كيف تؤثر حرب إيران على إمدادات الأسمدة وأسعارها والأمن الغذائي؟
لندن - (رويترز): حذر محللون من تداعيات متزايدة للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، مشيرين إلى أنها قد تحدث اضطراب واسع النطاق في أسواق الأسمدة العالمية، بما يهدد الأمن الغذائي، خصوصا في الدول النامية خلال المدى القريب، ويرى هؤلاء أن الصراع لا يقتصر تأثيره على أسواق الطاقة، بل يمتد إلى قطاعات حيوية أخرى، في مقدمتها قطاع الأسمدة، عبر ارتفاع تكاليف الإنتاج، وتعطل سلاسل الإمداد، وتراجع تدفقات التجارة العالمية.
وتأتي هذه التحذيرات في وقت تشهد فيه الأسواق العالمية حالة من الترقب، وسط مخاوف من استمرار التوترات وتأثيرها على استقرار الإمدادات، خاصة مع اعتماد عدد كبير من الدول على الواردات لتأمين احتياجاتها الزراعية.
- محور الإمدادات العالمية
وتتجلى الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز في كونه شريانًا حيويًا ليس فقط لتجارة النفط والغاز، بل أيضًا لإمدادات الأسمدة عالميًا، إذ تمر عبره نحو ثلث تجارة هذا القطاع، إلى جانب ما يقارب 20% من تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال. ويُعد هذا الترابط بين الطاقة والأسمدة عاملًا حاسمًا، نظرًا لاعتماد إنتاج الأسمدة، خاصة النيتروجينية، بشكل كبير على الغاز الطبيعي كمادة خام ومصدر رئيسي للطاقة.
وتشير التقديرات إلى أن الطاقة تمثل ما يصل إلى 70% من تكاليف إنتاج الأسمدة، ما يجعل أي اضطراب في إمدادات الغاز أو ارتفاع في أسعاره ينعكس بشكل مباشر على تكلفة الإنتاج وأسعار البيع في الأسواق العالمية.
ومع تصاعد التوترات في المنطقة، وتعرض الممر الملاحي لإغلاق شبه كامل، إلى جانب الهجمات التي طالت منشآت طاقة في مناطق مختلفة من الخليج، اضطرت عدة منشآت إلى وقف أو تقليص إنتاجها. وقد أدى ذلك إلى تراجع الإنتاج في عدد من الدول المنتجة، ما انعكس بدوره على توافر الأسمدة في الأسواق العالمية.
ويأتي هذا التطور في توقيت حساس، يتزامن مع استعداد المزارعين في دول النصف الشمالي من الكرة الأرضية لموسم الزراعة الربيعية، وهو أحد أهم المواسم الزراعية خلال العام، ما يقلّص هامش المناورة أمام الأسواق ويحدّ من القدرة على تعويض أي نقص في الإمدادات في الوقت المناسب.
- ركيزة الأمن الغذائي العالمي
وتعد الأسمدة عنصر أساسي في منظومة الأمن الغذائي العالمي، إذ تشير التقديرات إلى أن نحو نصف الإنتاج الغذائي يعتمد على استخدامها بشكل مباشر. كما تمثل هذه المدخلات نسبة كبيرة من تكاليف الإنتاج الزراعي، حيث تصل في بعض الدول إلى نحو 50% من تكلفة إنتاج الحبوب.
وفي هذا السياق، حذرت منظمات دولية من أن عددًا من الدول منخفضة الدخل كان يعاني بالفعل من مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي قبل اندلاع الصراع، ما يجعلها أكثر عرضة لتداعيات أي اضطراب جديد في الأسواق.
وتحظى الأسمدة النيتروجينية، وعلى رأسها اليوريا، بأهمية خاصة على المدى القصير، نظرًا لدورها المباشر في تعزيز إنتاجية المحاصيل. ويؤدي عدم استخدامها خلال موسم زراعي واحد إلى انخفاض ملحوظ في الإنتاج، على عكس أنواع أخرى مثل الفوسفات والبوتاسيوم، التي يكون تأثيرها أقل حدة في الأجل القريب، ما يزيد من حساسية الأسواق تجاه أي نقص في هذا النوع تحديدًا.
