لبنان في ظلال "الهدنة".. من هنا مرّ عدوان الـ46 يوماً!
بيروت- وفاء عواد:قبل لحظة بدء سريان وقف إطلاق النار في لبنان، منتصف ليل 16- 17 من الجاري، كان أكثر من مليون نازح ينتظرون في المدارس ومراكز الإيواء إشارة لـ"حقّ العودة" الى قراهم وبيوتهم.. وما ان دقّت الساعة الثانية عشرة من ذاك الليل، حتى تبدّلت الصورة، وكان للعائدين الى ديارهم، وتحديداً في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت، مواعيد عصيّة على الزمن والنار، وإنْ على حِبال هدنة مؤقتة بمحاذيرها، وعلى طرقات "مقصوفة" وحفر واسعة وجسور مدمّرة ومعلّقة بين ضفّتين.. وكأنّ رحلة العودة هذه، رغم افتقارها للضمانات النهائية، بدت كفعل إيمان متجدّد بأنّ الأرض لا تُترك للفراغ، حتى لو كان الثمن النوم فوق الركام.
مشهد أوّل: في اللحظة التي أُعلن فيها وقف إطلاق النار، لم تسأل "أم محمد" عن تفاصيل الإتفاق الذي أرسى "الهدنة"، ولم تستمع الى نشرات الأخبار لتفهم ما جرى. لم تبالِ ببيان قيادة الجيش الذي قضى بـ"ضرورة التريّث"، ولا بما قاله رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي لجهة "عدم المغادرة الآن"، بل حزمت حقائبها ولملمت شتات التهجير، وضعت أدويتها في كيس مستقلّ، ثم وضعت فوقها مفتاح منزلها، كأنّها تخشى أن تضيع الطريق من دونه، إستعداداً لمغادرة مركز نزوحها مع عائلتها، وإيذاناً بالعودة الفوريّة الى بيتها في إحدى قرى مدينة صور، ولوْ كان البيت مهدّماً، ولوْ كانت إسرائيل لا تزال تستهدف منطقة هنا، وسيارة هناك، وتحوّل أحياء بأكملها في غمضة عيْن ركاماً فوق ركام.. ففي حسابات الإمرأة السبعينيّة، القصف خبر عابر، فيما الحرب، بكلّ ثقلها، لا تكفي لتأجيل العودة يوماً واحداً.
مشهد ثانٍ: منذ عودته الى منزله في محلّة الشيّاح، ولا يزال الشاب العشريني علاء يرفض كلّ ما يُشاع ويُذاع عن عودة مؤقتة الى "الضاحية". فـ"لن نتهجّر مرّة ثانية". عبارة يقولها بثقة تامّة، ويقنع والدته بها، وهي التي تصف الهدنة بـ"المهزوزة"، حالها كحال الكثيرين من أبناء الضاحية. فـ"كيف تكون مهزوزة وهناك من تنشر الثياب على حبل غسيل هنا، وأخرى تنفض كلّ أثاث منزلها مما علق عليه من غبار القصف في المكان، وآخر يصلح شريط الكهرباء هناك، وذاك ينقل ألواح زجاج لتركيبها في إحدى الشقق". وبالنسبة إليه، فإن البقاء في منزل من دون نوافذ ولا أبواب داخل الضاحية "أفضل من البقاء داخل مراكز الإيواء".
مشهديّة مستعادة
وتكرّ سبحة مشاهد العودة الى حمى القرى والبلدات المنتشرة على مساحة لبنان المثخن بالجراح، والتي انتظرت سكّانها على نار ودمار، مجلببةً بالسواد ورايات النصر في آن واحد، وإنْ وسط "المنطقة الصفراء" التي كرّستها إسرائيل وذكّرتهم باحتلال ما قبل تحرير الألفين، كما بواقع الميدان "صاحب الكلمة الفصل". فـ"المقاومون لا يزالون في بنت جبيل والبيّاضة وعيناثا والطيْبة ودير سريان والخيام"، و"بالتالي، عن أيّ خطّ أصفر يتحدّثون؟". يقول ربيع لـ"عُمان"، مضيفاً: "الشريط الوحيد الذي يعترف به اللبنانيون ويسيّج الـ10452 كيلومتراً مربعاً هو الشريط الأحمر"، إذْ "لا إمكانية للفصل بين الدم والتراب، ولا بين طرفَي الليطانيِ". ينظر الى البعيد كمن يلملم أفكاره، ويبتسم.
"لا" للإحتلال
وفيما "المرصد اللبناني" لالتقاط إشارات غدٍ كان بالأمس مع ترسيم إسرائيل لـ"خطّ أصفر" سيّج 55 قرية جنوبيّة بأسلاك الإحتلال الشائكة، مع فائض قوّة على الحجر بعد البشر بتدمير قرى عن بكرة بيوتها وجرفها وجعلها آثراً بعد عيْن، لا تزال رحلة العبور مستمرّة من مساحات النزوح إلى أحضان الجنوب.
