No Image
العرب والعالم

التفاف إسرائيلي على خطة ترامب.. حماس تتحصن بمثلث الضمانات الإقليمية

22 أبريل 2026
22 أبريل 2026

في غمرة تسارع الضغوط الإسرائيلية الأمريكية التي يقودها ما يُعرف بـ«مجلس السلام» لفرض وقائع ميدانية وسياسية جديدة، تواجه «خطة ترامب» للسلام في غزة اختباراً وجودياً يُنذر بانهيار التفاهمات الهشة. وبينما تسعى تل أبيب للالتفاف على بنود الاتفاق عبر اشتراط «نزع السلاح» كخطوة استباقية ومسبقة لأي انسحاب عسكري، تُكثف حركة المقاومة الإسلامية «حماس» تحركاتها الدبلوماسية في مثلث «القاهرة-إسطنبول-الدوحة»، سعياً وراء استخلاص «شبكة أمان» إقليمية تضمن إلزام الاحتلال باستحقاقات الهدنة الموقعة عام 2025، وتمنع تحويل الالتزامات الدولية إلى أدوات ابتزاز سياسي.

زخم القاهرة و«فيتو» المقاومة

وعقب جولة المشاورات التي أجراها وفد الحركة في القاهرة منتصف أبريل الجاري، تواصلت الاتصالات السياسية والأمنية بوتيرة متسارعة، سواء عبر القنوات المصرية أو من خلال وساطات قطرية وتركية، بهدف تثبيت مرجعية الاتفاق الأصلي ووقف محاولات إدخال تعديلات جوهرية عليه.

وتشير تسريبات حصرية حصلت عليها «عُمان» من كواليس اجتماعات القاهرة، إلى أن الحركة أبدت تمسكاً حرفياً ببنود «خطة ترامب» لكنها وضعت خطوطاً حمراء أمام ما وصفته بـ«الابتزاز الأمني الإسرائيلي».

ووفقاً لمصادر مقربة من الوفد، فإن النقاشات ركزت بحدة على ضرورة التزام إسرائيل بتفكيك النقاط العسكرية غرب «الخط الأصفر» ووقف الخروقات الميدانية المتكررة التي حصدت أرواح نحو 700 فلسطيني منذ إعلان الهدنة، مقابل المضي قدماً في دمج الكوادر الإدارية للحركة ضمن «لجنة الإدارة الانتقالية».

وفي هذا السياق، نقلت المصادر عن أحد أعضاء الوفد تأكيده أن الحركة لن تناقش نزع السلاح تحت وطأة التهديد، خاصة وأن الاحتلال لم ينفذ الحد الأدنى من التزامات المرحلة الأولى، مشدداً على أن الانسحاب الكامل وفق الجداول الزمنية المحددة في الخطة هو المفتاح الوحيد لأي تفاهمات مستقبلية. هذا الموقف الصارم اصطدم بطروحات «نيكولاي ملادينوف»، ممثل مجلس السلام، الذي يحاول ربط تدفق أموال الإعمار بتسليم الترسانة العسكرية لحماس، مما دفع المحادثات نحو «عنق الزجاجة».

أنقرة تلوّح بـ«المراقبين»

وعلى خط موازٍ، لم تكن إسطنبول بعيدة عن صياغة هذا «الدرع الدفاعي» السياسي، إذ تسارعت وتيرة التنسيق عقب لقاء قيادة الحركة بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان. وكشفت مصادر دبلوماسية أن المباحثات التي شارك فيها رئيس الاستخبارات التركية إبراهيم قالن، تضمنت مقترحاً نوعياً بنشر مراقبين أتراك لتوثيق الانتهاكات الإسرائيلية في مناطق التماس، في خطوة تهدف إلى كسر الاحتكار الأمريكي لملف الرقابة، والضغط على واشنطن لإجبار حكومة نتنياهو على الالتزام بالانسحاب التدريجي المقرر بثمانية أشهر.

