عندما تصدمك الحياة!
الألم أحيانا لا يأتي من جرح في اليد أو أي جزء من أجزاء الجسد، لكن الألم قد يأتي من صدمة كبرى جلبتها لك الحياة من سلوك أشخاص ظننت بهم خيرا، ولم يصدقوا معك، فخاب ظنك بهم! قيل منذ زمن طويل إن الإهمال رسالة واضحة عنوانها «ابتعد»، لكن هذا الابتعاد هو شطر آخر من رثائية مزقت شرايين القلب، وأحدثت اضطرابا واضحا في العقل خاصة عندما يصدر من شخص قريب أو عزيز.
وصدق الشاعر كريم العراقي عندما أنشد قائلا:
كم خاب ظني بمن أهديته ثقتي
فأجبرتني على هجرانه التُّهمُ
كم صرت جسرا لمن أحببته فمشى
على ضلوعي وكم زلّت به قدم
قصيدة طويلة، لكن معانيها غزيرة، فالعراقي استطاع بعقلية المتفتح الناضج الحكيم رسم خيوط الواقع بإبرة الألم، لذا كانت كلماته صادقة بما تكفي للوعظ والاسترشاد بها في معرفة المخادعين من الناس.
تُرى ما القاسم المشترك بين خيبات الرجاء ونكران الجميل؟
الحقيقة أن كلا الأمرين فيهما انشطار واضح للنفس البشرية خاصة عندما تتعرى أمامك أسمى مشاعر الوفاء المنتظر تحقيقها، ويصبح النكران جزءًا من ثقافة البعض، واللائمة تقع عليك لأنك قدمتهم على نفسك، ووهبت شيئا لمن لا يستحق! في العُرف الإنساني ينصح الحكماء بعدم الاجترار وراء المشاعر في كل وقت، فلا تكن مثاليا على الدوام بمعنى أنك ترى الأشياء عادية، وتقنع نفسك أنه أمر طبيعي وستكبر يوما على الإساءة فتنساها.
لكن مع تكرار الأخطاء سوف تؤذي نفسك كثيرا؛ لأن الضرر النفسي من انكسار الروح يضعف التشافي منها بسهولة، فقد لا تدري بأن الألم العميق سيأتي «مضاعفًا» على غير العادة خاصة عندما تصدر الأذية من أشخاص وضعت فيهم كامل ثقتك، فقابلوا صنيعك بالنكران والجحود وبصنيعهم ذلك يسددون لك ضربات أشد من طعنة السيف والرمح، فتتحول الطيبة إلى ذنب لا يغتفر، والذكريات الجميلة إلى حسرة تطاردك لسنوات طويلة.
وهنا نتوقف مع قول صادق لـ«فيودور دوستويفسكي»: لم أعد أتفاجأ بردات الفعل وخيبات الأمل، لقد مضى وقت طويل جدا منذ وصولي إلى اليقين بأن كُل شيء ممكن أن يحدث من أي شخص.
من جانبه، يحدّث الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش نفسه قائلا: «لا أريد أن أرى أكثر مما رأيت من خيبات الأمل، ولعل ذلك هو آخر ما تبقى لي من أمل، أن أحصّن نفسي ضد الخيبة».
إذن نحن على قناعة تامة بأن ليس كل البشر ينظرون إلى صنيعك على أنه كرم أخلاقي بل واجب عليك تقديمه، وهذا منبع خلافنا مع أفكار البعض التي لا تعترف بالجميل الذي يسدى إليها، وهنا عليك أن تعي بأن ليس كل مَن زرع جميلا سيحصده، لأن ليس كل الأراضي في الدنيا قابلة للزراعة فالأراضي البور لا تنبت سوى القحط حتى لو غُذّيت بماء الذهب، كذلك بعض البشر لا يعترفون بما يُقدم إليهم من تضحيات ومثلما يقال في تصوير ووصف مرارة الخذلان في العلاقات الإنسانية «ما أصعب خيبة الأمل حين تنثر قمح محبتك في أرض تعتقدها صالحة، وتتفاجأ بأنها قاحلة».
أفضل نصيحة لتدارك خيبات الأمل بنكران الجميل هو أن تخفف من سقف توقعاتك من البشر، وتأكد أن الإنسان لا بد له من خيبات الأمل ونكران الجميل حتى يعلم بأن هذه الصفعات هي مَن ستوقظه من أوهامه وتُعيد له ثقته بنفسه وليس بالآخرين.
