الخطر البيئي الصامت والقاتل للحرب
22 أبريل 2026
22 أبريل 2026
د. معمر بن علي التوبي -
منذ الأسبوع الأول للحرب الدائرة ضد إيران وتبعاتها التي تصيب عموم منطقة الخليج العربي، ومع كل صباح أستيقظ فيه، أطل بناظري إلى السماء وأتمعّن في سحابها الذي يذهب خيالي بأنه ممتزج بانبعاثات الوقود الناتجة من الحرب واستهداف محطات الطاقة وخزاناتها في إيران على وجه الخصوص ومنطقة الخليج العربي؛ إذ تظهر لنا الأخبار -منه تقرير لـ«سي أن أن العربية»- بأنه في الثامن من مارس 2026، هطلت على العاصمة الإيرانية «طهران» أمطار ذات لون أسود قاتم، تاركة آثارا زيتية على واجهات المباني وعلى السيارات وملابس السكان، وفي حين أن سبب ذلك غير خفي كونه ناتجا عن ظاهرة فيزيائية-كيميائية بعد استهداف لمنشآت تخزين النفط الإيراني؛ فتحولت مئات الأطنان من الهيدروكربونات المتراكمة في خزانات الوقود إلى سحب سامة متصاعدة في السماء، وتأخذ مسارها للترسب على التربة والمياه وتخترق رئتي البشر، وهنا نرصد جانبا سلبيا آخر للحروب يتمثّل بالتلوث البيئي الناتج من استهداف منشآت الوقود والطاقة؛ فنسعى عبر هذا المقال إلى مناقشة ثلاثة مسارات متوازية: تحليل الكيمياء التفصيلية للانبعاثات الناجمة عن استهداف مواقع النفط وخزاناته، ومحاولة تقصي الديناميكيات الجغرافية والمناخية الخاصة بمنطقة الخليج بعمومها وعلاقتها بتفاقم الأزمة البيئية، واستقراء الأدلة الوبائية المتوفرة من حادثة حرب الخليج السابقة في عام 1991 وما سبقها وتبعها من حروب؛ لاستيعاب المظاهر الصحية المستقبلية المحتملة التي يمكن مقاربتها مع ملامح الحرب الحالية.
فيما يخص الانبعاثات الناجمة عن استهداف مواقع النفط وخزاناته؛ فإن الاحتراق الملحوظ للكميات الكبيرة من الهيدروكربونات تكون في ظاهرها دخانا بصورته الفيزيائية المعتادة، ولكن في الحقيقة، يتعدى الأمر إلى تشكّل خليط كيميائي معقد يحتوي على مركبات سامة متعددة التأثير؛ فيمكن رصد العملية الكيميائية بعدة مراحل التي تبدأ بتشكّل جسيمات الكربون الأسود المكون الرئيس للدخان المشاهد، وتأتي هذه الجسيمات بمتوسط قطر يبلغ 2.5 ميكرومتر أو أقل، والذي يمكن مقارنته بجزء واحد من أربعين جزءا من قطر شعرة الإنسان، وهذا ما يسمح لهذه الجزئيات أن تخترق نظام الترشيح الطبيعي للجهاز التنفسي والوصول إلى الحويصلات الهوائية، ويمكن أن تعمل هذه الجسميات باعتبارها ناقلات تحمل مركبات سامة. تأتي بعدها عملية إنتاج بعض المركبات الكيميائية -نتيجة الاحتراق الناقص للوقود الثقيل- مثل: البنزو(أ)بيرين والأنثراسين والفلوراثين، وترتبط هذه المركبات بعضها ببعض بشكل وثيق؛ فتشكّل مخاطر وبائية خطيرة تهدد الأنسجة الدهنية، ويمكن أن تتفاقم إلى تراكم بيولوجي مع الزمن.
كذلك تشير التحاليل الكيميائية إلى أن بعض أنواع النفط الخام الإيراني -خصوصا الخامات الأثقل- تحتوي على تركيزات من المعادن مثل: النيكل والفاناديوم، ومع وجود كميات أقل من الزئبق، وعند احتراق الوقود تتحول هذه العناصر إلى جسيمات معدنية دقيقة مرتبطة بالسخام الجوي قابلة للانتقال عبر الهواء، ويُعد النيكل والفاناديوم من المعادن ذات الخطورة التنفسية لارتباطهما بتأثيرات التهابية مزمنة في الجهاز التنفسي، ولهذا حذرت منظمة الصحة العالمية عبر بيانها الصادر في العاشر من مارس 2026 عقب ضرب المنشآت النفطية الإيرانية من خطر انبعاثات تتمثّل في هيدروكربونات سامة وأكاسيد كبريتية ومركبات نيتروجينية.
