة وطبيعتها بعد الموافقة المبدئية.
وقالت إن البرنامج غيّر فهمها لمجال تطوير الألعاب، إذ لم تعد تنظر إليه بوصفه مجرد صناعة ألعاب ترفيهية، بل مجالًا تتداخل معه تقنيات أخرى مثل التوأم الرقمي والميتافيرس. وأوضحت أن التوأم الرقمي يمكن أن يخدم قطاعات صناعية مثل المصانع وحقول النفط، عبر المساعدة في رصد المشكلات قبل وقوعها، وتقديم حلول تقنية متقدمة للشركات والمؤسسات.
وأكدت أن التدريب كان ممتازًا من حيث تعلم إطلاق الألعاب الإلكترونية وبناء المهارات البرمجية، لكنها رأت أن البرنامج يحتاج إلى مشاريع حقيقية تلامس واقع السوق في سلطنة عُمان. ولفتت إلى أن سوق الألعاب عالمي وواسع، لكن السوق المحلي لا يزال في مراحله الأولى، لذلك يمكن توجيه بعض مشاريع التدريب نحو مجالات تطبيقية أقرب إلى احتياجات السوق، مثل الحلول الصناعية والتوأم الرقمي.
مرحلة ما بعد البرنامج
وحول ما بعد البرنامج، أوضحت سارة المحرزي أن فرص العمل المباشرة في مجال تطوير الألعاب لا تزال محدودة في السوق المحلي، لكنها بدأت تتلقى مشاريع وطلبات مرتبطة بتصميم الألعاب والحلول الرقمية والتوأم الرقمي. وأضافت أنها تعمل حاليا على تأسيس شركتها الخاصة، رغم صعوبة هذا القرار مقارنة بالوظيفة التقليدية التي توفر قدرًا أكبر من الاستقرار.
وأشارت إلى أن من أبرز التحديات التي واجهتها ضعف فهم بعض الجهات لطبيعة قطاع الألعاب الإلكترونية، إذ كان يُنظر إليه أحيانًا من زاوية سلبية مرتبطة بإدمان الأطفال، بينما كانت فكرتها تقوم على تصميم لعبة تساعد الطفل على الخروج من الإدمان.
وحول تطوير البرنامج، رأت سارة المحرزي أن هناك فرقًا بين التدريس والتدريب، موضحة أن التدريس يركز على نقل المادة العلمية، بينما يقوم التدريب الحقيقي على تنفيذ مشروع واقعي يعيش فيه المتدرب ضغط الوقت والتسليم والمسؤولية. وأضافت أن المتدربين بحاجة إلى مشاريع حقيقية، أو مشاريع مصممة بطريقة تحاكي الواقع، بحيث يتعلمون كيف يعملون تحت الضغط، وكيف يلتزمون بوقت محدد للتسليم.
تحول كبير في التجربة المهنية
وقالت أصايل بنت محمد الشكيلي، خريجة برنامج «مكين» إن البرنامج أحدث تحولًا كبيرًا في تجربتها المهنية، خصوصًا في مرحلة ما بعد التخرج، حيث كان الانطباع السائد لدى كثير من الخريجين أن الفرص محدودة وأن مرحلة ما بعد الجامعة قد تكون صعبة ومليئة بالانتظار. لكنها أوضحت أن تجربتها مع «مكين» فتحت أمامها أبوابًا واسعة للتعاون مع شركات وجهات مختلفة، داخل سلطنة عُمان وخارجها.
وأضافت أصايل الشكيلي أن البرنامج لم يركز على الجانب التقني فقط، مثل تطوير الواجهات والبرمجة الخلفية، بل شمل كذلك مهارات الحوار، وكتابة السيرة الذاتية، وبناء الحضور المهني عبر منصات مثل LinkedIn، وهي مهارات ساعدت الخريجين على الوصول إلى جهات وشركات ومشاريع بشكل أفضل.
بيئة التدريب
وأكدت أصايل أن بيئة التدريب في أكاديمية البرمجة لم تكن قريبة من مستوى العمل في المؤسسات فحسب، بل كانت أعلى من المستوى الموجود في كثير من بيئات العمل، موضحة أن المتدربين كانوا ينجزون أنظمة ومشاريع تحت ضغط عالٍ وضمن أوقات قصيرة جدًا. وأضافت أن بعض المهام التي قد تستغرق شهرين في بعض المؤسسات كان يطلب من المتدربين تنفيذها خلال 24 ساعة، مع مشاريع يومية وتسليمات متواصلة.
وحول ما بعد التخرج من البرنامج، قالت أصايل إنها واصلت العمل الحر، موضحة أن هذا المسار يتيح للفرد العمل بصورة مستقلة أشبه بشركة صغيرة باسمه، من خلال سجل عمل حر مرتبط بنشاطه المهني. وأضافت أنها تعاونت مع عدة جهات ومشاريع، من بينها العمل على تطوير منصة مرتبطة بهيئة تنظيم الاتصالات لدعم العاملين المستقلين، إلى جانب التعاون مع شركة ليوان للبرمجة عبر منصة «نهج» التي تقدم دورات تدريبية في مجالات مختلفة.
نوعية المدربين
وحول الجوانب التي ترى أهمية تعزيزها في البرنامج، قالت أصايل إن من أبرز مزايا معسكرات «مكين» الاستعانة بمدربين لديهم تجارب عملية في العمل الحر، لأن هذا النوع من المدربين لا يكتفي بالتدريب الأكاديمي، بل ينقل للمتدربين خبرات السوق، وتجارب التعامل مع الجهات، والتحديات التي واجهها، والطرق التي يمكن أن تفتح أمام المتدرب مسارات مهنية مختلفة.