وقد أكد المسؤولون الأتراك لوفد الحركة أن أنقرة لن تسمح بتحويل قطاع غزة إلى «فخ أمني»، مشددين على أن الالتزام بالخطة الدولية يجب أن يكون مساراً متبادلاً يبدأ بالانسحاب الإسرائيلي وينتهي بالترتيبات الأمنية السيادية.

ويبرز اليوم دور مصر وقطر وتركيا ككتلة حرجة تتصدى لمحاولات الالتفاف الإسرائيلية، حيث تعتمد حماس استراتيجية «توزيع الضمانات» بين هذه الأطراف الثلاثة. فبينما تتولى القاهرة الإشراف الميداني على المعابر وتوثيق الخروقات عبر قنواتها الاستخباراتية المباشرة مع الجانب الإسرائيلي، ترهن الدوحة تمويل عملية الإعمار الضخمة «المقدرة بنحو 50 مليار دولار» بوجود استقرار حقيقي وانسحاب شامل، في حين تضفي أنقرة الثقل السياسي اللازم لمنع واشنطن من الانحياز الكامل للتفسيرات الإسرائيلية بخصوص سلاح المقاومة.

وقد تجلى هذا التنسيق في تصريحات سابقة لضياء رشوان، رئيس الهيئة العامة للاستعلامات المصرية، الذي أوضح، في 10 أكتوبر 2025، مع دخول اتفاق وقف إطلاق النار بين حماس وإسرائيل حيز التنفيذ، أن الاتفاق الأصلي ينص على «تجميدٍ مؤقتٍ للسلاح تحت إشراف عربي» كخطوة انتقالية، وهو ما ينفي الرواية الإسرائيلية التي تطالب بـ«النزع الفوري» كشرط للتقدم.

فجوة الثقة وسيناريوهات الانفجار

بينما تدور عجلة الدبلوماسية في الغرف المغلقة، يظل الواقع الميداني في غزة مثقلاً بالدماء؛ فمنذ أكتوبر 2025 لم تتوقف آلة القتل الإسرائيلية، حيث سجلت الطواقم الطبية مقتل مئات الفلسطينيين في غارات وعمليات قنص متفرقة، وهو ما عرقل وصول قوافل الإعمار الكبرى وأبقى مناطق استراتيجية مثل «دير البلح» تحت وطأة التهديد. وفي تحليل لصحيفة «هآرتس»، يرى «تسفي بارئيل» أن إسرائيل توظف ورقة نزع السلاح كمناورة سياسية لتأجيل استحقاق الانسحاب، مما يضع المنطقة أمام سيناريوهات قاتمة.

وفي قراءة للمسارات المستقبلية، يرى المحلل السياسي الفلسطيني غسان الخطيب أن الأيام القادمة ستحسم المصير بين ثلاثة اتجاهات رئيسية؛ أولها الوصول إلى «تفاهم انتقالي» تنجح فيه الضمانات التركية والقطرية في إقناع حماس بصيغة لتجميد السلاح مقابل جدول زمني ملزم للانسحاب، وهو السيناريو الأكثر تفاؤلاً لإنقاذ الهدنة.

أما المسار الثاني، وفق الخطيب، فيتمثل في «التصعيد العسكري» الذي قد ينفجر إذا ما واصل مجلس السلام الضغط باتجاه نزع السلاح قسراً، مما قد يستدعي تدخلاً إقليمياً أوسع. ويظل المسار الثالث هو «الانهيار الكامل» للخطة، وبقاء غزة في حالة فوضى إنسانية مدمرة تحت وطأة السيطرة الإسرائيلية، مما يحولها إلى ساحة استنزاف مفتوحة لا تنتهي.

يُعيد زخم «القاهرة-إسطنبول» اليوم رسم خارطة المفاوضات بلمسة إقليمية خشنة، فبينما تُسابق حماس الزمن لانتزاع اعتراف دولي بحقوقها الميدانية، تظل الإجابة مرهونة بمدى قدرة «الثلاثي الضامن» على كبح جماح التهور الإسرائيلي في منطقة لم تضع فيها الحرب الإقليمية أوزارها بعد.