بالإضافة إلى ما ذكرناه آنفا، ثمة ظاهرة أخرى تنتج من احتراق الوقود تُعرف بالمطر الأسود الذي يشكّل ترسيبا رطبا للملوثات الهوائية الناتج عن دخان حرائق المواد الهيدروكربونية، ويحدث هذا الترسيب وفق آلية تتكون من مرحلتين؛ فتتمثّل المرحلة الأولى في الامتصاص السحابي؛ إذ يمكن لقطرات السحاب والضباب أن تحمل الجسيمات الدقيقة وأكاسيد الكبريت المتصاعدة من الحرائق مثل التي أشرنا إليها في الفقرة السابقة، وبوجود بخار الماء، تتحول أكاسيد الكبريت إلى حامض الكبريتيك وأكاسيد النيتروجين إلى حامض النيتريك، وحينها تتحول قطرات المطر إلى وسط حمضي ضار. أما المرحلة الثانية لهذا الترسيب، تكون عبر الترسيب السطحي والأرضي؛ فعند هطول المطر الحمضي -المتشكّل في المرحلة الأولى-، فإنه يسبب حروقا كيميائية حال وقوعه المباشر على جلد الإنسان، ويسبب أضرارا في الجهاز التنفسي، وكذلك حاله مع تسرّبه إلى التربة والممرات المائية؛ فيُحدث تحمّضا يؤثر على الإنتاجية الزراعية وخصوبة التربة ويهدد التنوّع البيولوجي المائي، وفي هذا الشأن، نستذكر تصريحا سابقا لنائب وزير الصحة الإيراني الذي أشار إلى تقديم رعاية طبية طارئة إلى أكثر من 170 ألف شخص في غضون أسبوع واحد فقط نتيجة مشكلات قلبية وتنفسية ناتجة في مجملها عن تلوث الاحتراق الوقودي، ولتقدر هذه الزيادة في الحالات المرضية بـ20٪ إلى 25٪ مقارنة بالمعدلات الطبيعية.
أما فيما يتعلق بالشق الجغرافي والمناخي؛ فتوجد لدى منطقة الخليج العربي -خصوصا لدى معظم الدول في المنطقة- عدة عوامل جغرافية ومناخية ترفع من وتيرة تأثيرات الكوارث البيئية مثل التي نستعرضها في مقالنا هذا؛ إذ تشير الدراسات الهيدرولوجية -مثل «Nature Scientific Reports»- إلى أن دورة تجدد مياه الخليج ليست سريعة، فتتراوح في كثير من التقديرات بين ثلاث وخمس سنوات، مع اختلاف المدة بحسب الموقع والتيارات البحرية، ويعني ذلك أن أي تلوث يصيب بحر الخليج -سواء كان نفطا أو مواد كيميائية متسربة من ناقلات نفط جرى استهدافها أو حتى ترسيبا رطبا ناتجة من حرائق المنشآت النفطية مثل التي ذكرناها-؛ فإن هذا التلوث سيقبع في مساحة بيولوجية مغلقة لسنوات قبل أن يتحرر بعيدا، ومن الناحية الجيوكيميائية؛ فإن عوامل أخرى مثل درجات الحرارة العالية وارتفاع معدلات التبخّر تسهم في رفع ملوحة المياه؛ فيقلّص القدرة التمييعية للملوثات ويرفع من تركيزها في النظام البيولوجي.
من ضمن التحديات المناخية في المنطقة التي تسهم في تفاقم مشكلة التلوث الوقودي ما يتعلق بظاهرة الرياح الشمالية، وهي رياح شمالية غربية تجتاح العراق وتنعكس على جميع دول الخليج العربي، وتتراوح سرعتها المعتادة قرب السطح بين 5 و16 مترا في الثانية، ويمكن أن تصل إلى سرعات أعلى في الطبقات الجوية المتوسطة في بعض الحالات القوية، وهذا ما يزيد انتشار آثار الاحتراق النفطي إقليميا. في إطار الحديث عن الرياح ودورها الكبير في نقل التلوث الجوي، نلحظ أيضا وجود رياح الشمال في فصل الربيع -الموسم الحالي الذي تدور في رحى الحرب- التي تأخذ مسارا شماليا-غربيا يمتد من
العراق وسوريا باتجاه الجنوب الشرقي عبر جميع دول الخليج، ولكن الأشد أثرا -بيئيا- يكمن في التفاعل الذي تحدثه رياح الشمال مع الجسيمات الدقيقة؛ حيث إن هذه الرياح تحمل كميات كبيرة من الغبار الصحراوي التي تتحول إلى ناقلات دقيقة تحمل معها الجسيمات الهيدروكربونية الناجمة من احتراقات الوقود، وهذا ما يوسّع دائرة الانتشار الهوائي الملوث.
