ملتقى جامعي يناقش تطلعات طلبة السياحة ويستعرض مستهدفات تطوير القطاع
ركز الملتقى الجامعي لطلبة السياحة الذي استضافته جامعة السلطان قابوس أمس تحت شعار "شارك.. ناقش.. واصنع المستقبل"، برعاية صاحب السمو السيد الدكتور فهد بن الجلندى آل سعيد رئيس الجامعة على إيجاد منصة تواصل مباشر مع الكفاءات الوطنية الشابة من طلبة تخصص السياحة في سنتهم الدراسية الأخيرة بمختلف مؤسسات التعليم العالي، وذلك بهدف الوقوف على تطلعاتهم وطموحاتهم المهنية، بالإضافة إلى تعريفهم بفرص التوظيف المتاحة وأبرز التحديات المستقبلية التي تواجه هذا القطاع الحيوي، سعياً لتحفيزهم على المشاركة بفعالية في تطوير صناعة السياحة العمانية والمساهمة في تحقيق أهداف التنمية الشاملة عُمان.
شارك في اللقاء أكثر من 150 طالباً وطالبة من المتخصصين في مجال السياحة، حيث شملت القائمة طلبة جامعة السلطان قابوس، والجامعة الألمانية للتكنولوجيا، وكلية عُمان للسياحة، بالإضافة إلى طلبة جامعة التقنية والعلوم التطبيقية بفرعيها في نزوى وصلالة.
كما تم الإعلان عن تدشين الموقع الرسمي المحدث للوزارة، كبوابة لتقديم المعلومات والخدمات، حيث يضم حزمة من الخدمات الرقمية الجديدة التي يبلغ عددها نحو 30 خدمة. كما شمل التدشين إطلاق منصة «اكتشف عُمان» الترويجية، إلى جانب تفعيل الجولات الافتراضية للمعالم التراثية، والتي تتيح للزوار خوض تجربة استكشاف رقمية بتقنية 360 درجة، بما يعزز الوصول إلى المحتوى السياحي والثقافي عن بُعد.
الخطة الاستثمارية للوزارة
وخلال الجلسة الحوارية تحدث معالي السيد إبراهيم بن سعيد البوسعيدي، وزير التراث والسياحة عن خطط وبرامج وزارة التراث والسياحة خلال الخطة الخمسية الحادية عشرة 2026-2030، موضحا أن الخطة الاستثمارية للوزارة تستهدف تنويع الأنماط السياحية، ورقمنة القطاع بنسبة 80%، وتعزيز دور السياحة في التنويع الاقتصادي بفرص استثمارية كبرى والتركز على تطوير القلاع، والحصون، وسياحة المغامرات، وتوفير الخدمات، مع توقعات برفد القطاع الخاص بنحو 50 ألف فرصة عمل سنويا.
قطاع التراث
كما أكد في كلمته، أن قطاع السياحة يُعد من أكثر القطاعات اتساعًا في فكرته وتعقيدًا في تطبيقه، مشيرًا إلى أن القدرة على تفكيك هذا التعقيد تمثل مدخلًا للإبداع فيه. وفيما يتعلق بقطاع التراث، أوضح معاليه أنه يمثل جزءًا أصيلًا من ثقافة المجتمع المتراكمة عبر العصور، سواء في جانبها المادي كالمباني والمنشآت، أو في جانبها الطبيعي كالإرث البيئي، مبينًا أن هذا التراكم يشكل رصيدًا معرفيًا وثقافيًا ضخمًا تتقاسمه عُمان مع دول العالم، ويضع على عاتقها مسؤولية الحفاظ عليه وتطويره واستدامته.
جذب السياح
وفيما يخص جذب السياح، أشار معاليه إلى أهمية طرح تساؤل جوهري حول أسباب زيارة السائح، موضحًا أن التحدي لا يقتصر على استقطابه فحسب، بل يمتد إلى إطالة مدة إقامته وزيادة إنفاقه وتحفيزه على العودة مجددًا، بما يعزز الأثر الاقتصادي للقطاع. وأضاف أن السياحة ليست مسؤولية جهة واحدة، بل هي قطاع تشاركي تملكه الحكومة والمجتمع والقطاع الخاص والفرد، مؤكدًا أن نجاحه يعتمد على توفر الإرادة السياسية والمقومات الثقافية والتنظيمية، وهو ما تمتلكه سلطنة عُمان، إلى جانب توجه واضح نحو الاستدامة والاستثمار الأمثل في هذه المقومات.
