No Image
ثقافة

لماذا يحب الفلسطينيون قاسم حداد؟

25 مارس 2026
25 مارس 2026

من ينسى موقع جهات الإلكتروني؟ من يجرؤ على القول بأن هذا الموقع لم يطور نصوصه ولم يحرجها، ولم يأخذها بيدين من حب وجمال إلى قراء أقاصي الأرض؟ من منا من لم تعرّفه جهات على أدب عالمي جديد، أو ناشر جديد أو مهرجان أدبي أو على امرأة ساحرة سميناها جميعا: امرأة الجهات؟ من منا من لم يقل في سره وعلنه: شكرا قاسم على هذا الفضاء المباغت؟ من منا لم يتّصل بأصحابه ذات جفاف إلكتروني مزمن ليصرخ على الهاتف: (إنها تمطر الآن أيها الجافون، وأخيرا مطر عالمي من شعر، ولك شوف موقع جهات، شوف شوف، يا الله مساحة خرافية للحب والكتابة والكتب) من منا لم يرسل لقاسم شكرا أيها العظيم على رئة من فكر وشعر وفلسفة وحب، أهديتها للعالم العربي؟ من منا لم يغف في موقع جهات بينما هو غارق حتى أقاصي قلبه في نص عالمي مترجم لميشو أواوكتافيو باث؟ من منا من لم تغضب منه زوجته ولم يستأ منه والداه وهو يهمل نفسه وصحته ونظافة غرفته وهو ذائب في نقاء جهات وسحرها وغاباتها الفكرية اللذيذة وأشجارها الطيبة؟ من منا من لم يخفق قلبه لامرأة في جهات، وواعد بنتا مجنونة بالشعر في جهات؟ من منا لم يدخل لموقع جهات المجمد، يبكي على شاطئه، أو يبتسم لضياء حزين قديم؟

ليس لهذه الأسباب فقط يحب الفلسطينيون قاسم حداد؟ ثمة أسباب أخرى تتعلق بحب هذا الشاعر لفلسطين وتمسكه بثوابت وطنية قومية إنسانية تجاهها، لم يغير قاسم حبه فلسطين، ما زال مجنونا بها، خائفا عليها، لم يكسر هذا الحب ملل هنا أو ضعف هناك أو التباس هنا أو تناقض هناك، كم فلسطينيا يا ترى وصلته من قاسم رسائل قلق على غزة وعليه في عز المذبحة: زياد أنت بعيد عن قرية عبوين؟ نعم بعيد يا قاسم ما القصة؟ هناك شهداء وأخاف عليك. يا الله يا قاسم! من أنت؟ يشرح قاسم طبيعة حبه وتعلقه بفلسطين: (عندما بدأت خطواتنا في معرفة الحياة كانت فلسطين هي الدرس السياسي الأول وهو الدرس الإنساني بامتياز وربما هو الدرس الذي أعطانا خلال انهماكنا في النضال طابعه الإنساني).

أي ملاك هذا الذي يتتبع عبر الفضائيات أخبار دمنا وحزننا وقرانا ومخيماتنا، ومدننا، خوفا على الشعراء من موت أو من اعتقال! أي ملاك يا الله! أي ملاك هذا الذي يأخذ منه الشعراء العرب فضاء عباراته ويسكت خجلا وتسامحا ومحبة للشعر وتفهما للحياة بتناقضاتها واختناقاتها! هل اكشف سرا حين أقول إن شاعرا عربيا عملاقا أخذ لازمة شعرية من إحدى قصائد قاسم واشتهرت باسمه، ولم يحرك قاسم قيد انفعال، لماذا؟ لأنه ملاك، والملائكة لا ينفعلون للضعف البشري، بالعكس هم يبررونه، ويخفونه ويمضون في رحلة المجد والقلب والله. أطفال مواصي خان يونس في غزة يعرفونك يا قاسم، أعرف أنك تخجل لو قرأت ما سأكتبه ولكني سأكتبه حفظا لتاريخ الشرف والضمير والعروبة والإنسانية: أطفال غزة ما زالوا يقولون: عمو الشاعر قاسم حداد بعتنا ملابس العيد من البحرين.

اعتذر لأني لم أكتب بعد عن كتاب قاسم الذي صدر حديثا عن دار طباق في رام الله، والذي يحتفل به كتّاب فلسطين الآن (يسأل وهو يعرف) ربما يكون الكتاب ذريعة للحديث عن صاحبه، هذا كتاب أهداه قاسم لفلسطين ريعا وأمانة وحبا وشوقا، في الكتاب نصوص ومقاربات نقدية ثقافية للعديد من نصوص وحياة الآخرين من شعراء عالميين وعرب، أيقونة الكتاب نص كتبه قاسم عن زيارته الشهيرة لفلسطين بعنوان فلسطين الأحلام الباسلة يقول فيه: (اسمحوا لي أن أعتبر هذه الزيارة وهذا اللقاء رحلة الروح فأتلمس الدم الناعم الذي يمنح جراحي نكهة الهواء وجسارة الأحلام وأن يكون هذا الدم النبيل الدليل الحميم على الحياة في كائنات هذه الأرض، فانتخب لحبي القديم نبيذا على شاكلته، يترنح لفرط الذاكرة مفعما بلا مبالاة الشعر ويقظة القلب فإذا جاء موت ما لا يراني).

نحبك قاسم