- تعطل الإنتاج في الأسواق
في ظل هذه التطورات، شهدت عدة دول ومنشآت رئيسية اضطرابات في إنتاج الأسمدة فقد أُوقف إنتاج أكبر مصنع لليوريا في قطر عقب تعليق إمدادات الغاز نتيجة الهجمات التي استهدفت منشآت الطاقة، في حين تواجه مصر تحديات محتملة في إنتاج الأسمدة النيتروجينية بسبب تعطل تدفقات الغاز.
كما خفّضت الهند إنتاجها في عدد من مصانع اليوريا، في وقت تُعد فيه من أكبر الأسواق استهلاكًا لهذا النوع من الأسمدة عالميًا، وتعتمد بشكل كبير على واردات الشرق الأوسط لتلبية احتياجاتها. وكانت الهند قد وافقت مؤخرًا على شراء كميات كبيرة من اليوريا، إلا أن جزءًا منها قد يتأخر وصوله نتيجة اضطرابات الشحن.
وفي بنجلادش، أُغلقت أربعة من أصل خمسة مصانع للأسمدة، فيما حذرت شركات دولية من احتمال تأخر الشحنات، بما في ذلك شحنات اليوريا، نتيجة الاضطرابات في حركة النقل البحري.
وتبرز البرازيل كأحد أكثر الدول تأثرًا، إذ تعتمد بشكل شبه كامل على واردات اليوريا، يمر نحو نصفها عبر مضيق هرمز، ما يجعلها عرضة لتأثيرات مباشرة في حال استمرار تعطل هذا الممر الحيوي. وفي الولايات المتحدة، أفاد مزارعون بوجود نقص ملحوظ في الإمدادات خلال هذه الفترة من العام، ما انعكس على توفر الأسمدة في الأسواق المحلية.
وعلى المستوى العالمي، تشير التقديرات إلى تراجع صادرات اليوريا بشكل حاد مقارنة بالمعدلات المعتادة، في ظل قيود التصدير التي تفرضها بعض الدول، إلى جانب تعطل الإنتاج في مناطق رئيسية، وهو ما يفاقم الضغوط على الأسواق.
- قفزات سعرية
في موازاة ذلك، سجلت أسعار الأسمدة ارتفاعات ملحوظة منذ اندلاع الصراع، حيث أظهرت بيانات السوق ارتفاع أسعار اليوريا في الشرق الأوسط بنحو 40% لتتجاوز 700 دولار للطن، مقارنة بأقل من 500 دولار قبل الحرب. كما شهدت الأسواق الأمريكية زيادات وصلت إلى نحو 32%.
ويرى محللون أن هذه الزيادات قد لا تكون مؤقتة، إذ تشير التوقعات إلى إمكانية استمرار ارتفاع الأسعار، وربما اقترابها من الضعف في حال استمرار الصراع وتعطل الإمدادات لفترة أطول، ويعزى ذلك إلى صعوبة تعويض النقص في المعروض عالميًا بسرعة، خاصة في ظل محدودية الطاقة الإنتاجية لدى بعض الدول، واستمرار القيود على التصدير من قبل دول رئيسية.
كما تواجه أسواق الأسمدة تحديات إضافية، من بينها تعطل الإمدادات من بعض كبار المنتجين، وارتفاع تكاليف النقل والشحن، إلى جانب حالة عدم اليقين التي تسيطر على الأسواق العالمية، ما يزيد من تقلبات الأسعار ويؤثر على قرارات الشراء لدى الدول المستوردة.
وفي ضوء هذه المعطيات، يبقى مستقبل أسواق الأسمدة مرتبطًا بتطورات الأوضاع الجيوسياسية في المنطقة، ومدى قدرة سلاسل الإمداد العالمية على التكيف مع هذه التحديات، في وقت تتزايد فيه المخاوف من انعكاسات ذلك على الأمن الغذائي العالمي خلال الفترة المقبل.
