No Image
عمان العلمي

الحروب: محرّك العلم ومدمّر البيئة

22 أبريل 2026
22 أبريل 2026

أ. د. حيدر أحمد اللواتي -

في مسيرة البشرية، شكلت الحروب نقاط تحول حاسمة، ليس فقط على الصعيد السياسي والاجتماعي، بل أيضًا في مجالات العلم والتقنية، فقد أجبرت هذه الصراعات البشرية على تجاوز حدود المعرفة والابتكار لمواجهة تحديات وجودية، مما أدى إلى قفزات علمية غير مسبوقة، ومع ذلك، وعلى الجانب الآخر من هذه المعادلة، تأتي الحروب حاملة معها أثقالًا بيئية مدمرة تترك آثارًا طويلة الأمد على كوكبنا، هذه الفجوة بين التقدم العلمي والتدمير البيئي تطرح سؤالًا مهمًا: هل يمكن أن يكون للعنف والحرب دور في دفع العلم نحو الأمام بينما يدفع الأرض إلى هاوية الدمار؟ في هذا المقال، نستعرض كيف كانت الحروب محركات للعلم، وفي الوقت نفسه، مدمرة للبيئة التي نعيش فيها.

الحرب العالمية الأولى مثلا ساهمت بصورة كبيرة في تطوير علوم الكيمياء، فهذه الحرب كانت حربا كيميائية بامتياز، إذ قام الكيميائيون باستكشاف آفاق جديدة في تركيب المواد الكيميائية وطرق تصنيعها، وأدى ذلك إلى استخدام واسع للغازات السامة كسلاح فتاك، يمكنه أن يغير ميزان القوى، مثل غاز الكلور والفوسجين، مما دفع إلى تطوير علوم الكيمياء التحليلية والعضوية لفهم تركيب هذه المواد وتأثيرها، وكذلك للبحث عن وسائل وسبل الحماية والوقاية من هذه الأسلحة الفتاكة.

كما كانت الحرب دافعًا لتطوير الكيمياء الصناعية، حيث تم تصنيع مواد متفجرة جديدة، ومواد أولية مهمة مثل النترات والمواد الكيميائية اللازمة لإنتاج الذخائر بكميات هائلة، إن هذا التوسع الصناعي لم يكن ممكنًا بدون تقدم في فهم التفاعلات الكيميائية وتقنيات الإنتاج الضخمة.

إضافة إلى ذلك، دفع الضغط الحربي إلى تحسين طرق تصنيع الأدوية والمواد الطبية، خصوصًا المضادات الحيوية التي بدأت تظهر في أواخر الحرب العالمية الأولى، والتي أحدثت ثورة في علاج الإصابات والعدوى بين الجنود.

ومع انتهاء الحرب العالمية الأولى، استُخدمت الاكتشافات العلمية التي تم تطويرها أثناء الحرب، كأساس لتطورات صناعية وطبية هائلة في فترات السلام، فالكيمياء التي تطورت لإنتاج الأسلحة والغازات السامة، تحولت إلى علوم تصنيع أسمدة زراعية، مما ساهم في زيادة إنتاج الغذاء وتحسين الزراعة لمواجهة التحديات الناتجة عن نقص الغذاء مع زيادة الكثافة السكانية في العالم، وهو أمر حاسم لاقتصادات ما بعد الحرب.

كما استُثمرت تقنيات تصنيع المواد الكيميائية في إنتاج أدوية جديدة، ومواد صناعية مثل الألياف الاصطناعية، واللدائن، التي أثرت بشكل جذري في حياة الإنسان اليومية، من الملابس إلى البناء والصناعات المختلفة.

وبالمقابل سببت الحرب العالمية الأولى كوراث بيئية لا يمكن التغاضي عنها، إذ أن استخدام الأسلحة الكيميائية لم يقتصر على إحداث خسائر بشرية فحسب، بل سمم الهواء والتربة بشكل واسع، مما أدى إلى تدهور الأراضي الزراعية وتلف المحاصيل، وأثر سلبًا على الحياة البرية في مناطق القتال، كما أن الحفريات والخنادق المنتشرة على نطاق واسع دمرت الغطاء النباتي وأدت إلى تعرية التربة، مما أضعف قدرة الأرض على التعافي لفترات طويلة بعد انتهاء الحرب، بالإضافة إلى ذلك، فإن التوسع الصناعي لإنتاج الأسلحة والمواد الكيميائية أسهم في تلويث المياه والهواء بمخلفات ضارة، مما زاد من الأعباء البيئية في تلك الحقبة.