كذلك لا يمكن أن نغفل عن خطر التلوث المائي خصوصا في الدول المطلة على الخليج العربي، والتي تعتبر أكثر عرضة للتلوث؛ حيث إن معظم هذه الدول تعتمد على محطات تحلية مياه البحر الموجودة على سواحل الخليج العربي، ولا ينحصر التهديد من الترسيبات الرطبة الناتجة من حرائق مواقع الوقود وخزانتها التي يمكن أن تضر مياه البحر، ولكنه يشمل ناقلات الوقود المتكدسة -بأعداد كبيرة- في الخليج العربي والمعرضة للاستهدافات العسكرية؛ فنجد تحذيرات متعددة من هذا الخطر الذي وصفته منظمة «غرينبيس» بأنه قنبلة بيئية موقوتة تحمل أكثر من 21 مليار لتر من النفط.
بغالب ما يمكن قراءته وتحليله، أو حتى التنبؤ به في ضوء هذه الحرب الحالية وتفاقماتها البيئية المذكورة، لا يمكن أن نكون بمعزل عمّا يخبرنا به التاريخ القريب نسبيا المرتبط بحرب الخليج السابقة في بداية تسعينيات القرن المنصرم، وقبلها الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)، وأيضا الغزو الأمريكي عام 2003 الذي ما زالت آثاره البيئية قائمة ولم تُعالج بشكل كامل؛ إذ تشير بعض الدراسات والبيانات إلى أن خاما بيئيا ضارا ناتجا عن هذه الحروب ما زال مدفونا في رواسب قاع الخليج العربي، ويطفو على السطح مع كل اضطراب ميكانيكي أو حراري جديد، ووثّق علماء البيئة البحرية وجود تلوث هيدروكربوني مزمن في المناطق المحمية من الخليج، مع تركيزات مرتفعة من المبيدات العضوية المكلورة. بالتالي، طالما أننا أمام أزمة بيئية قديمة ما زالت آثارها قائمة حتى يومنا هذا، فكيف سيكون وضعنا الحالي بما تحدثه هذه الحرب، ووضع البيئة في فترات مستقبلية قد تمتد إلى سنوات؟ فكما يُطلعنا التاريخ على ما مرّت به المنطقة من أزمات بيئية كارثية، وكما تؤكده شواهد اليوم من وقع هذه الكوارث وضراوتها، فإن ذلك كفيل بتفسير كثرة الأمراض الخطيرة التي تُصيب شعوب هذه المنطقة وقاطنيها المرتبطة بتدهور بيئتها. بجانب ما استعرضناه آنفا من مخاطر متعددة تتفاقم في ظل الجغرافيا والمناخ الخليجي اللذين قد يرفعان من مستوى خطورة هذه التحديات البيئية؛ فإن ما يمكن أن يحدث بسبب هذه الحرب -وإن كان يتركز معظمه في الجغرافيا الإيرانية- ينطبق بدرجة كبيرة أيضا على ما قد تُحدثه الهجمات العسكرية العشوائية على مواقع الطاقة في الدول الخليجية، ويُطرح الأمر هنا بعموميته دون تقييد بموقع جغرافي محدد في منطقة الخليج الممتدة من إيران إلى جميع الدول الخليجية. لهذا عبر هذا الإطار، يمكن ربط التحديات المحتملة بثلاث مراحل رئيسة، وتبدأ بالمرحلة الحادة التي تظهر في غضون الأيام والأسابيع الأولى بعد الاستهداف الأول لمواقع الوقود من خزانات ومصافٍ وغيرها.
حيث يكون التأثير مركزا على الجهاز التنفسي والقلب نتيجة التعرض لتركيزات مرتفعة من الملوثات الكيميائية، إضافة إلى احتمال حدوث حروق جلدية كيميائية ناتجة عن التعرض المباشر للأمطار الحمضية. أما المرحلة المتوسطة؛ فتمتد من بضعة أشهر إلى سنوات قليلة، وتتصل بعمليات الترسّب البيولوجي، وارتفاع تراكم المركبات الكيميائية السامة، والتزايد التدريجي في تحمّض التربة، ويبرز في هذه المرحلة ارتفاع محتمل في معدلات الربو المزمن، وأمراض الانسداد الرئوي المزمن، فضلا عن الأضرار التي يمكن أن تصيب مصادر المياه الجوفية نتيجة التسرب، والتأثيرات المحتملة على الأمن الغذائي بسبب انعكاس التلوث على المحاصيل الزراعية ومصادر المياه الصالحة للاستخدام. ثم تأتي المرحلة البعيدة، والتي قد تمتد آثارها إلى عقود، ويمكن أن تؤدي إلى زيادة في معدلات الأمراض السرطانية المرتبطة بالتعرض طويل الأمد للملوثات البتروكيميائية، كما قد تؤثر في الصحة الإنجابية، وفي زيادة العيوب الخلقية للمواليد، وفي التنوع البيولوجي داخل الأنظمة البيئية المائية المتأثرة بالتسربات الكيميائية.