من صيدا إلى صور، من الزهراني إلى النبطية، من القرى والدساكر الممحوّة أسماؤها عن الخارطة واللافتات الى كلّ الجنوب الذي قال كلمته القاطعة "لا" للإحتلال.. وذلك، بدءاً من جسر الأوّلي عند مدخل مدينة صيدا، الذي استحال في لحظات الى ما يشبه "عنق زجاجة"، بعدما اختنق بالسيارات المتلاصقة ببعضها البعض، وبالعائلات التي تكدّست وحُشرت داخل مقصورات ضاقت بالركّاب، مروراً بجسرَي طيرفلسيه والخردلي، ووصولاً الى جسر القاسميّة، حيث توقف هدير السيارات ليحلّ محلّه أزيز الدرّاجات النارية وصوت الأقدام المتعبة. فالجسر المدمّر لم يمنع الناس من العبور، إذْ تسلّق بعضهم الركام، وعبر فوق الدمار للوصول إلى بعض بلدات جنوب الليطاني مشياً على الأقدام.
وفي عبورهم الذي تناقلته شاشات العالم، بدوا معتادين على ما ينتظرهم، إذْ ربط بعضهم بعض الحاجيات الأساسية على سطح السيارة، ممّا تيسّر من فرش وأغطية، للمبيت ربّما في الخلاء، أو في ما تبقّى من البيوت، إنْ كانت لا تزال على قيد الحياة.
الحزن ليس نهاية
هنا، دمعة معلّقة بعيون امرأة، محمّلة الفقد المؤلم. ومع ذلك، ترفع يدها بإشارة النصر. فـ"الحزن ليس نهاية، إنّما تأكيد على الصبر". وهناك، من ينشر فيديو يوثّق فيه منزله المدمّر بفعل الحرب، ويعلّق: "أوّل صبحيّة بالبيت.. لا كهربا ولا ميّ ولا إنترنت". وهنالك، طفلة تبدو عليها معالم الفرح، وهي تطلّ برأسها من نافذة سيارة والدها، مصطحبةً معها قطّتها المدلّلة في رحلة العبور في مسار متعرّج فوق نهر الليطاني، حيث أقيم جسر مؤقت. أمّا مضامين الصور والمشاهد الكثيفة الواردة من البلدات، الجنوبية منها بشكل خاص، فكانت كفيلة بشفاء بعض الندوب التي خلّفتها الحرب، بالرغم من التحذيرات الأمنية وحال الجسور التي قُصفت والخراب الذي عمّ كلّ الأمكنة والمطارح.
وهكذا، لم يكن مشهد العودة في الجنوب اللبناني يشبه أيّ مشهد نزوح وعودة عرفه العالم. عائلات كاملة تعود إلى كومة حجارة، تبحث بين الركام عن "سند البيت" لتزرع إلى جانبه خيمة، وتعلن بكلّ بساطة: "وصلنا". فـ"أبناء الجنوب لا يحتاجون إلى جدران ليثبتوا وجودهم، يكفيهم متر من التراب وخيمة تواجه الريح، ليقولوا للعالم أجمع: نحن هنا"، تقول الشابّة حنين العائدة الى قريتها الجنوبيّة. ومن الجنوب الى البقاع الغربي، وتحديداً الى "سحمر" و"مشغرة"، البلدتين البقاعيتين الواقعتين على تخوم محافظة الجنوب، واللتين كانتا عرضة لقصف استمرّ 40 يوماً، كانت رحلة عودة البعض، والتي كانت أقرب إلى زيارة ثقيلة. ذلك أن الجسر الحيوي الذي كان يربط البلدتين بالجنوب دُمّر كلياً، تماماً كما الجسر التاريخي الرديف، الذي اختفت معه معالم المطحنة التراثية القديمة. وهكذا، تسنّى للبعض من أبناء البلديتين أن يتفقّد ما خلّفته آلة الحرب الإسرائيلية، فيما حضر بعضهم الآخر ليودّع ما لم يعد قائماً.
أمّا الضاحية الجنوبيّة لبيروت، حيث عدسات الكاميرات وثّقت وجع الركام، فبدت وكأنّها "تكنّس" ردمها، وتستعيد شيئاً فشيئاً زحمتها المعتادة. وذلك، في ظلّ قناعة الكثيرين من أبنائها بأن العودة "مؤقتة"، وبأن لا مجال إلا لوضع خطّة نزوح جديدة "على الرفّ"، لا يُعرف متى يحين وقت استخدامها، وخصوصاً في ظلّ وجود "عدوّ غادر قد يخرق الهدنة في أيّ وقت"، يقول الرجل الثمانيني "أبو أحمد".