لغة عصرية في تقديم التجربة السياحية
وعن أدوات تطوير القطاع، بيّن معاليه أهمية تبني لغة عصرية في تقديم التجربة السياحية، تشمل الفنون، وجودة الخدمات، والبيئة العمرانية، مؤكدًا أن المدينة بمنظومتها المعمارية والتنظيمية والتقنية تمثل عنصرًا مركزيًا في بناء اقتصاد سياحي متكامل.
وعند سؤاله عن تجربته في الانتقال من قيادة محافظة مسندم إلى قيادة الوزارة، أوضح معاليه أن مسندم تمثل مدرسة مهمة في العمل السياحي، حيث بدأ أهلها مبكرًا في هذا المجال، ما أسهم في بناء خبرة تراكمية. وأضاف أن الانتقال إلى الوزارة جاء بشكل سلس نتيجة الشراكة السابقة مع الجهات المعنية، مشيرًا إلى أنه استفاد خلال الفترة الأولى من خبرات الكوادر المتخصصة، خصوصًا في قطاع التراث الذي وصفه بالغني علميًا، ويحتاج إلى مزيد من التعمق لتعزيز أبعاده الاقتصادية. كما لفت إلى نمو الاستثمارات المرتبطة بالتراث وتكاملها مع السياحة، إلى جانب ارتفاع أعداد العاملين في هذا المجال.
تعزيز الشراكات مع المؤسسات البحثية
وفيما يتعلق بالبحوث الأكاديمية، أكد معاليه أهمية تعزيز الشراكات مع المؤسسات البحثية، موضحًا أن هذا الجانب متقدم في قطاع التراث ويحتاج إلى مزيد من التطوير في قطاع السياحة، مبينًا أن الطلبة يمتلكون إمكانيات ووقتًا واطلاعًا يسهم في إنتاج بحوث قابلة للتطبيق، تتقاطع مع احتياجات القطاع، خصوصًا أن تفكيرهم قريب من الجيل السياحي القادم. وأضاف أن دعم هذه البحوث مرهون بوجود مسارات بحثية واضحة وقابلة للتطبيق بإشراف أكاديمي فعّال.
وعن مفهوم “المناطق موحدة الهوية”، أوضح معاليه أن الجودة الحضرية تمثل عنصرًا أساسيًا في تعزيز الجاذبية السياحية، مشيرًا إلى أن الهوية العمرانية، سواء كانت تاريخية أو حديثة، تسهم في تشكيل تجربة الزائر، وأن المباني تُعد شواهد تعكس هذه الهوية. وأضاف أن بعض المدن استطاعت بناء حضور عالمي من خلال معالم معمارية مميزة، مؤكدًا أهمية الاستثمار في العمارة القديمة والحديثة على حد سواء، لافتًا إلى التنوع المعماري في عُمان الممتد عبر عصور مختلفة، والذي يمكن أن يشكل رافدًا مهمًا لتطوير التجربة السياحية واحتضان الفعاليات.
مشاركة المجتمع
وفيما يخص دور المجتمع، شدد معاليه على أن نجاح القطاع السياحي لا يقتصر على المتخصصين، بل يتطلب مشاركة المجتمع بكافة أطيافه، مؤكدًا أن المعرفة الأكاديمية تحتاج إلى ترجمة عملية عبر الالتزام والقيم المهنية. وأوضح أن القطاع يعمل على مدار الساعة، ويواجه منافسة عالمية عالية، ما يستدعي التركيز على جذب حصة أكبر من السياح وزيادة مدة إقامتهم وإنفاقهم. كما أشار إلى أن الابتكار يمثل عنصرًا محوريًا، وقد يكون في خدمات بسيطة أو تطبيقات ذكية تسهم في تحسين تجربة الزائر، داعيًا إلى تعزيز ثقافة الابتكار وريادة الأعمال، خاصة بين الطلبة.
وفيما يتعلق بالإحصاءات السياحية، أوضح معاليه أن هناك منظومة متكاملة تعتمد على معايير دولية، وتستقي بياناتها من عدة مصادر بالتعاون مع المركز الوطني للإحصاء والمعلومات، مشيرًا إلى أن دقة البيانات تكون أعلى في المواقع التي تعتمد على التذاكر أو المنافذ المحددة، بينما تتطلب المواقع المفتوحة دراسات ميدانية قائمة على العينات. كما أشار إلى دور الفعاليات والمهرجانات في رفد البيانات السياحية.