يمكن أن نعتبر أن استعراضنا للمشكلات والتحديات البيئية الناتجة عن استهداف منشآت النفط وخزاناتها أمر مهم جدا، لأنه يحدد طبيعة المشكلة ويسهم في بناء الوعي البيئي لدى الجميع، ولكن من المهم أيضا استكمال هذه الحلقة حتى تكتمل الصورة، ويصبح وعينا مشتملا كذلك على الحلول الممكنة، ولهذا من المفترض أن تُبحث هذه الحلول عبر مسارين رئيسين؛ أولهما المسار الرقابي والرصد الميداني القائم على تحديد المشكلة ومواقعها وحجمها بدقة، ويمكن تحقيق ذلك عبر عدة وسائل خصوصا في ظل التقدم التقني المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث إن استثمار خوارزميات الذكاء الاصطناعي في التحليل التنبؤي أصبح ذا أهمية كبيرة؛ إذ تمتلك نماذج الذكاء الاصطناعي قدرات تنبؤية وتحليلية للمخاطر البيئية القائمة، وتنجز عمليات تحليل دقيقة للمواقع، وكميات التلوث، وأنواعه، وأحجامه، ومستويات خطورته، بسرعة وكفاءة عاليتين، ويرتبط ذلك بكمية البيانات التي تتلقاها هذه الخوارزميات أو النماذج الذكية، وبجودة تلك البيانات.
في حين أن جودة التنبؤ والتحليل لدى خوارزميات الذكاء الاصطناعي مرتبطة بالبيانات؛ فمن السهل الحصول على هذه البيانات عبر سبل كثيرة منها الطائرات المسيّرة التي تستطيع في غضون وقت قصير وعلى مساحات واسعة رصد أنواع متعددة من البيانات بما في ذلك الملوثات بمركباتها الكيميائية المختلفة، ودرجات الحرارة، والتغيرات اللونية، وغيرها من المؤشرات البيئية، ثم إرسالها مباشرة إلى النماذج الذكية لتحليلها بصورة سريعة، ويمكن أيضا الحصول على هذه البيانات عبر الأقمار الصناعية أو عبر الوسائط الصغيرة المسيّرة البرية والبحرية مثل المجسات التي تستشعر وجود التلوث المائي.
أما السبيل الآخر، فيأتي بعد مرحلة الرصد، ويتمثل في معالجة المشكلة ذاتها دون الادعاء بوجود الحلول السريعة والمطلقة كون علاج المشكلة ليس سهلا حتى بعد عملية الرصد الدقيق، ولكن رغم التحديات القائمة، فإن الرصد الدقيق يمثّل خطوة أساسية في احتواء المشكلة والتقليل من آثارها بدرجة كبيرة خصوصا في البيئات البحرية أو الساحلية، وعند حدوث تسرب نفطي في مياه معينة، يمكن حصره عبر آليات ميكانيكية مخصصة وعبر أنظمة تحكم عن بُعد، ثم احتواؤه داخل نطاقات محددة قبل الشروع في التخلص منه بوسائل المعالجة المناسبة، وهنا نتكلم على سبيل المثال فيما يتعلق ببعض الحلول وليس الحصر، وفي كل حال تتمثل المرحلة الأهم في قدرتنا على تحديد المشكلات والقدرة على رصدها بدقة؛ لتأتي بعدها حلول إزالة المشكلة أو تقليلها تباعا وبحلول وتقنيات مبتكرة. رغم ذلك، أعود إلى حدسي الظني الذي ذكرته مع افتتاحية هذا المقال وسطوره الأولى فيما يتعلق بالإحساس بوجود الخطر البيئي عند كل مشاهدة للسحب مع كل صباح جديد؛ لأرى -بعد التقصي العلمي- أن بعضا من هذا الحدس -نسبيا- كان صائبا.
د. معمر بن علي التوبي أكاديمي وباحث عُماني