أما الحرب العالمية الثانية، فقد شهدت طفرة هائلة في مجالات علمية متعددة وخاصة علوم الحوسبة والعلوم الفيزيائية، حيث تطورت تقنيات الحوسبة الأولى التي مهدت لاحقًا لعصر الكمبيوتر الحديث، كما تم تطوير الرادار الذي غيّر قواعد الاشتباك العسكري وأصبح لاحقًا من أساسيات الملاحة المدنية.

وفي مجال الطب، شهدت الحرب تطورًا هائلًا في تصنيع المضادات الحيوية، لاسيما البنسلين الذي أنقذ ملايين الأرواح، بالإضافة إلى تحسين تقنيات نقل الدم والعناية بالجروح وإجراء العمليات الجراحية.

كما كانت تقنية الصواريخ والطائرات النفاثة من بين أهم الابتكارات التي ظهرت خلال تلك الفترة، إلى جانب تطوير الأسلحة النووية التي شكلت نقطة تحول دراماتيكية في تاريخ البشرية والعلوم.

بعد انتهاء الحرب، تحولت التقنيات النووية من أدوات دمار إلى مصادر للطاقة السلمية، حيث استُخدمت في توليد الكهرباء وتطوير الطب النووي، مما فتح آفاقًا جديدة لعلاج الأمراض وتشخيصها بدقة عالية، كما أدت الأبحاث النووية إلى تقدم في فهم بنية المادة والطاقة، ما أثرى العلوم الطبيعية بشكل عام.

ويعد السونار من التقنيات التي وجدت لها دورا هاما بعد الحرب، إذ كان السونار أثناء الحرب أداة حيوية للكشف عن الغواصات في أعماق البحار، أما بعد الحرب، فلقد وجد تطبيقات واسعة في الأغراض المدنية، إذ استُخدم في الملاحة البحرية، وصيد الأسماك، واستكشاف قاع المحيط، وحتى في الطب، حيث تطور إلى تقنيات التصوير فوق الصوتي التي تستخدم لفحص الأجنة وتشخيص الأمراض.

إلى جانب هذه التطورات، ساهمت الحرب العالمية الثانية وبشكل خاص في انتشار وتوسع صناعة الأطعمة المعلبة، التي كانت ضرورية لتوفير الإمدادات الغذائية للجنود في ميادين القتال البعيدة، فقد تطورت تقنيات التعليب والتغليف لتضمن حفظ الطعام لفترات طويلة دون تلف، مما أدى لاحقًا إلى انتشار هذه الأطعمة في الأسواق المدنية، وأصبح التعليب جزءًا من الحياة اليومية، مما ساعد على توفير غذاء آمن وسهل التخزين، وفتح الباب أمام صناعة الأغذية المعاصرة التي تعتمد على الحفظ والتغليف.

على الجانب الآخر، تفاقمت الأضرار البيئية بصورة كبيرة وذلك نتيجة للجريمة الكبرى التي قامت بها الولايات المتحدة، والتي كانت سببا لدمار هائل طال الإنسان والمدن والمصانع، وذلك باستخدامها لقنبلتين نوويتين أسقطتهما على مدينتي هيروشيما وناغازاكي، وقد أدى ذلك إلى تدمير مساحات شاسعة من الغابات والغطاء النباتي، كما تسبب تلوث الهواء بالدخان والغازات السامة في أزمات صحية وبيئية متزايدة، إلى جانب ذلك، تسرب المواد الكيميائية والنفايات الصناعية من المصانع المدمرة أثر بشكل كبير على جودة المياه والتربة، مما خلق أزمات بيئية استمرت لعقود بعد انتهاء الحرب، لقد سببت هذه الأضرار معاناة للبشر والطبيعة، وأظهرت بوضوح كيف يمكن للحروب أن تترك بصمات بيئية لا تُمحى بسهولة.