خارطة سياحية موحدة
وعند سؤاله عن وجود خارطة سياحية موحدة، أوضح معاليه أن التجربة السياحية تختلف بين الزائر المنظم وغير المنظم، مؤكدًا أن وفرة المعلومات وجودتها تسهم في توجيه السائح، وأن الوزارة تعمل على الترويج عبر الشراكات الدولية والمنصات الرقمية، إلى جانب إبراز الوجهات الجاهزة التي تظهر بشكل أكبر في نتائج البحث.
سياحة الأعمال
أما فيما يتعلق بتحويل السائح إلى مستثمر، فأشار معاليه إلى أن هذه العملية تبدأ منذ وصول الزائر، حيث تتشكل لديه انطباعات عن البيئة والثقافة ومستوى الأمان، ما قد يدفعه لاستكشاف فرص استثمارية، لافتًا إلى وجود نماذج لزوار تحولوا إلى مستثمرين عبر تملك عقارات وتأسيس أعمال. وأضاف أن سياحة الأعمال تمثل قناة مهمة في هذا الجانب، في حين تتولى وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار قيادة جهود الترويج للفرص الاستثمارية بشكل منظم.
10% من الناتج العالمي
ومن جانبه، أكد سعادة عزان بن قاسم البوسعيدي أن متابعة الطلبة وارتباط تخصصاتهم بسوق العمل تُظهر وجود شغف حقيقي لدى الطلبة والطالبات تجاه قطاع السياحة، سواء من خلال المشاركة الفاعلة أو عبر تنوع البحوث التي اطّلع عليها صاحب السمو والمعالي السيد خلال الجولة، مشيرًا إلى أن هذا التنوع يعكس وجود مساحات واسعة يمكن للطلبة الإسهام فيها خلال المرحلة القادمة. وفيما يتعلق بحجم القطاع عالميًا، أوضح أن السياحة تمثل نحو 10% من الناتج العالمي، وترتبط بها 10% من الوظائف، ما يعكس اتساع الفرص المتاحة، سواء عبر المسارات المهنية أو من خلال ريادة الأعمال، لافتًا إلى أن طبيعة القطاع التشابكية مع قطاعات النقل والتجزئة والمأكولات والمشروبات تفتح آفاقًا واسعة لتوليد فرص مستقبلية، خاصة في ظل النمو المتسارع الذي شهده القطاع خلال السنوات الثلاث الماضية، والتوقعات باستمرار هذا الزخم مع عودة الأوضاع إلى طبيعتها.
منظومة ترخيص الإرشاد السياحي
وفيما يخص الإرشاد السياحي، أشار سعادته إلى أن الوزارة أعادت تشغيل منظومة ترخيص الإرشاد السياحي، بحيث تتضمن برنامجًا تدريبيًا وتأهيليًا — بالتعاون مع كلية عُمان للسياحة — يسبق الاختبار، بما يضمن امتلاك المرشد السياحي الحد الأدنى من مقومات العمل في هذا المجال. كما بيّن أنه تم حصر اللغتين العربية والإنجليزية على المرشدين من أبناء سلطنة عُمان، إلى جانب طرح دورات تأهيلية في اللغات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، كونها من أكثر اللغات التي يتحدث بها السياح القادمون إلى السلطنة، داعيًا المهتمين إلى الاستفادة من هذه الفرص للدخول إلى هذا المجال.
مكتب عُمان للمؤتمرات
وعن إشراك الطلبة في المشاركات الدولية، أوضح سعادته أن الوزارة نفذت مبادرات متعددة لإشراك الطلبة في تمثيل سلطنة عُمان في المحافل الدولية، ومن أبرزها مشاركة سلطنة عمان كضيف شرف في معرض ITB Berlin في برلين، حيث شارك الطلبة ضمن الوفد الرسمي وأسندت لهم أدوار فعلية داخل الجناح، إلى جانب إشراكهم في فعاليات سياحة الأعمال من خلال مكتب عُمان للمؤتمرات، مؤكدًا أن هذا القطاع يتمتع بعائد اقتصادي يتراوح بين 3 إلى 5 أضعاف مقارنة بالسائح العادي، وأن هذه المبادرات ستستمر خلال المرحلة المقبلة.
