حرب لبنان في يومها الـ35.. معادلة مضبوطة على توقيت الميدان
بيروت - وفاء عواد
فيما مرّت ذكرى طيّ الشهر الأول من الحرب الإسرائيلية على لبنان مثقلةً بالوقائع والتقديرات والانطباعات المتشائمة، وتحوّل جنوب الليطاني إلى جبهة متفجّرة يتشظّى بحممها كلّ لبنان، فإن ثمّة إجماعًا على أن ليس في الأفق ما يشير إلى انحسار الحرب، بل على العكس من ذلك، هناك استعارٌ لهذه الحرب، التي تبدو بلا أفق وتتجه إلى مزيد من التعقيد، ومن السيناريوهات المفتوحة على كلّ الاحتمالات، عسكريًا وسياسيًا وميدانيًا. وذلك، وسط تخوّف من أن تفضي أسابيع إضافية من العمليات الميدانية والغارات الجويّة إلى تفريغ سكّاني غير مسبوق للكثير من المناطق، وخصوصًا أن لبنان لن يُدرج على أيّ أجندة دولية ما دامت حرب إيران على تفجّرها.
وبانتظار تسويات لم تولد بعد، وتقف على رصيف انتظار الوقائع الدولية، فإن الساعات الماضية شهدت تصعيدًا ميدانيًا، ترافق مع تصعيد للحرب الإعلامية والكلامية بين إسرائيل و"حزب الله"، ما أشّر، بحسب مصادر عسكرية، إلى أن جبهة لبنان دخلت مرحلة شديدة التعقيد استراتيجيًا، وعكس ازدياد منسوب تأثير هذه الجبهة على الوضع الداخلي في إسرائيل.
ومن العموميّات إلى الخصوصيّات، وسّع الجيش الإسرائيلي "بنك" أهدافه، واستهدف الجسرين الواصلين بين بلدتي سحمر ومشغرة في البقاع الغربي، فوق مجرى نهر الليطاني، وأحدهما جسر أثري تمّ بناؤه عام 1952. وذلك، في خطوة تُنذر بمزيد من الضغط على خطوط الربط الحيوية بين البقاع والجنوب، وتكرّس اتجاهًا واضحًا نحو توسيع نطاق الاستهدافات الميدانية والبنى التحتية. علمًا أن أهمية الجسرين، اللذين تمّ تدميرهما بشكل كامل، تنبع من كونهما يربطان ضفتي نهر الليطاني، ويشكّلان عقدة مواصلات بين عدد من البلدات، عدا عن كونهما يربطان الطريق بين البقاع والجنوب.
أما جنوبًا، وبحسب الأجواء الإسرائيلية، فإن الهدف البديل لعمليات الجيش الإسرائيلي هو تدمير قرى جنوب لبنان بالكامل، وتهجير سكانها، بهدف إنشاء شريط أمني عازل داخل لبنان، على غرار "الخطّ الأصفر" الذي أُنشئ في غزّة، لكن بنموذج مختلف، أي "ديناميكي ومتحرّك"، بدون تمركز عميق في قواعد ثابتة. وقد جدّد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس تهديداته للبنان و"حزب الله"، إذ أكد أن "المنازل في لبنان التي تُستخدم كمواقع لحزب الله سيتمّ تدميرها، وفق نموذج رفح وخان يونس"، و"سنسيطر على منطقة الليطاني، ولن نسمح بعودة نحو 600 ألف لبناني إلى الجنوب حتى تحقيق أمن سكان شمال إسرائيل".
وما لم يقله كاتس حملته التقارير المكثفة التي جرى تسريبها من إسرائيل حول لبنان، والتي استبطنت إصرارًا واضحًا على فكّ الارتباط بين جبهة لبنان وجبهة إيران، مع ما يعنيه الأمر من أن أيّ وقف للنار مع طهران، إنْ حصل، لن يشمل بيروت. وعليه، فإن ثمّة معلومات تشير إلى أن الجبهة اللبنانية ستعنف أكثر، وسط تقديرات عسكرية بأن يشهد الأسبوع المقبل تصعيدًا عسكريًا كبيرًا، يحاكي حجم التضارب الإسرائيلي في التصريحات والتسريبات والتقديرات، حول مسار المعركة أو "مفاجآت حزب الله" التي يتحدث عنها الإسرائيليون أنفسهم.
إلى ذلك، تجاوزت التهديدات الإسرائيلية "حزب الله" مجددًا، لتشمل الدولة اللبنانية بشكل مباشر، وذلك من خلال تخييرها بين أمرين لا ثالث لهما: إما المواجهة الداخلية مع "حزب الله"، وإما أن تتحمّل ضربات إسرائيل على البلد ككلّ. أما الأخطر، فهو ما جرى تسريبه عبر صحيفة "هآرتس" عن أن الجيش الإسرائيلي لن ينجح في تجريد "حزب الله" من سلاحه إلا بـ"احتلال كاملٍ للبنان"، مع ما يعنيه الأمر، في القراءات العسكرية، من أن إسرائيل تريد للبنان أن يكون ساحة منفصلة، تُدار بالنار والضغط والتفكيك الممنهج، وتعمل على إعادة تعريف الجنوب بوصفه "حزامًا" مفتوحًا على معادلة أمنية جديدة، مفادها: إنشاء "حيّز أمني واسع" جنوب الليطاني، ومنع عودة السكان، وتدمير خطّ القرى الأول المقابل للحدود. وبمعنى أدقّ، تقليص الخطر، قبل إعادة رسم خطّ تماسّ جديد، ومن ثم شراء أمن مؤقّت عبر تدمير البيئة الحدودية.
أما على المقلب الآخر من الصورة، فإن ثمّة من يرى أن إسرائيل تحاول، يائسةً، فرض معادلة جديدة بالنار، فيما تطوّرات الميدان تفرض معادلة أخرى، تميل فيها الكفّة لصالح لبنان، وذلك باعتراف الإسرائيليين أنفسهم، الذين يجمعون على أن كيانهم لا يستطيع أن يستمرّ في حال استنزاف طويلة الأمد.
وما بين حدّي هاتين المعادلتين؛ حيث تتباين التقديرات حول مدى قدرة إسرائيل على تنفيذ اجتياح واسع للجنوب اللبناني والبقاء فيه بعد انتهاء العمليات العسكرية، أكدت أوساط مقرّبة من "حزب الله" لـ"عُمان" قدرة إسرائيل على الإيغال بالقتل والتدمير في لبنان، من جنوبه المثخن بالجراح إلى بقاعه المهدّد وضاحيته المفتوحة على التصعيد وصولًا إلى كلّ بقعة تشعر بثقل المرحلة وغموض المصير، والتوغّل داخل الأراضي اللبنانية، لكنها "لن تستطيع أن تفرض منطقها على أهل الأرض، ولن يكون لها مستقرّ ولا أمان ولا أيّ منطقة عازلة". وعليه، فإن التساؤل يتمحور حول معادلة أساسية، مفادها: من يملك القدرة على الصمود أكثر في الميدان؟