بل حتى الحرب الباردة التي تلت الحرب العالمية الثانية أطلقت سباقًا هائلًا في مجالات العلوم والتكنولوجيا على الرغم من عدم تحولها إلى صراع مسلح مباشر بين القوتين العظميين، فقد دفع التنافس بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي إلى تسريع الأبحاث في مجالات الفضاء، حيث أُطلق القمر الصناعي «سبوتنيك» وأدى لاحقًا إلى هبوط الإنسان على القمر، وهي إنجازات علمية هائلة أثرت على تقنيات الاتصالات والملاحة.

كما شهدت الحرب الباردة تطورًا كبيرًا في تكنولوجيا الصواريخ والأقمار الصناعية، وتقنيات الحوسبة التي أصبحت أساسًا للثورة الرقمية لاحقًا، وانتشرت أبحاث الذكاء الاصطناعي، والاستشعار عن بعد، وتقنيات الاتصالات اللاسلكية، التي شكلت جزءًا من أدوات المراقبة والتجسس، لكنها أسهمت أيضًا في تطوير الحياة المدنية.

ومن بين أبرز المجالات التي ازدهرت خلال الحرب الباردة، كان اكتشاف وتطوير العناصر المشعة الطبيعية والمصنعة، فقد اكتُشفت عناصر مشعة جديدة مثل البركليوم والكوريوم في مختبرات كاليفورنيا، والتي لم تكن معروفة قبل ذلك، وساهمت هذه العناصر في توسيع فهمنا للتركيب الذري والتفاعلات النووية، كما استُخدمت هذه العناصر في مجالات الطب النووي لعلاج السرطان، وفي تطوير مصادر طاقة نووية جديدة.

وقد ساعد اكتشاف هذه العناصر على تطوير تقنيات مثل التصوير بالرنين المغناطيسي والعلاج الإشعاعي، بالإضافة إلى إحداث تقدم في مجالات الفيزياء النووية والكيمياء النووية التي شكلت أساسًا للعديد من الابتكارات التكنولوجية في العقود التالية.

أما الآثار البيئية التي نتجت من الحرب الباردة، فرغم غياب الصراع العسكري المباشر بين القوتين العظميين، خلف الحرب الباردة آثارًا بيئية غير مباشرة لكنها جسيمة، فسباق التسلح النووي وتطوير الأسلحة الكيماوية والبيولوجية أدى إلى تراكم مخزون هائل من المواد الملوثة والخطرة، والتي شكلت تهديدًا بيئيًا طويل الأمد، كما أن التجارب النووية التي أجريت في مناطق نائية مثل بيكيني ومناطق أخرى سببت تلوثًا إشعاعيًا واسع النطاق أثر على البيئة والمجتمعات المحلية لسنوات طويلة.

وفي بداية التسعينيات، شهدت حرب الخليج الأولى تحديًا بيئيًا وتقنيًا فريدًا، تمثل في حرائق آبار النفط التي أشعلها الجيش العراقي خلال انسحابه من الكويت، وكانت هذه الحرائق كارثة بيئية وصناعية ضخمة، بحاجه إلى حلول سريعة وفعالة لإخمادها.

وقد استُخدمت في معالجة هذه الحرائق تقنيات متقدمة، منها استخدام المتفجرات لإغلاق آبار النفط المتقدة، حيث يتم تفجير موجة صدمية تزيل اللهب مؤقتًا لتسهيل إغلاق البئر، كما تم استقدام فرق دولية متخصصة استخدمت معدات خاصة مثل الحفارات العملاقة وأنظمة التبريد بالماء والمواد الكيميائية المثبطة للنيران.

وقد ساهمت هذه الجهود في تطوير تقنيات مكافحة حرائق النفط، وتحسين فهمنا للسلامة الصناعية وإدارة الأزمات البيئية، كما أدت هذه الخبرات إلى تقدم في تقنيات التنظيف البيئي وإعادة تأهيل الأراضي المتضررة، مما كان له أثر طويل الأمد في الصناعات النفطية والبيئية حول العالم.

إلا أن هذه الحرائق لم تكن سوى جزءًا من الكارثة البيئية التي خلفتها حرب الخليج الأولى، حيث أدت إلى انبعاث كميات هائلة من الدخان والسخام في الجو، ملوثة الهواء ومهددة صحة السكان في المنطقة والعالم، كما تسربت كميات ضخمة من النفط إلى الصحاري والبحار، مسببة تلوثًا خطيرًا للتربة والمياه، وأثرت سلبًا على الحياة البرية والنظم البيئية البحرية.