التعمين
وفيما يتعلق بتوظيف العمانيين، أوضح سعادته أن نسبة التعمين في الأنشطة التي تشرف عليها الوزارة — وتشمل الفنادق، وشركات السفر والسياحة، والمتاحف الخاصة، وشركات سياحة المغامرات — بلغت 28.5% حتى نهاية العام الماضي، وهي نسبة جيدة مقارنة بقطاعات اقتصادية أخرى. وعن أعداد الباحثين عن عمل، أشار إلى أنها أقل من 400 باحث وباحثة، مع ملاحظة أن جزءًا منهم لا يتجه للعمل في قطاع الضيافة، مؤكدًا أن هذه المؤشرات تعكس توازنًا بين مخرجات المؤسسات الأكاديمية والفرص المتاحة، رغم التحديات المرتبطة بطبيعة القطاع وتأثره بالتقلبات الجيوسياسية. وأضاف أن إدراج مهنة الإرشاد السياحي ضمن سجل العمل الحر أتاح فرصًا جديدة للشباب لممارسة المهنة بشكل مستقل، ما يعزز الاستفادة من الفرص الاقتصادية المتاحة، ويؤكد أن القطاع لا يواجه تحديًا حقيقيًا في التوظيف.
التأثيرات الجيوسياسية على السياحة
وعن تأثيرات الأزمة في المنطقة، أوضح سعادته أن القطاع تأثر بشكل مباشر نتيجة إغلاق بعض المجالات الجوية وتعطل المطارات وتأثر جداول الطيران، إلى جانب تكوّن انطباع أولي بعدم أمان المنطقة. وأشار إلى أن الوزارة تعاملت مع الأزمة عبر ثلاث مراحل، تمثلت الأولى في استيعاب أعداد كبيرة من الزوار الذين استخدموا السلطنة كملاذ آمن، بالتنسيق مع الجهات المعنية لترتيب إقامتهم ومغادرتهم. أما المرحلة الثانية فشهدت تراجعًا في أعداد السياح، حيث واصلت الوزارة مشاركاتها الدولية للتأكيد على أن عُمان وجهة مفتوحة وآمنة. وفي المرحلة الثالثة، ركزت الوزارة على استهداف أسواق غير تقليدية واستخدام أدوات ترويج مبتكرة.
وفيما يخص دعم المنشآت السياحية، بيّن سعادته أن الوزارة اتخذت إجراءات بالتنسيق مع الجهات الحكومية للتخفيف من آثار الأزمة، شملت جوانب تنظيمية وتحركات دبلوماسية — بالتعاون مع وزارة الخارجية — لإعادة النظر في تصنيف السلطنة ضمن قوائم الدول غير الآمنة. وأشار إلى أن المؤشرات الحالية تُظهر استقرارًا نسبيًا في أعداد الزوار بعد انخفاض حاد، رغم أن القطاع كان قد سجل نموًا يتراوح بين 12% و15% في بداية العام، مؤكدًا استمرار تنفيذ البرامج التسويقية والترويجية وحملات العلاقات العامة لضمان عودة القطاع إلى مستوياته السابقة، بل وتحقيق أداء أفضل خلال الفترة المقبلة.
وصاحب الملتقى معرض ضم أجنحة متنوعة، شملت ركن سياحة الأعمال، وسياحة المغامرات، وركن سياحة المأكولات وفنون الطهي العماني، بالإضافة إلى ركن برنامج سوق العمل والتشغيل، وركن التعريف ببرامج الترويج السياحي. كما ضم المعرض قسماً للاستثمار في التراث والسياحة، وركناً للإصدارات العلمية الخاصة بالوزارة، وأقساماً لعرض النيازك والمقتنيات الأثرية. وشهد المعرض مشاركة فاعلة من شركاء القطاع عبر أجنحة رئيسية لمجموعة عمران، والطيران العماني، وعمان للإبحار، إلى جانب شركات رائدة في قطاعي السياحة الفاخرة وسياحة المغامرات، مع تخصيص مساحات لعرض مشاريع التخرج والبحوث الأكاديمية لطلبة الجامعات والكليات المشاركة.
وفي هذا السياق، أكد خالد بن وليد الزدجالي مدير مكتب عمان للمؤتمرات أن مشاركة المكتب في المعرض جاءت لعرض الفرص المتاحة أمام الطلبة، بما يمكنهم من تأسيس شركاتهم الخاصة أو مؤسساتهم الصغيرة والمتوسطة، وأن قطاعات مثل الفعاليات، والمعارض، والمؤتمرات، وسياحة الاجتماعات، وسياحة المغامرات تمثل مجالات واعدة يمكن للطلبة الدخول إليها والاستثمار فيها.
وأشار إلى أن مثل هذه اللقاءات تعزز التبادل المعرفي بين الطلبة والجهات المختلفة، وتمكّنهم من الاطلاع على الفرص المتاحة والاستفادة من الخبرات، إلى جانب إتاحة المجال للمؤسسات للاستفادة من أفكارهم وملاحظاتهم.