والأخير هو ممّن تركوا لأنفسم مأوى في مناطق النزوح، إنْ بالحفاظ على الشقة المستأجرة، كما هو حال "أبو أيمن" العائد الى منزله في محلّة حيّ ماضي، أو الإبقاء على "حجز" الغرفة في مركز الإيواء، كما هو حال نهى العائدة الى شقّتها في محلّة برج البراجنة. وكأنّ "الهدنة" بالنسبة لأغلبية سكان الضاحية لم تكن سوى مجرد خبر سياسي بعيد عنهم، أي "هدنة" مؤجلة المعنى، لا نهاية مؤكّدة للحرب.
.. وماذا بعد؟
هي ليست عودة، بل استهلال عودة الى حيث الأرض والبلدات والقرى والذكريات والغد. لبنانيّون هم، والكثيرون منهم حملوا مهلة الأيام العشرة، واخترقوا أولى ساعاتها، ليسابقوا الشمس الى أرض بادلوها حبّاً لا يُقاس بالساعات والأيام، وليحجزوا مكانهم عند أبواب القرى والبلدات والمناطق المدمّرة، إذْ "لا حلّ مع هذا الشعب. يموت واقفاً، ويعود خاشعاً. ينكسر ولا يقع، بالرغم من كلّ الدمار والخسارات المتراكمة"، يقول أحدهم، وهو الذي وطئ قريته الجنوبيّة في قضاء صور، ممتنّاً وصابراً وصامداً في نزوحه، ومحتفلاً بوقف إطلاق النار الذي أتاح له أن يتنشّق رائحة التراب.
إلا أن ما وحّد الجميع، فسيارات محمّلة بفرشات وحقائب، وأخرى لم تحمل سوى أهلها ولهفتهم. كلّ من على الطريق كان يعرف الى أين يذهب، حتى لو لم يكن يعرف ماذا سيجد.. الوجوه متشابهة في التعب والذهول. الأسماء مختلفة فقط. الجميع يراقب الحفرة نفسها، ينتظر الجرافة نفسها، ويتقدم معها خطوةً خطوة. هنا، لم يعد الانتظار حالة فردية. صار الإنتظار جماعياً.
عائلات تقف فوق الركام نفسه، تبحث عن أفرادها، وتتابع كل قطعة إسمنت تُرفع، كأنّها قد تحمل اسماً تعرفه. وفي كلّ مرّة تتوقف فيها الجرّافة، يعود الصمت أثقل من قبل. وهكذا، الى أن رسا المشهد على صورة مستعادة مجدّداً من زمن الحروب السابقة: من وجد منزله، تفيّأ ظلاله مجدّداً. من وجده متضرّراً، بدأ في ترميمه بما تيسّر. ومن وجده مدمّراً، نصب خيمة فوق ركامه.
أمّا من بين نصوص الإتفاقيات المبرمة، فسقطت مدينة بنت جبيل وقراها من حسابات الحماية، لتُترك فريسة لسياسة "الأرض المحروقة". عمليات نسف ممنهجة وتفجير تطال آلاف الوحدات السكنية المتبقية في الأحياء المتوزعة، و"جريمة حرب" أمام عيون أبنائها، حيث يتبخّر ويتطاير تعب السنين، ويتحوّل جنى الأعمار وشقاؤه إلى رماد!
وفي يوم المسير الطويل في هذه المشهديّة، حكايات تُروى عن الصمود والبقاء. عن راعي الغنم الصامد. عن "ختيار" الشرفات الذي رفض النزوح. عن "بنت جبيل" التي ظلّ مثلّثها عصيّاً على الإحتلال.. ولا يزال للأيام المقبلة بقية. والبقيّة بين طيّات "هدنة"، ليست نهائية بعد. هي مجرّد فسحة زمنية قصيرة في الحرب. يتعامل معها الأهالي كاستراحة بين احتمالين: إمّا تثبيت الإستقرار، وإمّا عودة القصف.. "هدنة" كشفت ما خلّفته الغارات، منذ بدء العدوان في 2 مارس الفائت ولغاية ليل 16 من الجاري. وأرقام دامية فوق الركام: 2294 شهيداً و7544 جريحاً.. هدنة منحت فرصة لالتقاط الصور، لكنّ الأرقام وحدها كفيلة بأن تروي ما لا يمكن للكاميرا أن تختصره.. و"على أمل أن تكون آخر حرب وآخر نزوح"، كما يتمنى محمد، تختصر روان مشهد الهدنة الحالية بعبارة: "الفرح والحزن ماسكين إيدين بعض". أمّا لسان حال الجميع، فيسأل: بالنسبة لبكرا، شو؟!