وكانت هذه الآثار البيئية العالمية جرس إنذار جديد يذكّر أن التطور التكنولوجي والعسكري لا يخلو من تكلفة بيئية جسيمة، وأن استدامة البيئة يجب أن تكون جزءًا لا يتجزأ من أي استراتيجية مستقبلية، سواء في زمن الحرب أو السلام.

وفي الحرب الراهنة التي يشنها العدو الصهيوأمريكي على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، يتم استخدام مجموعة متطورة من التقنيات الحديثة التي تعكس تطورا كبيرا في المجال العسكري والتكنولوجي؛ إذ شملت هذه التقنيات استخدام الطائرات المسيرة المسلحة التي تتيح تنفيذ عمليات دقيقة بعيدة المدى، كما تم استخدام الصواريخ الذكية الموجهة بنظام تحديد المواقع العالمي التي تمكن من استهداف المنشآت الحيوية بدقة متناهية وتقليل الأضرار الجانبية. إلا أن هذه الحرب ستفتح بابا لدمار شامل، ليس فقط على المستوى البشري والسياسي، بل على البيئة أيضا التي تمثل رئة المنطقة ومستقبلها.

إن هذا الحرب لن تؤدي إلى تدمير البنى التحتية والمرافق الحيوية فحسب، بل ستترك أثرا بيئيا كارثيا يعصف بالتوازن الطبيعي، ويهدد حياة الملايين من البشر والحيوانات والنباتات، فمن المتوقع أن تشمل الآثار البيئية المدمرة لهذه الحرب تلوث واسع النطاق للهواء بالمركبات السامة والدخان الكثيف، جراء استهداف المنشآت النفطية والكيماوية، مما سيفاقم أزمة التغير المناخي المحلي ويزيد معدلات الأمراض التنفسية.

كما أن استهداف المنشآت الصناعية والنووية قد يؤدي إلى تسرب المواد المشعة والملوثات الكيميائية الخطيرة في المياه والتربة، فتتحول مناطق شاسعة إلى أراضٍ قاحلة غير صالحة للزراعة أو السكن.

هذا الدمار البيئي لن يقتصر على إيران وحدها، بل سيتعدى الحدود ليطال دولنا، معلنًا كارثة إقليمية تتطلب عقودًا من الزمن لإصلاحها، بل وربما لا يمكن تعويض خسائرها بالكامل.

إن استخدام القوة بطريقة عشوائية ومدمرة كهذه يعكس تجاهلًا صارخًا للأخلاقيات الإنسانية ولقواعد القانون الدولي التي تحمي البيئة والحياة المدنية أثناء النزاعات.

وفي ظل هذا الواقع المرير، يصبح من الضروري أن يُرفع الصوت عاليًا ضد هذا العدوان، وأن تُعزز جهود الحفاظ على البيئة كجزء لا يتجزأ من الدفاع الوطني، وأن تُوضع خطط عاجلة للتصدي للتداعيات البيئية المحتملة، حفاظًا على حياة الأجيال القادمة.

إن الحروب الحديثة تحمل في طياتها تناقضًا عميقًا بين دفع عجلة العلم والتقدم من جهة، وتدمير البيئة والحياة من جهة أخرى التي قد تؤدي في النهاية إلى القضاء على البشرية ذاتها، فهل يمكن لهذا الإنسان أن يسّرع عجلة التقدم العلمي دون الحاجة إلى إشعال الحروب وإثارة الدمار؟ وهل يكفي ربط العلم بالقيم الأخلاقية ليحول دون انزلاقنا نحو دمار ذاتي، أم أننا بحاجة إلى إعادة تعريف جذري لعلاقة الإنسان مع العلم والتقدم؟

وختاما، هل ينجح الإنسان في بناء مستقبل يستند على العلم والرحمة معًا، يحمي به كوكبنا ويضمن للأجيال القادمة العيش بكرامة وأمان؟

أ. د. حيدر أحمد اللواتي كلية العلوم، جامعة السلطان قابوس